لقد كتب السادات هذا المقال في ١٩/١/١٩٥٤م؛ أي بعد قرار مجلس قيادة الثورة بحل جميع الأحزاب السياسية في ديسمبر 1953م، واستثناء جماعة الإخوان المسلمين من الحل؛ لأنها لا ينطبق عليها ما ينطبق على الأحزاب السياسية، غير أن الجميع فوجئوا بعدها ودون سابق إنذار بقرار مجلس قيادة الثورة في 4/1 بحل جماعة الإخوان المسلمين، واعتقال ما يقرب من مائتين من قادتها، والزج بهم في السجون، وليس ذلك فحسب بل إعفاء محمد نجيب من مهامه؛ بسبب التوتر بينه وبين جمال عبد الناصر وبعض قادة الثورة؛ ما يدل على التخبط وعدم الاتزان في تحديد الهدف.
إلا أنه وبعد مظاهرة عابدين في مارس عام 1954م قام مجلس قيادة الثورة بإعادة محمد نجيب لمنصبه مرة أخرى، والإفراج عن قادة الإخوان، وإعادة الجماعة لسابق نشاطها، وإلغاء قرار الحل السابق في يناير وأكثر من ذلك؛ فقد ذهب عبد الناصر وصلاح سالم لزيارة المستشار حسن الهضيبي في منزله- كما جاء صورتهم في صحيفة (الجمهورية)- ومن المعروف أن السادات كان رئيس تحرير صحيفة (الجمهورية) فكتب يحاول تبرئة مجلس قيادة الثورة من تصرفه السابق بحل الإخوان بدون سبب، غير أنه لم يثبت كيف حادت هذه المجموعة عن منهج الإخوان، ولِمَ تحدَّث هو عن هذه المجموعة، خاصةً أنهم قادة الجماعة، والتاريخ شاهد أن الإخوان ما حادوا عن منهجهم ومبادئهم؟.
يقول السادات في مقاله:
يستطيع أي حاقد في هذه البلاد أن يرمي قادة الثورة بأية تهمة يزين له الحقد أن يرميهم بها، ويستطيع أي موتور أو أي مضلل أن يرمينا بسوء التصرف أو الجهل أو بالأنانية، وأن ينقلب محاسن أعمالنا إلى أضدادها.. ولكن تهمة واحدة لن يستطيع إنسان ما بالغًا ما بلغ من الحقد أو الجرأة أو "القحة" أن يلصقها بنا أو يفتريها علينا.. تلك هي تهمة التنكر لديننا دين الإسلام المتغلغل في دمائنا المتأصل في أعماق نفوسنا وقلوبنا.
![]() |
|
نص المقال1 (اضغط للتكبير) |
ونحن كمسلمين نفهم ديننا على حقيقته، وندرك حدود وتعاليمه، نرى الإسلام مجموعة من الفضائل لا يكمل الدين الحق إلا بها جميعًا، وتنطوي تحت لواء هذه المجموعة من الفضائل؛ الفدائية والصدق والاستقامة والوطنية والنأي بالوطن عما يفرق كلمة بنيه، ويعرضه لنيران الفتن.
ولهذا كنا أحرص الناس على بقاء جماعة الإخوان المسلمين لاعتقادنا أنها جماعة صالحة، تدعو لدين الله، ولما رسمه الإسلام من أخلاق كريمة ترفع شأن المسلمين وتعزز مجدهم.. وهي نفس المبادئ التي اعتنقناها عن إيمان ويقين؛ لا لأنها مبادئ الإخوان المسلمين، بل لأنها مبادئ الإسلام نفسه التي يجب أن يتمسك بها كل مسلم، فإذا جاء اليوم هذا النفر الذي أراد أن ينحرف بهذه الجماعة الصالحة عن أهدافها الصالحة، وزعم أننا نحارب الإسلام حين نحاربهم، فلن يجدوا من يصدق زعمهم، فلسنا نحن الذين نبيع ديننا بدنيانا، ولسنا نحن الذين نحرص على جاه أو منصب، بعد أن قدمنا رءوسنا وأعناقنا نفتدي بها مصر.
![]() |
|
نص المقال2 (اضغط للتكبير) |
إن جماعة الإخوان المسلمين جماعة سامية الأهداف نبيلة الأغراض، ولكنها- ككل هيئة أو جماعة- تضم بين صفوفها بعض مَن تنطوي نفوسهم على دخل.. وليس عجبًا أن يظهر أمثال هؤلاء في هذه الجماعة الصالحة، فقد ابتلى بمثلهم الإسلام في مستهل دعوته، وابتلى الرسول بأمثالهم من الموهنين وضعاف العزائم والناكصين على الأعقاب ومحبي الجاه والسلطان أمثال أبي سفيان.. فليس عجبًا أن بين هذه الجماعة المؤمنة بعض ضعاف الإيمان أو بعض الساعين إلى الجاه والسلطان.. وحين يطغى الغرض الذاتي على الهدف النبيل، فمن الواجب على كل مسلم أن يجنب المسلمين شر هذه الفتنة.. وهذا ما فعلناه لا لحماية أنفسنا.. بل لحماية الدعوة النبيلة والقصد الكريم.. بل ولحماية الإخوان المسلمين أنفسهم ممن فرضوا عليهم "السمع والطاعة"، هذا هو رأينا فليجادلنا فيه من يؤمن بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)﴾.اهـ.
وبالرغم مما سبق من كلمات السادات، والتي تعد شهادة طيبة في حق الإخوان وأهدافهم، إلا أنه لم يكد يمر شهور حتى تم اعتقال آلاف الإخوان، والزج بهم في السجون وإعدام بعضهم؛ بحجة محاولة اغتيال عبد الناصر التي أثبتت الشواهد واعترافات بعض رجال الثورة أنفسهم أن هذا الحادث غير صحيح وأنه كان معدًّا له.

