- صغار الصيادلة: يحاولون إجبارنا على العمل عندهم أو البطالة
- د. محسن عبد العليم: نرصد التجاوزات ومعالجتها لحماية المهنة
- د. أحمد رامي: بعض المسئولين في الوزارة وراء هذه السلاسل
- د. أيمن عبد الحليم: اشتراك النقابة في المراقبة ضرورة لمحاربة الفساد
- د. محمد حمودة: الصيدليات الكبرى تحوَّلت لمشروعات بيزنس وحشية
- د. فريد إسماعيل: البرلمان يسعى لإقرار قانون يحمي صغار الصيادلة
تحقيق- مي جابر:
يقع المواطن المصري فريسةً للعديد من أشكال الفساد التي تهدِّد حياته وصحته، فمن سرقة قرارات العلاج على نفقة الدولة ثم محاولة إلغائها، مرورًا بانتشار الأدوية الفاسدة في الأسواق المصرية، وأخيرًا وليس آخرًا احتكار سلاسل الصيدليات المشهورة، وتحولها من خدمة المرضى إلى مشروع بيزنس يهدف إلى تحقيق الثروة لأصحابه بغضِّ النظر عن حياة المرضى ومعاناتهم.
فبعد قرار نقابة الصيادلة إحالة الدكتور صاحب ومدير سلسلة صيدليات "العزبي" الشهيرة إلى مجلس تأديب؛ للتحقيق فيما نُسب إليه بشرائه أسماء صيادلة صغار بالمخالفة لقانون مزاولة المهنة، والذي يلزم الصيدلي بفتح صيدليتين فقط، فُتح باب النقاش حول ممارسات سلاسل الصيدليات الشهيرة المخالفة والمرسخة لسياسة الاحتكار؛ لتكشف عن سيطرة رجال الأعمال على كافة مجالات الحياة المصرية.
(إخوان أون لاين) ناقش جميع الأطراف؛ لمحاولة الوقوف على التجاوزات التي ترتكبها سلاسل الصيدليات الكبيرة، ومعرفة الأسباب الحقيقية وراءها، واستعرض آراء باقي الصيادلة في هذه التجاوزات، وما الوسائل الممكنة لمواجهتها.
احتضار المهنة
بدايةً.. التقينا بعامة الصيادلة؛ حيث يعتبر الدكتور محمد أحمد (صيدلي بإحدى الصيدليات بالسيدة زينب- 34 عامًا) أن الصيدليات الكبيرة تحاول الآن وضع السوق في جيبها الخاص، بغضِّ النظر عن مصلحة المرضى، فتجاهلت هذه الصيدليات رسالة المهنة والتي تهتم في الأساس بتقديم خدمة طبِّية للمرضى، والمساعدة في تخفيف آلامهم، وتحولت إلى البحث عن الأموال والأرباح التي تُشبع جشعهم وطمعهم.
وتنتقد الدكتورة منال عدم وجود رقابة لهذه السلاسل الكبرى، فتقول: إن هذه السلاسل تفعل ما تريد دون مساءلة، ومخازن الأدوية توزع كميات كبيرة على هذه الصيدليات الكبيرة ثم تقول لجمهور الصيادلة إن الدواء نفد ليحتكر الكبار أصنافًا بعينها من الأدوية.
وتهاجم منال جورج (صيدلانية بإحدى الصيدليات بقصر العيني- 26 عامًا) قرار الاشتراطات الصحية، وتسميه بقرار للكبار فقط، وكأنه يقول للأجيال الجديدة من الصيادلة "إما أن تعمل تحت سلطتي أو تجلس في بيتك"، وهو ما يؤدي إلى تضخيم الكبار على حساب الصغار.
ويرجع الدكتور محمود عبد الحليم (صيدلي بإحدى الصيدليات بالمنيل- 41 عامًا) سبب تضخم هذه السلاسل إلى توفر الإمكانيات المادية لأصحابها، فيقول: إن سياسة مصر الآن هي "من يملك المال يستطيع أن يحيا ويعمل كيفما شاء"، أما من كان في بداية حياته فليس له مكان في وسط هذه الغابة.
ويتفق معه الدكتور ضياء علي (صيدلي وصاحب صيدلية بقصر العيني- 39 عامًا) فيقول: إن مهنة الصيدلة في مصر تحتضر واقتربت على الاختفاء، فالصيادلة سيبدءون في مزاولة مهن أخرى مثل: الحلاقة بدلاً من الصيدلة، فالصيدلي يحتاج إلى نصف مليون جنيه ليستطيع أن يبدأ حياته المهنية، وهذا قبل قرار الاشتراطات الصحية الجديدة.
وقال: إن الصيدليات الكبيرة تجلب أدويةً مهربةً من الخارج، وتخبئها في شقق قريبة من الفروع، وتبيعها لزبائنها من الخليج العربي بأسعار خرافية.
ويرى الدكتور محمد أشرف (صيدلي بإحدى الصيدليات بقصر العيني- 29 عامًا) أن هذه السلاسل تخالف القانون بتخفيض أسعار بعض الأدوية لتحقق مكاسب سريعة، كما يستنكر تحول هذه السلاسل إلى البيزنس عن طريق سلع رفاهية مثل لعب الأطفال، بينما تتجاهل خدمة المرضى الأساسية التي هي رسالة الصيادلة الرئيسية.
ويقول الدكتور أحمد مصطفى (صيدلي بإحدى الصيدليات بالسيدة زينب- 35 عاما): إنه لو وجد نقص في صنف معين من الأدوية ولم يجده في الشركات المنتجة له يتصل على أحد هذه السلاسل ويطلب منها هذا الصنف فتوفره له، بينما لا يعلم مصادر حصول هذه السلاسل على أصناف الدواء الناقصة.
وتوضح الدكتورة مريم منير (صيدلانية بإحدى الصيدليات بالمعادي- 24 عامًا) أن سبب وجود هذه الأصناف لدى السلاسل دون غيرها بسبب ارتفاع حصتها من الكوتة التي تفرضها عليها وزارة الصحة لكثرة فروعها؛ حيث تأخذ هذه السلاسل نصيب عشرات الصيدليات الصغيرة، كما أن بعض أصحاب هذه السلاسل لديهم سجل تجاري خاص باستيراد أدوية لحسابهم الخاص من الخارج.
سلاسل مخالفات
ويؤكد الدكتور محسن عبد العليم أمين صندوق نقابة صيادلة القاهرة ومدير عام التفتيش والتراخيص الصيدلية السابق بوزارة الصحة، أن هذه السلاسل ترتكب العديد من المخالفات والتي من شأنها ضرب المهنة في مقتل، منها على سبيل المثال وليس الحصر: الاتجار في الأدوية المهربة ومجهولة المصدر وغير المسجلة بوزارة الصحة وغير الخاضعة للرقابة، فسلاسل الصيدليات أول مَن فتحوا سوق تهريب الأدوية إلى مصر؛ ما شجَّع مافيا غش الأدوية إلى اختراق السوق المصري من خلال مروجي الأدوية المهربة (أصحاب سلاسل الصيدليات) الذين اتخذوا من صيدلياتهم منفذًا لبيع هذه الأدوية.
ويتهم د. عبد العليم سلاسل الصيدليات بضرب الصناعة الوطنية والمنتج الدوائي المصري، من خلال الدعاية والتسويق لأدوية مهربة يوجد منتج محلي مثيل بزعم أن هذا الدواء أفضل من المنتج المحلي، وأيضًا توسع انتشارها في الشارع المصري من خلال استعارة أسماء صيادلة لتفتح صيدليات جديدة، وهو مخالفة صريحة لقانون الصيادلة، ويضيف أن هذه السلاسل تستأجر صيدليات مرخصة تحت بند عقود إدارة وتغيير لافتة هذه الصيدليات لتكون باسم هذه السلاسل.
مافيا
د. أحمد رامي

ويؤكد الدكتور أحمد رامي عضو مجلس نقابة الصيادلة أن هناك خللاً في تطبيق القانون، فلا يعقل أن يسمح لمستورد والمصنع أن يكون موزعًا أيضًا؛ ما يظلم باقي الصيدليات، فهذه السلاسل تستورد لحسابها الخاص أصنافًا معينة وتوزع النصيب الأكبر منها لفروعها بينما تترك الفتات لباقي الصيدليات، وهو ما يسمح لها باحتكار الأدوية لحسابها الخاص.
ويتهم الصيدليات الكبيرة بمخالفة القانون الذي يُلزم الصيادلة بامتلاك صيدليتين فقط، ولكن تحولت سلاسل لمافيا تريد احتكار السوق لصالحها.
ويضيف قائلاً: إن نقابة الصيادلة حوَّلت أصحاب بعض هذه السلاسل إلى التحقيق، وأرسلت إلى وزارة الصحة خطابًا تطالبها بإزالة لافتات السلاسل المخالفة القانون، ولكن الوزارة لم تستجب للنقابة ولم تنفذ القانون.
ويشير د. رامي إلى أن مساعد وزير الصحة لشئون الصيادلة الدكتور كمال صبرة شريك أساسي لإحدى مجموعة صيدليات "ديلمار" و"عطا الله"؛ ما يبرر تخاذل الوزارة في اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف تجاوزات سلاسل الصيدليات، فوزارة الصحة تعمل لصالح السلاسل وليس لصالح جمهور الصيادلة أو المرضى.
بيزنس
ويعبِّر الدكتور أيمن عبد الحليم عضو مجلس نقابة الصيادلة بالاسكندرية عن استيائه لما وصلت له هذه السلاسل من تجاوزات، فيقول: إن الصيدلة هي مهنة تهدف إلى توصيل رسالة خدمة المرضى في الأساس، ولكن تدخُّل رأس المال أدَّى إلى تضخم هذه السلاسل وإنشائها أكثر من 20 فرعًا للسلسلة الواحدة، فتحوَّلت إلى بيزنس يهدف إلى تحقيق الأرباح والمكاسب المادية فقط؛ حيث تهتم تقديم السلعة أكثر من تقديمها للخدمة.
ويضيف: أن هذه السلاسل تستخدم امتلاكها لرأس المال وسلطتها داخل وزارة الصحة لتهريب الأدوية غير المسجلة في الوزارة عن طريق تجَّار الشنطة وبيعها في الأحياء الراقية، والتي يبحث سكانها عن الأدوية المستوردة بغض النظر عن كونها مسجلةً في وزارة الصحة أم لا، فمجتمعنا ما زال يعاني من عقدة الخواجة حتى في المجال الصحي، فيفضل المنتجات الأجنبية على المحلية حتى لو كانت نفس الجودة والكفاءة.
وعن جهود النقابة لوقف هذه التجاوزات يقول عبد الحليم: وقَّعت النقابة على اتفاقية مع وزارة الصحة تلزم الصيدلي بوضع اسمه على الصيدلية لمنع استغلال السلاسل الكبيرة للصيدليات الصغيرة ووضع اسمها عليها، وتقوم النقابة بالتحري عن صاحب الصيدلية الذي يرغب في تسجيلها وإذا وجدت النقابة أنها بالفعل لصاحب طلب التسجيل ومن تمويله الخاص توافق النقابة على إعطاء التصريح له، ولكن يتجه أصحاب هذه السلاسل لأخذ التصريح من وزارة الصحة من وراء النقابة في مخالفة صريحة للاتفاقية.
ويدعو إلى إشراك نقابة الصيادلة في عملية التفتيش على الصيدليات لمنع تداول الأدوية المهربة، فالنقابة لديها الخلفيات الكافية للصيادلة والصيدليات ما يساعد في منع تجاوزات بعضها، كما يدعو صغار الصيادلة بالاحتفاظ بأسمائهم، وألا يكونوا ضحايا لهذه السلاسل التي تسلب حقوقهم فتضع اسم صاحب الصيدلية بشكل غير واضح على الصيدلية بينما اسم سلسلتها يوضع بأكبر خط ممكن.
مصالح المسئولين
ويقول الدكتور محمد حمودة عضو مجلس نقابة صيادلة البحيرة: إن سبب تجاوزات هذه السلاسل هو أنها عندما بدأت كانت تبحث عن الربح الكبير ولا يرضيها الأرباح الزهيدة التي تأتي من وراء الأدوية المسجلة والمحلية، فبداية هذه السلاسل كانت مع سفر بعض الأطباء للخارج ورغبتهم تداول أنواع من الأدوية بعينها والتي وجدوها في الخارج، فلجئوا إلى بعض الصيدليات الكبيرة واتفقوا معها على توريد هذه الأدوية، ومع تجاهل وزارة الصحة لهذه المشكلة وعدم سعيها لتوفير هذه الأنواع بشكل رسمي، تحوَّلت هذه السلاسل إلى مافيا تسعى لاحتكار الصيدليات والدواء.
![]() |
|
د. فريد إسماعيل |
ويؤكد أنه رغم ترويج هذه السلاسل للأدوية المهربة على أن مفعولها أقوى من الأدوية المحلية والمسجلة إلا أنها تحتوي على نفس التركيبة والمفعول، ويضيف أن الربح وراء هذه الأدوية فتح شهية هذه الصيدليات الكبرى لمزيدٍ من الأرباح والثروة، وهو ما جعل هذه السلاسل تتجه إلى الاحتكار والاتجار في أدوية غير مصرح بها لجني المزيد من المال، ويضيف قائلاً: "وصل عدد فروع أحد السلاسل الشهيرة العام الماضي إلى 30 فرعًا، ثم ارتفع إلى 50 فرعًا في العام الحالي في كلِّ أنحاء الجمهورية حتى النائية منها مثل الغردقة، وهو ما يؤكد أن هذه السلاسل تتحرك بفكر رأسمالي بحت يسعى للسيطرة على كل ما تصل له يده".
ويرجع حمودة سبب تمادي هذه السلاسل في تجاوزاتها إلى بعض المسئولين أصحاب المصالح من رجال الأعمال، فوزارة الصحة تؤيد وجود هذه السلاسل وتدعمها بسبب مشاركة بعض هؤلاء المسئولين في هذه السلاسل، فلا يوجد تطبيق للقانون الذي ينص على أنه لا يحق للصيدلي امتلاك أكثر من صيدليتين، كما تتهرب هذه الصيدليات الكبرى من التفتيش.
ويتفق معه الدكتور فريد إسماعيل نائب مجلس الشعب في لجنة الصحة، ويشير إلى أن عدم مراقبة هذه السلاسل ومتابعتها ومحاسبتها يسمح لها بمزيدٍ من التجاوزات، ويسعى مجلس الشعب لرفض قرار الاشتراطات الصحية التي تخدم مصالح الصيادلة الكبار على حساب حديثي التخرج من الصيادلة، والذين يقدَّرون بعشرة آلاف خريج سنويًّا، وهناك آمال كبيرة بإلغاء هذه الاشتراطات في الأيام المقبلة، ويضيف أن هناك مشروع قانون للصيدلي يقيد تداول الأدوية المجهولة المصدر والمهربة، كما يحافظ على حقوق الصيدلي الصغير، ويحارب الممارسات الاحتكارية وتجاوزات كبار الصيادلة.
