حين تتوالى عليك الأحداث الجسام، وتزدحم أمام عينيك مشاهد الظلم حين يطغى، والاستبداد حين يقوى، والخصومة حين تفجر، والعدل حين يميل، ويخذلك الصاحب والأخ والخليل؛ قد يصيبك بعض المرار، وتدمع عيناك، وتغدو حزينًا في زمن الانهيار، ملتاعًا في عهد الانكسار؛ لكن انتظر توقف، إنها نقطة نظام.

 

هل جربت يومًا أن تنظر لأعلى؟!، إلى ما فوق السحاب، وفوق النجوم، وفوق الفوق ذاته!!، مَنْ تجد؟! من ترى بعين قلبك ونور بصيرتك؟!، إنه الله.. ما أروعها من كلمة، إنها الكلمة التي تلخص لك الكون كله.. الله، نعم تلخص لك كل شيء!!، فكر في كل موقف، وفي كل حدث من الأحداث، ألم أو أمل، سعادة أم شقاء، نور أم ظلام، عدل أم ظلم، حرية أم قيد، نعم  هي الكلمة الوحيدة التي تعني كل شيء وغيرها لا شيء!!.

 

قد يقول أحدكم على رسلك، هل هذا مقال وعظيّ أم سياسي؟! أقول لك بلا مبالغة إنه لون من أصعب ألوان التحليل السياسيّ!!؛ فالتحليل السياسي يفكك كاتبه المشهد من جميع زواياه، ويحلل كل جزء على حدة، ثم يبدأ في إعادة تركيبه من جديد طبقًا لرؤيته، هنا قد يقول آخر حنانيك.. لقد صعبت علينا الأمر ولم نفهم مرادك، أقول لك دعني أوضح رؤيتي، دعنا نفكك المشهد!! ثم نجمعه من جديد:

 

- مشهد المجاهد المرابط في البرد القارس، في عتمة الليل، وهو يقاوم رغبة ملحة في النوم اللذيذ والفراش الوثير والحضن الدافئ لماذا؟!... إنه الله!.

 

- مشهد المرابطين في باحات الأقصى والعدو يضربهم بالحديد والنار، يمنعهم الطعام والشراب، يدافعون بصدورهم العارية، وأحذيتهم البالية!! عن الأقصى الأسير تمضي الساعات طويلة ولكنها خفيفة!! لماذا؟!... إنه الله.

 

مشهد المحاصرين في غزة وهم يقاسون ألم الجوع، وشح الدواء، وخيانة الأخ والصديق، يعلموننا درس الحياة، تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها!!، ولأنهم أحرار في سجنهم، فقد عاشوا يتطلعون مثل شيخهم ياسين إلى السماء، يفضلون الأباتشي مثله!!، ما الذي صنع هذا الإباء النبيل؟!... إنه الله.

 

مشهد الأخ المجاهد حين يمشي في تظاهره دفاعًا عن المقدسات والأعراض، ويقف أمامه جندي من جنود الفراعين، يقطع عليه الطريق، وتلتقي العينان، وينعقد الحاجبان، ويستعد الجندي للضرب أو للاعتقال؛ مَنْ الذي صنع هذا المشهد وهذا التحدي؟!... إنه الله.

 

مشهد المجاهد حين يكون آمنًا مطمئنًا بين زوجه وأولاده في عتمة الليل البهيم، وقد سكن كل شيء، يجد فجأة من يقتحم عليه داره وينتهك حرماته ويروِّع أطفاله، ويسرق ماله!!، فيُساق المجاهد وسط دموع أطفاله الذاهلة وصرخات زوجته المكلومة؛ لماذا كل هذا؟!!... إنه الله.

 

مشهد المجاهد الأسير في سجون الظالمين أو المحتلين وهو يجلس في زنزانة حقيرة لا تصلح إلا للعبيد، ينام على الأرض ويلتحف السماء، يأكل ما تجود به نفوس الظالمين التي هي بلا جود، يعيش في زنزانته وتعيش فيه!!، ويمضي به الحال هكذا أيام وشهور وبضع سنين وربما عشرات السنين!! لمَ كل هذا التعب وهذا العناء؟!... إنه الله.

 

مشهد المجاهد حين يصلبوه، وأسمى آيات العذاب يسوموه، فترتفع آلامه فوق صرخاته وزبانية الجحيم من حوله يتناوبون عليه في شماتة لا تخلو من حقد، ومن قسوة لا تخلو من كراهية، وهو صابر محتسب صامد، يالله لمَ كل هذا العذاب؟!... إنه الله.

 

مشهد الأم والزوجة والأخت حين يغيب عنها فلذات أكبادها وأحبتها خلف الأسوار أو تحت تراب النضال؛ فتعيش المعاناة في داخلها أو تعيش هي فيها!!، تعلِّم صغارها أن الأسر ثأر، وأن العار نار، وأن النصر صبر، وأن الذل اندثار؛ لماذا كل هذا؟!... إنه الله.

 

جمّع أجزاء المشهد، وابحث عن الرابط المشترك، لن تجد أمامك إلا الله، حين يكون هو الغاية وهو المنتهى، عندها فقط يهون كل شيء، تنمحي الأحداث والتفاصيل، وتدرك أن المدبر والفاعل الحقيقي هو الله، حينها يتلذذ الجريح بجراحه، والمعذب بآلامه، والجائع بجوعه، عندها فقط يصبح الموت حياة!!، والزنزانة فلاة!!، والحصار انتصار، والرباط ارتباط بأعظم ما في الحياة... إنه الله.