تناولنا كيف بدأت وانتشرت دعوة الإخوان المسلمين داخل المحافظات مثل محافظة الشرقية والبحيرة وبورسعيد، وكيف انتقلت هذه الدعوة بسرعة إلى باقي محافظات وجه بحري ووجه قبلي.

 

وإن كان الواقع يشير إلى أن محافظات وجه قبلي لم تلق العناية من قبل الوزارات كغيرها من محافظات وجه بحري، لكن الإمام البنا كان على غير ذلك فلم يعتنِ بمحافظة دون أخرى، ولم يعتنِ بمكان على حساب الآخر، فقد حرص أن يصل بدعوته لكل مكان في مصر وخارجها؛ لأنه وضع أسس هذه الدعوة بأنها دعوة شاملة لكل مكانٍ وزمان.

 

ولقد استجاب لهذه الدعوة كثيرٌ من شرفاء أهل الصعيد أمثال آل شريت والشيخ مصطفى الرفاعي اللبان، والذي كان لهم الفضل في افتتاح شعبة أسيوط، وأيضًا الأستاذ محمد حامد أبو النصر وغيرهم.

 

حتى إن الشيخ أحمد حسن الباقوري أنشد يقول:

يا أيها الرجل الذي جنت به      همم الصعيد بقبول حين يقول

أعلن مبادئ لا يزال لها إلى             همم الرجال المخلصين سبيل

من ذا الذي يستجيب لدعوة               سيف النبوة سيفها المسلول

 

فبعد زيارة الأستاذ المرشد إلى طوخ قام برحلة إلى مدن الصعيد من 20 رمضان 1354هـ الموافق 16 ديسمبر 1935م حتى 2 شوال 1354 هـ الموافق 28 ديسمبر 1935م، وقد كتب الشيخ مصطفى أحمد الرفاعي اللبان واصفًا تلك الرحلة بقوله: "بدأ يوم عيد الفطر المبارك، وكان يومًا مشهودًا، وخطب فيه الأخ المرشد بمسجد الفرغل ولقى قبولاً عظيمًا واستحسانًا عامًا، وعاد إلى أسيوط وقت الأصيل وحظيت به جمعية الشبان المسلمين مرةً أخرى وخطب في ناديها فألان الأفئدة، واسترعى الأسماع، ونثر من درره ما نرجو أن يكون مفيدًا إن شاء الله".

 

ولقد افتتح شعبة منفلوط، والتي تكوَّنت من الأستاذ محمد حامد أبو النصر والشيخ عبد الحميد عبد الستار، وغيرهما وكان ذلك في يوم 9 من ذي الحجة سنة 1355- الموافق 22 يناير 1937م.

 

كما كانت لرحلات الإمام البنا وزياراته المتكررة لمحافظات الصعيد- والتي كانت في الغالب في الصيف لطول فترة الإجازة- في حين كان الجميع يحمل أمتعته في هذا الوقت ليذهب إلى المصايف والبحار، لكن حسن البنا كان له هدف وغاية، وهي تصحيح مفاهيم الإسلام عند الناس، ومن ثَمَّ كان لا يفرق معه وقت أو مكان، وكان لهذه الزيارة الأثر في افتتاح شعب جديدة وأفق أوسع للإخوان مثل شعبة بالفيوم، والتي تألفت من الأستاذ سامي ناصر المحامي رئيسًا، والشيخ محمد محمد رمضان الواعظ وكيلاً، وغيرهما، وكان ذلك عام 1937م.

 

ولننظر مثلاً لبرنامج الإمام البنا في إحدى الزيارات والمجهود الذي يبذله لتوصيل هذه الدعوة، يقول الأستاذ جمعة أمين: لقد كان برنامج الإمام البنا إلى الصعيد الأوسط في يوليو 1938م الموافق جمادى الأول 1357م كالتالي: 

- مساء الخميس 16 جمادى الأولى بشعبة بني مجد منفلوط.

- صلاة الجمعة بمدينة منفلوط.

- مساء الجمعة 17 منه بشعبة ملوي.

- مساء السبت 18 منه بشعبة المنيا.

- مساء الأحد 19 منه بشعبة بني مزار.

 

وكان برنامجه أيضًا في يناير من عام 1939م كالتالي:

أولًا: القيام من القاهرة في قطار الساعة 3 والدقيقة 40 مساء الخميس 21 ذو القعدة 12 يناير إلى المنيا؛ حيث يصل الساعة 8 مساء.

 

ثانيًا: القيام من المنيا في قطار الساعة 11 والدقيقة 35 من نفس المساء إلى إدفو؛ حيث يصل الساعة 8 والدقيقة 40 صباح الجمعة.

 

ثالثًا: القيام من إدفو في قطار الساعة 1 والدقيقة 52 بعد ظهر الجمعة إلى قنا؛ حيث يصل الساعة 6 والدقيقة 36 مساءً.

 

رابعًا: القيام من قنا في قطار الساعة 8 والدقيقة 24 صباح يوم السبت إلى نجع حمادي؛ حيث يصل الساعة 9 والدقيقة 45 صباحًا.

 

خامسًا: القيام من نجع حمادي في قطار الساعة 4 والدقيقة 24 مساء السبت إلى جرجا؛ حيث يصل الساعة 5 والدقيقة 44 مساءً.

 

سادسًا: القيام من جرجا عائدًا إلى القاهرة في قطار الساعة 10 والدقيقة 55 مساء السبت؛ حيث يصل الساعة 7 صباحًا.

 

وفي مارس أكمل بقية مدن الصعيد حتى وصل إلى المجوع والقرى النائية، وافتتح فيها الشعب، وعرَّف الناس بشمولية الإسلام.

 

وأثناء تعرض الإمام البنا للمحنة وتم نقله في وظيفته من القاهرة إلى محافظة قنا في مايو عام 1941م عمل على استغلال الفرصة وكونه موجودًا في الصعيد وعمل على الدعوة وفتح الشعب.

 

ولقد نشطت شعب الصعيد فأقامت الحفلات والمؤتمرات ومساعدة الفقراء ومحاربة الفساد المستشري في المجتمع، والتصدي للحملات التبشيرية.

 

ففي طما بمراغة- محافظة سوهاج مثلاً كانت هناك مدرسة واحدة للبنات لصاحبتها "مس هوفر" الهولندية، وكانت تجبر التلميذات المسلمات على حضور درس الدين المسيحي، وعندما سألها مفتش اللغة العربية عن ذلك قالت: إن هولندا بعثتني لإنشاء مدرسة للبنات لنشر الدين المسيحي لا أن تنفق أموالها لتعليم الدين الإسلامي.

 

كما قام الإخوان في هذه المحافظات بجهود صحية طيبة؛ حيث بادر الإخوان بأسيوط بافتتاح عيادة طبية تقوم بمعالجة جميع المرضى مجانًا، وبها كل التخصصات على اختلاف أنواعها، ومثل ذلك في نجع حمادي، وعندما ظهر مرض الملاريا بقنا وأسوان انتفض الإخوان لهذه الكارثة الصحية، وانتقدوا هروب الأغنياء لترك إخوانهم الفقراء والبؤساء دون إعانة أو مواساة، وقد أثنوا على وزارة الصحة في سرعة تقديم العلاج اللازم، لكنهم أخذوا على الحكومة أن الناس كانوا يموتون من الفقر وقلة الطعام لا من قلة الدواء.

 

فقد جاء في مجلة الصعيد الأقصى في العدد 236- 8 ربيع الآخر 1360هـ/5 مايو 1941م قولها: "تلقينا من سكرتارية الإخوان المسلمين في أسوان بتاريخ 2 مايو الحاضر ما يلي:

اجتمع مجلس إدارة جمعية الإخوان المسلمين والمحافظة على القرآن الكريم بأسوان للنظر في مواساة منكوبي الحريق بالباخرة الغزالة، وبعد البحث الدقيق والتحريات الوافية قرر المجلس صرف مبلغ عشرة جنيهات من مالها لمواساة المنكوبين، وسلمت المبالغ لبعض حضرات الأعضاء لتوزيعها بمعرفتهم اليوم.

 

كما برز دور الإخوان الإعلامي في الصعيد فكان لهم الصحف والجرائد مثل (النادي) في أبي تيج، وكان رئيس تحريرها عبد الحميد عزمي، و(الصعيد الأقصى) في أسوان، وكان رئيس تحريرها عبد الكريم ناصر، و(الشفق) والتي كانت تصدر بمحافظة سوهاج، ثم صحيفة (الأقاليم)، والتي كانت تصدر في المنيا، وكان رئيس تحريرها إبراهيم فؤاد المنياوي وغيرها.

 

وهذا يدل على أثر انتشار دعوة الإخوان وسط هذه البلاد، حتى إن النشاط لم يقتصر على الإخوان الكبار في هذه المحافظات، بل امتدَّ للشباب أيضًا فنرى طلبه الإخوان بكلية الزراعة بدمنهور جامعه فاروق الأول يقومون برحلة إلى الصعيد, وفي هذه الرحلة قاموا بزيارة إخوانهم طلاب معهد أسيوط, وأقام لهم المكتب الإداري بأسيوط حفل تكريم, كما قاموا بزيارة إخوانهم في كوم إمبو وأسوان.

 

وعلى المجال الرياضي أقيمت مسابقة دوري المنطقة، وذلك يوم 20 ديسمبر عام 1946م حيث تقابل فريق إخوان بني سويف ضد فريق فاروق بني سويف، وتقابل فريق شبان الفيوم ضد فريق نادي الفيوم، وفريق شبان المنيا ضد فريق نادي المنيا.

 

ولقد برز من هذه المحافظات رجالات كثيرون خدموا الدعوة وأفنوا من أجلها مثل الشيخ حامد شريت وأحمد شريت ومحمد حامد أبو النصر وفهمي أبو غدير والشيخ محمد أحمد نايل، وعبد الحكيم عابدين وحسن جودة، وغيرهم.

-----------

للمزيد

1- جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية.

2- محمود عبد الحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، دار الدعوة.

3- محمد حامد أبو النصر: حقيقة الخلاف بين الإخوان المسلمين وعبد الناصر، دار التوزيع والنشر الإسلامية.

-----------

* باحث Abdodsoky1975@hotmail.com