إن إحداث أي تغير متوقع في أي مجتمع يحتاج إلى إرادة حقيقية، ونية خالصة، ورقابة صارمة، ومتابعة صادقة، وإقرار بالصواب والخطأ، وتوافق بين القيادة والمجتمع، وأهداف واضحة المعالم، ودراسة جيدة لحال البيئة المراد تغيرها.
فالتغير في حد ذاته هو إرادة شخصية يحتاجها المرء كل فترة لتجديد حياته، والتوافق مع العالم المحيط به، ولنر النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أحدث التغير في حياة العرب، وحولهم من حياة القبيلة إلى أمة لها تاريخ وثقل، وأحدث بها هزات، ووضع لها أهدافًا؛ مما جعلها تقود البشرية لقرون بفضل تقدمها في كل المجالات، ولأنها صنعت لأنفسها قوانين تدفعها دائمًا إلى اكتشاف كل جديد، وأخذت على عاتقها أن تكون دائمًا في صدارة الركب والرقي والتقدم؛ فأخرجت مجتمعًا قادرًا على الإنتاج، محبًا للعلم والاجتهاد.
ومع هذا لا نستطيع أن نقول إنه لا عيوب، ولكن دائمًا ما كان هناك اكتشاف للخطأ وقدرة على الاستفادة منه، ومعالجته بإرادة الذين وقعوا فيه مهما طالت أو قصرت المدة.
إن الشعوب التي صنعت لنفسها تاريخًا وأثروا في الحياة الإنسانية كانت لها ثورات دائمة للتغير، وإيجاد إدارة نابعة من أفكار البيئة الخاصة بهم، وبذل المزيد من الجهد من أجل التجديد، ولو نظرنا إلى الحضارات المختلفة من الفراعنة إلى البطالمة إلى الرومان إلى آخره سنجدهم كانوا دائمًا ما يعملون على إبقاء شيء ليذكرهم التاريخ به، وهل كان العالم يعلم أن أوروبا التي ظلت قرونًا تعيش في الظلام والقهر ستستيقظ في يوم من الأيام لتنظر لنفسها في المرآة وترى كمَّ البشاعة التي تغشاها، وتحاول أن تنتزع كل ما هو سيء فيها، وتبديله إلى الأحسن.
فهي إذن إرادة التغير التي بذلت من أجله الكثير، وأمضت سنين متصلة لتغير العقول؛ لتصنع إرادة مجتمعية متفقة مع قيادتها على وجوب التغير، وأنه لا حياة لهم ولا فائدة تُرجى من دون أن يتم ذلك الأمر، فكانت أوروبا التي نراها وتنبهر العقول بها لتقدمها في شتى المجالات والتخصصات.
ولكن لنكن على علم أن أوروبا التي نراها تحترم مواطنيها، وتعمل كل القيادات فيها من أجل إرادة الشعوب؛ وذلك لأن الشعب كان رائدًا لعملية التغير، فوضع القوانين التي تجعله دائمًا محاسبًا وقويًّا وحازمًا مع أي شخص يريد أن يلغي وجوده وشخصيته، أو أن يحطم ما بنوه على مدار السنين الطوال، ولنكن على يقين دائمًا أن الذي حوَّل أوروبا والغرب من أمم تعيش في التخلف قرونًا إلى أمم تحتضن التقدم قرونًا؛ هي تلك الأشياء التي افتقدنها نحن.
إن الشخصية القيادية التي تريد أن تُحدث تغيرًا في مجتمع لا بد أن تكون شخصية صادقة محبة لعملها، مؤمنة بقدراتها، أحادية الحلم، مطلقةً لذاتها محبةً للتقدم والرقي، عالمة بتاريخها.
ولنرى نموذجًا حيًّا من وحي الحياة حولنا وهي تركيا، فهذا التحول السريع من بلد يعيش الفساد فيه وينمو، إلى بلد يقف في مصاف الدول المتقدمة، مناطحًا الكبار، عنده إرادة ليحدث تغيرًا في داخله، فكُتب له التحول؛ لأنه ملك الإرادة والقيادة للتغير، والأهداف الحقيقية التي يريد تحقيقها.
إذن التغير هو إرادة مجتمع كامل شعبًا وقيادةً، يحاول الجميع فيه أن يؤدي دوره على أكمل وجه؛ لإيجاد النتيجة المرجوة والمتوقعة، ولكن لا بد أن تتوافر الإرادة والأهداف والصدق لهذا التغير.
----------