- النظام على المحك لتنفيذ التزاماته أمام الجميع

- تطبيق مصر للحد الأدنى توقف منذ 40 عامًا

- الحل في القواعد الاقتصادية الإسلامية

 

تحقيق- الزهراء عامر:

"حكم قضائي تاريخي وضع الحكومة في ورطة"، هكذا وصف المراقبون حكم محكمة القضاء الإداري بإلزام الحكومة، والمجلس القومي للأجور بوضع حد أدنى للأجور يتناسب مع الأسعار، مراعاة للبعد الاجتماعي للمواطنين البسطاء.

 

وزادت ورطة الحكومة ومأزقها مع بدء الفعاليات الشعبية للمطالبة بزيادة الحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه شهريًّا؛ حيث تظاهر المئات من العمال أمام مجلس الوزراء، وقدموا مذكرة أمهلوا فيها الحكومة شهرًا للاستجابة لمطالبهم، مهدِّدين باعتصام مفتوح إذا لم تتم الاستجابة لهم.

 

ويبدو هنا الفرق الشاسع بين مطالب العمال والحد الأدنى الذي وضعه المجلس القومي للأجور وهو 430 جنيهًا، الحد الذي أكد الخبراء أنه لا يسمن ولا يغني من جوع، وتثور الأسئلة هل ستستجيب الحكومة لتلك الضغوط لتخرج نفسها من المأزق؟ أم ستحاول التهرب بحيلها المعتادة من تنفيذ الحكم؟!.

 

مماطلة حكومية

بداية يرى د. عبد الرحمن عليان عميد المعهد العالي للاقتصاد أن الحكم الذي أصدرته المحكمة الإدارية العليا حكمًا عادلاً كان ينتظره جميع العاملين في قطاع الدولة منذ زمن طويل؛ لكي يتحقق نوع من الرضا في المجتمع؛ لأن المحكمة لم تحدد الحد الأدنى للأجور ولكنها تركت الأمر لما يتناسب مع مستوى الأسعار ليرتبط الأجر بالمؤشر التصاعدي والتنازلي لها، مؤكدًا أن هذا الحكم يضع الحكومة في محكٍّ حقيقي لتنفيذ التزاماتها أمام الجميع.

 

وأعرب د. عليان عن تخوفه من آلية تنفيذ المؤسسات الحكومية للحكم ليتناسب مع مستوى معيشة الأفراد، متسائلاً عن طبيعة المؤسسة التي ستقوم بتحديد الأسعار هل هي المؤسسات الدولية؟ أم الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء؟.

 

وتوقع أن تتعاطف الجهة التي تضع الحد الأدنى مع الحكومة، وتقوم بوضعه بما يخدم المؤسسات الحكومية، وبهذه الطريقة لا يحدث الحكم تطورًا على المجتمع والمواطن المصري، ولهذا لا بد أن تشارك المؤسسات الدولية في تحديد الأسعار.

 

ويشير إلى أن الأمر الحالي يتوقف على مدى مصداقية الحكومة في تنفيذ الحكم والاستمرار بالعمل به، بالإضافة إلى آلية التنفيذ ومقومات السوق، وكيفية تدبير المصادر لتغطية تكلفة الأجور التي تقتصر في المقام الأول على الحكومة.

 

ويقول د. عليان إنه في حال قيام الحكومة بالطعن على الحكم الصادر وعدم التزامها بتنفيذه؛ فإنها بهذه الطريقة تُعلن للعالم صراحةً عن مدى ظلمها وبطشها في حق المواطن المصري بحرمانه من أبسط حقوقه.

 

وحذَّر من الآثار السلبية المترتبة على عدم تحديد آلية مناسبة لتطبيق الحكم على أرض الواقع، مثل زيادة العجز في الموازنة إذا عجزت الحكومة عن توفير المصادر الكافية لتمويل الزيادات، بجانب استمرار الارتفاع الجنوني للأسعار.

 

الهروب الكبير

 الصورة غير متاحة

د. محمد النجار

ويؤكد د. محمد النجار أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة بنها أن تحديد الأجور عملية معقدة؛ لأن المجلس الأعلى للأجور لا بد أن يضع في اعتباره عند تحديد قيمة الأجور العديد من الأمور، وهي مستوى الأجور، والحد الأدنى لها، واختلافها باختلاف الأنشطة الاقتصادية، واختلاف المناطق والأقاليم.

 

ويوضح أن مصر عرفت تحديد الحد الأدنى منذ أكثر من 40 عامًا، ومع التغير الكبير في مستويات الأسعار، ومعدلات التضخم أصبح الحد الأدنى للأجور في مصر "مهزلة"، مؤكدًا أن الحكومة تتهرب من تحديد الحد الأدنى للأجور؛ لأن الجهات الدولية ستبدي رأيها في هذا الحد الأدنى بعدما يتم تحديده، وتوضح هل هو متلائم مع مستوى الأسعار في الاقتصاد المصري أم لا.

 

تجميل الأرقام

ويؤكد تيمور عبد الغني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن الحد الأدنى الذي وضعه المجلس الأعلى للأجور وهو 430 بالإضافة إلى الأجور المتغيرة لا يكفي تكاليف المعيشة للمواطن المصري في ظلِّ ارتفاع الأسعار، مشددًا على ضرورة ألا يقل الحد الأدنى للأجور عن 1200 جنيه، أخذًا في الاعتبار عامل ارتفاع الأسعار وزيادة معدل التضخم.

 

 

 الصورة غير متاحة

تيمور عبد الغني

وطالب الحكومة بتحسين النظام الضريبي، والأخذ بنظام الضرائب المتصاعدة لتوفير العدالة الضريبية التي يعتبر توزيع الدخول جزءًا من هذه العدالة، منتقدًا إصرارها على إهدار الموارد الطبيعية، وتجميل الموازنة بأرقام برجوازية وليست أرقامًا حقيقيةً.

 

وتوقع أن تتنصل الحكومة من تنفيذ هذا الحكم بدواعي ضعف الموازنة، وزيادة تكلفة الديون، وقلة المصادر وغيرها من الحجج الواهية، موضحًا أن إعادة هيكلة الأجور عملية في غاية الصعوبة؛ لأن أصحاب المصالح الذين تفخر بهم الدولة لوجودهم داخل الجهاز التنفيذي من عمداء ولواءات موجودون بوزارات متعددة يحصلون على مئات الآلاف من الجنيهات بل ولا تستطيع الدولة الاستغناء عنهم، وفي المقابل هناك آلاف من المواطنين يحصلون على مرتب فرد واحد من هؤلاء.

 

ويضيف: إنه لن تنصلح أحوال العمال المصريين في ظل تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي وتسليم قطاعات الإنتاج من شركات ومصانع إلى رجال أعمال؛ ليقيموا على أرضها فنادق، وبهذا تتحول مصر إلى دولة سياحية غير منتجة.

 

حد كفاية

وطالب د. محمود عبد الحي أستاذ الاقتصاد ومدير معهد التخطيط القومي الحكومة بأن تدرج الباحثين ضمن الحد الأدنى للأجور؛ لأنهم يعملون طوال اليوم، ويعملون أضعاف الموظفين العاديين.

 

ودعا إلى ضرورة تطبيق القواعد الاقتصادية الإسلامية ومراعاة الوسطية والاعتدال، مؤكدًا أن تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية سوف يساعد في شفاء المجتمع من العديد من المشكلات التي يعاني منها مثل ارتفاع معدلات الجريمة.

 

وطالب النقابات المهنية بأن تقوم بدورها مثلما يحدث في الدول المتقدمة التي تساعد الدولة في تحديد الأسعار، متسائلاً عن دور الحكومة في تطوير قطاع الغذاء، ولماذا لا تتحدث الدولة يومًا عن وجود نمو في قطاع الغذاء مثلما تتحدث عن النمو في قطاع الاتصالات والتنمية، فأيهما أحوج إليه المواطن المصري؟!.

 

سلم الأجور

 

المئات ينددون بسياسات الحكومة ويطالبون برفع الأجور

ويوضح د. عبد المطلب عبد الحميد عميد مركز البحوث الاقتصادية بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية أن منظمة العمل الدولية تُلزم مصر قبل صدور الحكم القضائي بوضع حد أدني للأجور يتناسب مع احتياجات المواطنين، ويكفل له حياة كريمة، وكانت الحكومة تحاول التهرب من القيام بذلك، وبهذا الحكم سيتم وضع الحكومة أمام المسئولية التي لا تستطيع الحكومة التهرب منها مرة أخرى.

 

ويطالب القيادة السياسية في مصر بأن تُلزم وتضغط على الحكومة بوضع حد أدنى ثابت يتراوح ما بين 750 جنيهًا إلى 1000 جنيه؛ ما يؤدي إلى تعديل أوضاع القطاع الخاص الذي سيقوم بدراسة هذا الحد ليعرف إذا كان كثيرًا أم لا، موضحًا أنه على القطاع الخاص أن يتحمل المسئولية؛ لأنه في حالة عدم تحديد حد أدنى فإنه يأخذ فائض القيمة الحسابية لحسابه، ومن ثم تضيع حقوق العمال.

 

ويرى عبد الحميد أن تحديد حد أدنى مناسب للعاملين في الدولة سيعود بالنفع على كلِّ القطاعات وعلى العامل نفسه؛ لأنه سيستفيد ويفيد المجتمع بزيادة إنتاجه.

 

ويشدِّد على ضرورة إعادة النظر في سلم الأجور بصفة عامة، وربطه بسلم الأسعار بصفة خاصة؛ ليتوافق سنويًّا مع معدل التضخم 15 أو 20%، مشيرًا إلى أن كثيرًا من دول العالم تسير بهذا الأسلوب وأوضاعهم الاقتصادية دائمًا مستقرة.