- قرار الشراكة يفتح الباب للفساد وإهدار المال العام

- الـ"PPP" يحتاج لأجهزة تنظيمية ورقابية قوية جدًّا

- القانون الجديد غير مدروس ويحمل مخاطر وخيمة

 

تحقيق- شيماء جلال:

من وقتٍ لآخر تطالعنا الحكومة المصرية ووزراؤها العباقرة بحزمةٍ من القرارات والقوانين ليس لها أول من آخر؛ محاولةً منها في إظهار حقيقة غير ملموسة على أرض الواقع، وهي أنها تعمل وتسعى لخير البلد، ولكن بمطالعة الواقع نجد عكس ذلك من خصخصة، وعمالة بلا حقوق، وبطالة، وعجز وتفاقم في الدين العام.

 

وجاءت الحكومة في تلك الأثناء، معلنةً للجميع أنها جاءت بالحلِّ السحري لجميع المشكلات، وهو فتح باب الشراكة بين القطاع العام والخاص، مؤكدةً أنها بذلك ستفتح كل الأبواب المغلقة، وكل المشكلات الاقتصادية من عجزٍ ودين وأزمة عالمية، وتنتظر من المواطنين أن يصدقوها ويقبلوا كلامها، ولكنَّ حال المواطنين والمنتقدين للمشروع ينطبق عليه المثل الشعبي القائل "افتكرلِك إيه حلو يا بصلة وأنا كل يوم عيني منك بدمعة".

 

ويطل علينا الرجل المفوَّه بالحزب أحمد عز رئيس لجنة الخطة والموازنة بأن المشروع جاء استجابةً لتوصيات لجنة الخطة على مدى دورتين متتاليتين، وإيمانًا بأن هذا القانون سيفتح مجال استثمارات كبرى، وسيكافح الفساد وكأنَّ المستثمر الأجنبي والقطاع الخاص بيده العصا السحرية لحل المشكلات المستعصية على الحكومة المصرية.

 

غموض يكتنف القرار، وتساؤلات عديدة مثارة بشأنه، وأهمها: ما جدوى هذا القرار؟ وما الضمانات الكفيلة بعدم الوقوع في مشكلات الخصخصة وبراثنها؟! ومتى تنتهي ألاعيب الحكومة بالقوانين والقرارات؟!

 

تساؤلات عديدة يطرحها (إخوان أون لاين) على الخبراء في التحقيق التالي:

يبين المهندس أشرف بدر الدين عضو كتلة البرلمانية للإخوان المسلمين في بداية قوله أن قرارَ الشراكة ما بين القطاع العام والخاص في مشروعات البنية الأساسية والمرافق العامة حقٌٌّ يراد به باطل، وأن القانون يحتاج إلى جلساتٍ كثيرة للمناقشة وليس جلسة واحدة للبتِّ في أمره.

 

وحول مواد المشروع يشير بدر الدين إلى كمٍّ هائلٍ من الثغرات التي تكشف الوجه الأسود لهذا القرار، موضحًا أن مشروع الشراكة مع القطاع الخاص لا يتوقف على إنشاء المشروعات الجديدة، بل ينصُّ أيضًا على التمويل والتطوير والصيانة، ومن ثَمَّ يفتح الباب لفسادٍ أكبر وإهدار متزايد للمال العام.

 

ويضيف أن القرار حدَّد أنه يجب ألا تقل قيمة العقد الإجمالية عن 100 مليون جنيه؛ ما يثير العديد من التساؤلات، والتي منها: وما حال صغار المستثمرين؟ وكيف سيتمكنون من المشاركة في القرار؟ موضحًا أنه من الممكن أن يشارك صغير المستثمرين ببعض القرى والمحافظات لإنشاء مدارس أو مستوصفات طبية إذا انخفضت القيمة الإجمالية للعقد عن ذلك، وليكن 30 مليون جنيه.

 الصورة غير متاحة

 أشرف بدر الدين

 

ويصف أمر المادة السادسة من القرار بالغموض، مبينًا أنها أوضحت أنه يحقُّ للجهة الإدارية أن تباشر إدارة المشروع، فإذا ما حدث خلل ستتدخل الإدارة الخاصة بالمشروع، ولم تُشرْ إلى شكل الخلل ونسبته لتكون أشبه بالتعبير المطاطي الذي قد يكون في غير الصالح، فضلاً عن أنها قد تقدم حقوقًا لا نهايةَ لها للمستثمرين على حساب المواطنين.

 

ويعيب بدر الدين على مسألة عدم تحديد حد أقصى لقيمة العقود الإجمالية مع المستثمرين، قائلاً: "لا ينبغي أن يكون الأمر عائمًا وغير محدد".

 

وبالإشارة إلى حال المتعثرين وعدم قدرتهم على سداد القروض، يشدِّد بدر الدين على حتمية إيجاد صياغة قانونية تواجه الخلافات الناشئة مع المستثمرين بعيدًا عن مسألة التحكيم الدولي التي أثبتت فشلها من خلال تجاربنا فيها على مدار عددٍ من القضايا، التي من بينها قضية سياج التي تسبَّبت في إهدار الكثير من الأموال التي كانت من الأجدر أن تستخدم في حل عجز الموازنة.

 

ويتهكم بدر الدين على ما أشار إليه أحمد عز رئيس لجنة الخطة والموازنة من أن قرار المشاركة جاء إيمانًا بفتح مجال استثماري كبير بعد أن عجزت الحكومة في تحقيقه نتيجة ضعف الموازنة قائلاً: "الحكومة أكيد لن تُغضب المستثمر؛ لأنه هيحل لها مشكلات كبيرة هي تراها؛ لذلك ستقدم له الأرباح التي يمليها عليها، ومن ثَمَّ يزداد عجز الموازنة، ولن يقل كما يشير إليه صانعو القرار".

 

ويلقي بدر الدين الضوء على نقطة بالغة الأهمية، وهي مسألة الأمن القومي للبلاد، مبينًا أنه ينبغي أن تكون الأولوية في الشراكة للمستثمرين الوطنيين وليس الأجانب، خاصةً في منشآت المدارس والمستشفيات لخصوصيتهما.

 

ويطالب بضرورة مواجهة أمر القرار لتوفير الضمانات الكفيلة التي تصبُّ في صالح المواطن، من خلال تكتلات ومشاركات شعبية على مختلفة الأصعدة؛ كي لا يمرر القرار من جانب الحزب الحاكم الذي يتعامل بالمنطق الأحادي في القرارات والقوانين.

 

الاستغلال

ويرى الدكتور محمود عبد الحي أستاذ الاقتصاد بمعهد التخطيط أن قرار الشراكة بين القطاع العام والخاص يعدُّ فكرةً جيدةً ومفيدةً لاقتصاد الدولة، ولكن لن يتحقق ذلك إلا بتوافر مجموعةٍ من الشروط التي تضمن عدم استغلال المواطنين لصالح المستثمرين.

 

وحول الضمانات الواجب توافرها لتنفيذ قرار الشراكة بشكلٍ يصبُّ في صالح المواطنين، يؤكد د. عبد الحي أنه لا بد من توافر أجهزة تنظيمية ورقابية لمشروعات الشراكة بما يكفل تحسن الخدمة والحكم في أسعار الخدمات.

 

ويضيف أنه لا بد من توافر قوانين ملزمة للمستثمرين، وكذلك حزمة من العقوبات ينبغي تنفيذها في حال الخروج عن النصوص التي تمَّ الاتفاق عليها في العقود المبرمة مع المستثمرين، وأن تكون اللجان المشرفة على المشاريع لجانًا محايدةً تعمل لمصلحة الوطن، وليس للمصلحة الخاصة.

 

ويشير إلى تجربة تشيلي والأرجنتين في مسألة الشراكة، موضحًا أنهما حقَّقا نجاحًا كبيرًا لصالح المواطنين؛ نتيجة توافر رقابة وتنظيم كافيين؛ حيث فرضت تشيلي على شركة اتصالات مطبق عليها قرار الشراكة عقوباتٍ ماليةً ضخمةً؛ نتيجة الإخلال بأحد بنود العقد المتفق عليها، وعلى هذا الأساس لا بد أن تعمل الحكومة المصرية لصالح المواطن المصري اقتداءً بتلك التجربة، وإن كان فيها خسارة للحكومة.

 

ويقول: إن هناك فارقًا بيننا وبين الغرب، فمثلاً في أمريكا حينما يريد القطاع الخاص رفع أسعار أحد الخدمات، لا بد أن يتقدم للمحاكم الاقتصادية بمحفظة من الأوراق تشرح أسباب اللجوء لرفع الخدمة، والمحكمة هي التي تقرر إما أن ترفع الأسعار أو لا ترفعها، وعلى الشركة قبول قرار المحكمة بشكلٍ قاطع.

 

منع التجسس

 الصورة غير متاحة

 د. حمدي عبد العظيم

ويُلقي د. حمدي عبد العظيم الخبير الاقتصادي "أستاذ الاقتصاد والرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية وعضو المجالس القومية المتخصصة" الضوءَ على فكرة أنَّ القانون قائم على أن تسمح الحكومة القطاع الخاص فرصة الاستثمار في البنية الأساسية والمرافق العامة، وبعدها تقوم الحكومة بشراء تلك المشروعات، ومن ثَمَّ تبيع الحكومة الخدمة للمواطن.

 

ويشدِّد على ضرورة الانتباه لمراعاة مجموعةٍ من الاعتبارات ينبغي توافرها قبل الإقدام على خطوة الشراكة، ومنها توافر الضوابط الكافية لضمان عدم توافر الرقابة على مشروعات الشراكة بجانب التحديد الواضح لأسعار السلع والخدمات والمنتجات؛ بما يتلاءم مع البعد الاجتماعي ودخول المواطنين.

 

ويرى أنه لا بد من وضع خطوط واضحة في مسألة التعامل مع المستثمرين، وخاصةً الأجانب، منعًا للوقوع في مشكلات القروض والمتعثرين.

 

ويبدي تخوفه من إطلاع المستثمرين الأجانب على مشاريع البنية الأساسية، مشيرًا إلى أنه من المحتمل أن يحدث تجسس يتم من خلاله نقل بيانات ومعلومات مهمة، مؤكدًا أنه ينبغي توافر ضوابط تحمي السرية للمشاريع القومية.

 

وحول نفي وزير المالية إمكانية رفع أسعار السلع والخدمات يستنكر د. حمدي أن يتم ذلك؛ لأن الحكومة دائمًا تسعى إلى رفع الأسعار، وتلك السياسة الوحيدة التي تسير فيها بخطى سريعة ويكون ضحيتها المواطن.

 

حكومة مغيبة

 الصورة غير متاحة

فاروق العشري

ويستهل فاروق العشري عضو اللجنة الاقتصادية بالحزب الناصري حديثه حول قرار الشراكة بين القطاعين العام والخاص بالقول: "إنها الشكل الأخير ضمن أشكال الخصخصة في مصر".

 

وينتقد قرار المشاركة، موضحًا أنه من الطبيعي أن تتحمل الحكومة مسئولية القيام بتوفير كل الخدمات للمواطنين من تعليم ومستشفيات وطرق وكباري وبنية تحتية، مشددًا على ضرورة التصدي لهذا القرار بمشاركة مجتمعية من جانب عددٍ من الأفراد الناشطين وعددٍ من الجمعيات الأهلية.

 

ويضيف أن المستثمر دومًا يسعى لتحقيق مكاسب وأرباح مرتفعة، وحتمًا سيكون لذلك تأثير سلبي على المواطنين.

 

ويقول إن المستثمر يدرك أنه في النهاية سينتقل المشروع إلى الدولة؛ ما يثير المخاوف من عدم الجدية من تنفيذ المشروعات على الوجه الأمثل، والمفترض أن تتم عليه؛ نتيجةً لرغبة المستثمر في تقليل تكاليف المشروع الواقعة عليه.

 

ويصف الحكومة بأنها "مُغيَّبة"؛ لأنها لن تتلخص من مشكلاتها الاقتصادية وأعبائها من خلال مشروع الشراكة كما تظن؛ لأن المستثمر حينما يتحمل تكاليف باهظة في المشروع سيطالب بأرباح مرتفعة؛ مما يترتب عليه ألا يتوافر لدى الحكومة ما يساعدها على التخلص من أعبائها المادية.

 

ويعوِّل على العدالة الإجتماعية ومكافحة الفساد لحل عجز الموازنة، مؤكدًا أنه لو توافرت عدالة اجتماعية كافية وتحمِّل رجال الأعمال أصحاب المليارات مسئولية الإصلاح العادل فسيكون هناك حل ومخرج لمشكلاتنا الاقتصادية.

 

تحسين الصورة

 الصورة غير متاحة

يحيى حسين

وينفي المهندس يحيى حسين منسق حركة "لا لبيع أصول مصر" تصريحات مسئولي لجنة الخطة والموازنة وزير المالية بشأن الفائدة من قرار الشراكة مع القطاع الخاص في الحدِّ من الفساد، مشيرًا إلى أنها تصريحات لتحسين صورة القرار وتجميله ليرضى عنهم الناقمون.

 

ويؤكد أن قرار الشراكة بمثابة باب جديد من أبواب الفساد، موضحًا أن هناك عددًا من الدول الغربية تراجعت عن تنفيذ المشروع نتيجة عدم قدرتها في ضبط العملية التنظيمية للمشروع.

 

وحول الأساليب التي تتبعها الحكومة في التعامل مع المواطنيين، والتي كان من ضمنها مشروع الشراكة، يذكر حسين أن ألاعيب الحكومة لا تنتهي؛ لأننا أصبحنا نعيش في ظلِّ نظامٍ فاسدٍ لا يمثل الشعب وكذلك الشعب لم يختره.

 

وحول كيفية التصدي لتلك الأساليب المتبعة من جانب الحكومة في تمرير القرارات العشوائية يطالب حسين بضرورة فضح مواقف الحكومة والاعتراض عليها حتى لا يُقال في زمنٍ قادمٍ إنه تم إقرار قوانين ومشروعات على المواطنين المصريين دون أدنى اعتراض أو رفض.

 

ويتساءل: أين أموال المفسدين المبعثرة هنا وهناك؟ وأين نفقات علاج الوزراء؟ مشيرًا إلى أنه من الأجدر أن يتم توفير تلك الأموال لسدِّ عجز الموازنة بدلاً من اللجوء لمشاريع فاسدة يكون ضحيتها المواطن المصري.