- المواطنون: لا نعرف أين الطعام الجيد لنأكله
- الخبراء: الجشع وغياب الرقابة أهم الأسباب
تحقيق- الزهراء عامر:
"لحوم فاسدة، خضراوات وفاكهة فاسدة، مياه ملوثة، أسماك مملحة غير صالحة للاستخدام الآدمي"، هذا هو حال الغذاء في مصر، والذي يزداد سوءًا في الأعياد والمواسم المختلفة التي اعتاد المصريون على تناول أطعمة معينة فيها بحسب كل مناسبة.
وعلى الرغم من خطورة هذه الأكلات "المصرية الخالصة"، وتحذير الأطباء من تناولها؛ نظرًا لما تحويه من نسبة لا بأس بها من الميكروبات والسموم وخلافه، إلا أن المصريين لديهم الاستعداد لتحمل كافة العواقب في سبيل الحفاظ على طقوس هذه الأعياد كاملةً دون نقصان.
ومع بداية أعياد الربيع يبدأ الأطباء في دق نواقيس الخطر من تناول الأسماك المملحة الفاسدة؛ حيث أكدت الدراسة التي أعدَّتها جمعية الإسكندرية لحماية المستهلك بدعمٍ من جهاز حماية المستهلك أن زيادة درجة حرارة الجو وارتفاع نسبة التلوث تجعلان الأسماك المملحة غير صالحة للاستخدام بسبب وجود بكتيريا تمثل خطورةً كبيرةً على الجهاز التنفسي، وتسبب صعوبة البلع، وزغللة في رؤية العين، كما أن احتمالات الشلل واردة في بعض الحالات.
ونبَّهت الدراسة إلى أن أي تلوث في الأسماك الفاسدة لا يبدو على مظهرها أو خواصها بسبب رائحتها النفاذة التي تغطي على أي رائحة أخرى.
وأشارت إلى أن الفسيخ يمثل الخطورة الكبرى؛ لأن عملية تصنيعه نفسها تساعد على نمو البكتيريا اللاهوائية الخطيرة للغاية؛ حيث تترك الأسماك حتى تفسد ثم يتم تمليحها وتصنيعها؛ ما يساعد على نمو هذا النوع من البكتيريا القاتلة التي تسبب في بعض الحالات الوفاة خلال ساعات قليلة؛ لخطورتها على الجهازين العصبي والتنفسي معًا.
ونصحت الدراسة عند تناول الرِّنجة بأن تكون مغلفةً وطازجةً بالتأكد من بيانات تاريخ الإنتاج والصلاحية، وأن يتم التأكد من عدم وجود ديدان تظهر بوضوح بين شقي البطارخ، مع ضرورة تعرضها للنار بطريقة تجعلها تتغلغل في أنسجتها من الداخل.
رائحة كريهة
(إخوان أون لاين) قام بجولة لاكتشاف أحوال المواطنين ليتعرف هل سيُقبل المواطنون على شراء الأسماك المملحة رغم خطورتها؟ فكانت البداية مع آية مصطفى "موظفة"، تقول: إنها تفضل تناول أسماك الرِّنجة والأنشوجة؛ لأنها تكون أقل ضررًا من أسماك الفسيخ المتعفنة- على حدِّ تعبيرها-.
أما سحر حمدي "ربة منزل" تقول: إنها لم تُقبل على شراء الفسيخ إلا مرة واحدة في حياتها بعد إصرار زوجها على شرائه في عيد الربيع مثله مثل غيره، وعندما ذهبت للمحل لتشتريه وشمَّت رائحته الكريهة رجعت إلى المنزل دون أن تشتري شيئًا، وتأكدت بنفسها من فساد الفسيخ.
ويقول أحمد محمد "محاسب": إنه لا يُقبل على شراء الفسيخ والرِّنجة في موسم شمِّ النسيم؛ لأنه لا يكون مضمون الصلاحية، ويتم خلط الصالح مع الفاسد وبيعه للمواطنين بسبب الإقبال الشديد عليه، بجانب أن أسعاره تكون مرتفعة.
ويتساءل محمد صابر قائلاً: "إيه اللي فاضل في مصر من الأطعمة مش فاسد، اللحوم كلها فاسدة أو مرتفعة الأسعار والخضراوات فاسدة والفاكهة فيها هرمونات، الناس تأكل إيه؟!".
وتقول إيمان سليم "موظفة": إنها في كلِّ الأحوال ستشتري لأولادها الفسيخ والفاكهة، وتقوم بتلوين البيض بألوان طبيعية؛ لأنها عادات وتقاليد تربوا عليها لا يمكن تغييرها "وربنا هو اللي يسلم ويبعد عنا الأمراض".
وتوضح سوسن رضا أنهم يلجئون للشراء من الأسواق المفتوحة "الرصيف"؛ لأنه يوجد هناك كلُّ ما يتناسب الطبقة المتوسطة، والأسعار على حسب إمكانيات الموظفين بصرف النظر إذا كان المنتج جيدًا أو رديئًا.
معايير الشراء
وعلى صعيد الخبراء تُشدِّد نجاح مصطفى حافظ أستاذة الرقابة على الأغذية بكلية الطب البيطري جامعة القاهرة، ومدير المركز القومي لسلامة وجودة الأغذية سابقًا على ضرورة بعد المستهلك عن شراء السلع الغذائية من أسواق مجهولة المصدر توجد على الرصيف، وأن يشتري من محلات موثوق بها، ومن تاجر معروف بشكل جيد.
وتوضح بعض الضوابط التي لا بد أن يضعها المستهلك في اعتباره عند شراء الأسماك المملحة "السردين المملح، والفسيخ المملح، والملوحة، وأسماك الرِّنجة"، وفيما يخص أسماك الرِّنجة لا بد أن يراعي المستهلك عند شرائها أن يكون لونها الذهبي لونًا ثابتًا لامعًا وألا تكون لزجة، وتكون السمكة عضلاتها متماسكة عند الضغط عليها، والتأكد من خلوها من الديدان الحلزونية في أحشائها.
وفيما يتعلق بالفسيخ المملح تشير إلى أنه لا بد أن يشتري المواطن أسماك الفسيخ التي تحتوي على نسبة الملوحة العالية والابتعاد عن شراء الأسماك التي تكون نسبة الملوحة بها قليلة؛ لأن الملوحة القليلة تساعد على نمو الميكروب المسئول عن التسمم الغذائي، بجانب أن يكون القشر الخارجي له صعب تقشيره، وأن تكون رائحته جيدة وعيناه سليمتين.
وترى أن المجتمع المصري لا يمكن أن يأخذ المواطن المصري بديلاً لهذه المأكولات التي اعتاد تناولها في كلِّ المواسم، ولا يمكن أن يُطلب منه تغييرها، ولكن لا بد أن يبتعد عن شراء الأطعمة إذا شعر أنها لا تتمتع بالمواصفات السابقة حتى وإن كانت رخيصة الثمن؛ لأن ذلك سيعرض حياته للخطر.
وتوضح أن فساد الأسماك المملحة لم يكن مسئولية المصنع الذي ينتج المنتج فقط؛ لأنه قد يكون هناك مصنع أنتج منتجًا جيدًا وبمواصفات الجودة، وعندما يأخذ تاجر التجزئة المنتج يضعه تحت ظروف غير جيدة ولم يلتزم بوضع كل سلعة في درجة الحرارة المناسبة لها، وبهذا يكون التخزين غير الجيد هو سبب المشاكل الصحية وليس الإنتاج.
ميكروب البيتلزم
ويؤكد الدكتور محمود محمد عمرو مدير المركز القومي للسموم الإكلينيكية أن جميع أنواع الأسماك التي تمر بعملية التفسخ سواء كانت صالحة أو فاسدة يمنع منعًا باتًّا تناولها؛ لأنها غير صالحة للاستخدام الآدمي؛ حيث يتم تصنعها بطرق بدائية غير مقبولة ولا يحدِّد لها مدة زمنية عند تصنيعها لضمان صلاحيتها، وتظل عند البائع حتى نفاد الكمية ببيعها.
ويرفض وضع الأسماك المملحة في براميل خشبية دون غطاء محكم؛ ما يجعل العديد من القوارض والحشرات تقبل عليها وبمجرد سقوطها في تربة مالحة تموت دون أن يبالي البائع مما يضاعف عملية التلوث، بالإضافة إلى الغش التجاري في عملية تصنيعه مثل استخدام الألوان الصناعية أو تمليح السمك بملح غير صالح للاستخدام الآدمي، وجميعها أشياء ضارة بالصحة يظهر أثرها على المدى البعيد إن لم يظهر مباشرةً.
ويفند عمرو الأمراض التي تلحق بالإنسان نتيجة تناوله هذه الأطعمة الفاسدة، وهي أمراض تلحق بالجهاز الهضمي والتي تظهر في صورة نزلات معوية وإسهال وجفاف، وعادة ما يموت المريض الذي يُصاب بالجفاف، وأخرى تصيب الجهاز التنفسي الناتج عن ميكروب البيتلزم اللاهوائي الناتج عن عملية التصنيع السيئة الذي يؤدي ويعمل على فشل الجهاز التنفسي.
ويوضح أن الأعراض الأولى للتسمم تظهر بعد 8 إلى 12 ساعة من تناول الفسيخ، وهي عبارة عن زغللة في العين، وازدواجية في الرؤية، وجفاف بالحلق، وصعوبة في الكلام والبلع، وضعف بالعضلات تبدأ بالأكتاف والأطراف العليا، وتنتقل إلى باقي الجسم بالإضافة إلى ضيق بالتنفس، وإذا لم يتم وضع المريض على جهاز التنفس الصناعي تكون حياته معرضةً للخطر.
ويشدِّد على ضرورة إعطاء المصاب المصل المضاد للسم، وهو الدواء الوحيد الذي يعطى في مثل هذه الحالات والمصرح به، ويتم حقنه بالوريد ليتعادل مع جزئيات السم التي تؤثر على الجهاز الهضمي للإنسان، وهو عبارة عن زجاجة 250مم، وقد يحتاج المصاب لزجاجة أخرى.
ويلفت النظر إلى أن السموم الموجودة بالفسيخ لا يبطل مفعولها وتأثيرها على الإنسان إلا إذا تعرَّض الفسيخ لدرجة حرارة مائة درجة مئوية لمدة عشر دقائق مثل القلي في الزيت.
وينصح بالتوجه في حالة ظهور هذه الأعراض على الإنسان بعد تناول الطعام التوجه الفوري لمركز السموم أو أي مستشفى قريب لتناول التطعيم الخاص بهذه الأنواع من الميكروبات، مشيرًا إلى أن احتمال الشفاء منه وارد، ولكنه يحتاج إلى عدَّة أيام يظل فيها المريض تحت جهاز التنفس الصناعي طوال فترة العلاج.
انتظار الفساد
ويتساءل المهندس محمد شكري نائب رئيس غرفة الصناعات الغذائية عن دور الجهات الرقابية في متابعة ومساعدة المصانع الخاصة بإنتاج الأسماك المملحة في إخراج منتج كامل المواصفات؛ مؤكدًا أن دور الجهات الرقابة لا يقتصر فقط على السجن وإغلاق المحلات وضبط الكميات الفاسدة بعد امتلاء الأسواق بها، بل يجب أن يكون هناك دورٌ إرشادي ولهذا يحتاج المجتمع المصري إلى هيئة رقابة دورها الأساسي وقائي، وإرشادي ثم عقابي.
ويرى أن تكرار ظاهرة فساد الأطعمة التي تصاحب كل المواسم والأعياد التي تمر على المواطنين كل عام ستظل تكرر طالما تبتعد الأجهزة المسئولة والمختصة عن السياسة الوقائية، وتقف تنتظر مثلها مثل غيرها قدوم المواسم ولا تبحث عن الأسباب الحقيقية وراء لجوء المصانع إلى استخدام الطرق غير المشروعة لتحقيق أعلى ربح ممكن.
ويتهكم شكري من الحكومة التي تستخدم سياسة الانتظار، متسائلاً: هل الحكومة لا تعلم بقدوم موسم شم النسيم وقدوم موسم الصيف بأمراضه؛ لتأخذ الحيطة والحذر لضمان سلامة الغذاء؟ أم هذه المواسم غريبة وطارئة على المصريين، وبالتالي لا يوجد لديها الحلول الكافية لمحاربة الفساد؟.
ويوضح أن صناعة التفسخ أو "التعفن" هي الصناعة الوحيدة التي لم تأخذ حقها مثلها مثل الصناعات الأخرى في التطوير، ولم تتحدث منذ أن عرفها الإنسان المصري إلى الآن يقابل هذه الصناعة أسماك الرِّنجة "المختمرة" التي تطورت حتى أصبحت المصانع الكبرى تستخدم أسلوب تخمر صحي يقلل من الإصابة بالأمراض.
وينصح كل الجهات المختصة بالتنبه لهذه الصناعة، وأن يتم عمل بحث علمي يقدم لمراكز التصنيع حول كيفية التصنيع السليم حتى يمر الموسم بأقل قدر من المشكلات.
ويدين الدولة التي وضعت المواطن في حيرة من أمره من كثرة الأمراض التي توجد في الأطعمة التي يتناولها، حتى أصبح لا يعرف ما هو الطعام الخالي من الأمراض، وإن وجده لا يستطيع شراءه نظرًا لارتفاع ثمنه، فدائمًا يسمع المواطن عن اللحوم الفاسدة والخضراوات التي يتم ريها بمياه الصرف الصحي، والتي تُسبب الفشل الكلوي عند تناولها والمياه الملوثة، موضحًا أنه ليس أمام الإنسان أن يتناول روث الحيوانات ولا أحد يلومه إذا فعل ذلك تجنبًا للإصابة من الأمراض.
الضبطية القضائية
ويوضح المستشار أمير الكومي رئيس مجلس إدارة جمعية حماية المستهلك المصرية أن جمعيات حماية المستهلك تفتقد الضبطية القضائية التي تمكنها من التحرك في الأسواق بشكل رسمي وتعطي لها السلطة وتمكنها من ضبط وعمل محاضر في حالة اكتشاف سلع رديئة وفاسدة وغير مطابقة للمواصفات الصحية.
ويرى أنه من المفترض أن تنسق الحكومة قبل قدوم الأعياد والمناسبات مع الجمعيات الأهلية لتعمل سويًّا في مكافحة الغش وحماية المستهلك من الإصابة بالتسمم الغذائي لإخطار الأجهزة المختصة في حالة ضبط أي سلعة فاسدة، وهذا لم يحدث؛ لأن جمعيات حماية المستهلك يقتصر دورها على الجانب الإرشادي الذي ساهم إحداث بعض التعديلات على العديد من السلع الرديئة المعلن عنها.
ويدين زيادة كمية الأسماك المملحة الفاسدة التي تم ضبطتها في هذا العام، والقادمة من أسيوط والمنيا وسوهاج والمنصورة، وهذا يعتبر مؤشرًا سلبيًّا لزيادة وتفحش الفساد، ولهذا يتطلب من المواطن شراء جميع أنواع الأسماك المملحة من شركات معروفة المصدر حتى لا يقع فريسة لعصابة الفساد، موضحًا أن المواطن أحيانًا يكون عاملاً مؤثرًا في زيادة الأزمة؛ لأنه يشتري من أماكن رخيصة الثمن ورديئة نظرًا لارتفاع أسعار الأغذية والأسماك الجيدة.
ويتهم الحكومة بالتقصير في ضبط الأسواق، والتخلص من أزمة غلاء الأسماك، مشيرًا على أن مصر تمتلك ساحلين هما ساحل البحر الأحمر وساحل البحر المتوسط اللذان عن طريقهما تستطيع أن توفر وتكفي وتصدر الأسماك المجمدة إلى الخارج، ولكن هيئة الطب البيطري تهمل البحيرات والمزارع السمكية، مطالبًا الحكومة بتوفير هيئة مُفعَّلة تراقب أسواق استزراع الأسماك، والاتجاه إلى زيادة أعداد مصانع الأسماك المملحة؛ حيث لا يوجد في مصر غير مصنعين فقط.
تفعيل القوانين
ويطالب صلاح الجندي أستاذ الاقتصاد بكلية الزراعة جامعة المنصورة الوزارات المهنية بالقيام بالدور المنوط بها، وهو محاربة كل بؤر الفساد، وأن تتصدى لكل شيء يضر بحياة المواطنين؛ لأن الإنسان هو صانع التنمية، والإنسان هو هدف التنمية ووسيلتها.
ويؤكد أن الحل الأساسي للتخلص من ظاهرة الغش والفساد المتكررة التي يجدها المجتمع في كل المواسم هو تفعيل القوانين الخاصة بحياة المنافسة، وقانون منع الاحتكار، والغش التجاري، كل هذه القوانين إذا طُبقت على أرض الواقع يتخلص المجتمع من التجار الجشعين معدومي الضمير.
ويشير إلى أن محاربة فاسدي الغذاء مسئولية مشتركة بين كلِّ الجهات وليست مسئولية الحكومة وحدها، مطالبًا جميع الجمعيات الأهلية وكل المؤسسات أن تتحرى الدقة، وأن تتابع المفسدين وتُخْطِر وزارة التموين في حالة التأكد من الفساد في أي مكان، بالإضافة إلى تفعيل دور المواطنين في عدم الإفراط والإسراف في تناول هذه الأسماك حتى بعد التأكد من مطابقتها للمواصفات الجودة، وتغير عاداتهم؛ لأن كل هذه السلع تكون أكثر عرضة للتلوث.
ويوضح أن زيادة ظاهرة التسمم الغذائي من تناول أي نوع من أنواع الفاكهة أو اللحوم أو الأسماك بسبب ضعف الرقابة ينعكس بالسلب على الدولة، وتتحمل نتيجة أخطائها أكثر من مرة بتحملها نفقات علاج المواطن الذي يُصاب بالتسمم، بجانب ضعف إنتاجية المواطنين بسبب تناولهم أطعمة غير صحية، وكل ذلك يؤثر على عجلة التنمية.