إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا أبي لمحزنون، إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك يا أبي لمحزنون، إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك يا أبي لمحزنون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: من الآية 156).
ونعاهدك يا أبي بأنا على الدرب إن شاء الله لسائرون، فلتقر عينك، ولتهنأ في جنتك، ولتنعم بجوار ربك ذلك رب كريم يحب عباده ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾ (القمر).
أبي الحبيب: بعدك عن الدنيا أيقظ فينا همة الآخرة حتى نلحق بك في دار النعيم.
نشهد أنا وجدناك صابرًا محتسبًا تتحطم على صخرتك الأمواج العاتية، صبرت في سجنك أيام عبد الناصر ذلك الطاغية الذي سلب منك زهرة شبابك في السجون والمعتقلات.. فلك الأجر يا أبي إن شاء الله.
فلما استقر بك المقام وخرجت من غياهب السجون هاجرت من بلدك تدعو إلى الله عز وجل. ما طلبت من هجرتك مغنمًا دنيويًّا ولا عرضًا ماديًّا.. فلك يا أبي الأجر إن شاء الله.
ثم ما لبثت يا أبي في غربتك طويلاً حتى تاقت نفسك للرجوع إلى بلدك لتكمل مشوار دعوتك بلا ممل ولا كلل، فلك الأجر يا أبي إن شاء الله.
ومع هذا لم تسلم يا أبي من السجن والاعتقال في سجون مبارك، وأنت على مشارف السبعين فصبرت واحتسبت، وكنت أزورك في السجن فأجدك نعم الصابر المجاهد المحتسب، تحملت في شيبتك ما لا يطيقه الشباب، وكنتَ يا أبي نموذجًا يُقتدى به في الصبر والثبات.
توفي ابنك مصعب وهو لا يزال في ريعان شبابه فما وجدت أصبر منك، ثم توفيت أمي رحمها الله تعالى فما وجدت (مع اعتزازك بها) أصبر ولا وأقوى ولا أجلد منك.. فلك الأجر يا أبي إن شاء الله.
لكم تحملت من أذى الطغاة فصبرت.
لكم تحملت من أذى الناس فصبرت.
لكم تحملت من أذانا فصبرت، كل ذلك حسبةً لله. فلك الأجر يا أبي إن شاء الله.
أبي الحبيب: نم قرير العين فأنت في حبات قلوبنا، وفي نور عيوننا، لن ننساك أبدًا، ولن نركن للدعة أبدًا، فما تركت عذرًا للكسالى.
عندما كنت أشفق عليك في مرضك الأخير عند لقائك مع إخوانك كنت دائمًا تقول: (أنا برتاح في لقائي مع إخواني، أريد أن أموت وسط إخواني).
ذكرتني يا أبي.. بوالدتي الحبيبة رحمها الله (فأنتما نبع واحد- نبع دعوة الإخوان المسلمين المباركة) أذكرها، وكانت مرضت بالكبد واشتد عليها مرضها حتى لا تستطيع التحمل، وكان الألم يعتصرها ليل نهار ثم يأمرها الطبيب بالراحة فتقول (الطبيب يأمرني بالراحة وأنا أعلم براحتي، راحتي عند لقائي مع الأخوات)، لا أنسى لها ذات يوم أنها طلبت مني أثناء مرضها أن أوصلها للقاء أخوات لها، فعندما وصلنا للبيت وكان اللقاء في الطابق العاشر، وجدنا المصعد معطلاً فهممت أن آخذها ونرجع؛ لكنها (رحمها الله) صممت والله على صعود السلم، وأحضرنا لها كرسيًّا تصعد دورًا ثم تستريح، ودورًا ثم تستريح، وهكذا حتى وصلت العاشر بعد نصف ساعة، فلله در هذه التربية، ولله در هذه الدعوة المباركة التي أحيت القلوب والإيمان.. فلكما الأجر والمثوبة إن شاء الله.
وأحسبك يا أبي والله حسيبك أنك معها الآن في الفردوس الأعلى عند ربكما الكريم المنان، وعزاؤنا أنكما لن تنسونا عند ربكم، فاسألوه لأبنائكم أن يلحقوا بكم في الفردوس الأعلى إن شاء الله.
أبي الحبيب: لا أنسى لك قبل موتك بأيام قلائل، وكنت معي في السيارة ذاهب لعمل أشعة على الساقين لعدم قدرتك على الوقوف عليهما فقابلت أخًا كريمًا أثناء خروجنا من المنزل، فطلب منك موعدًا له ولإخوانه، فقلت له إنك مريض الآن، فانصرف الأخ مشكورًا، فقلت لك لماذا صرفته؟ فقلت لي إنني مريض ولن أستطيع، فلما أخبرتك أن اللقاء ليس اليوم وإنما بعد غدٍ حزنت حزنًا كبيرًا، وقلت لي ساعتها ليتني أستطيع الاتصال به إلا أن الوقت كان متأخرًا، ومررت لأطمئن عليك في صباح اليوم التالي وجدت الدمع في عينيك فقلت لك ماذا في الأمر؟ فوجدتك حزينًا تقول لي: "ماذا أقول لربي حينما رفضت طلب إخواني"، وأمرتني ساعتها أن استدعيهم للحضور في الموعد الذي يريدون، ولم يهنأ لك بال يا أبي حتى اطمأنت أني أبلغتهم باستعدادك لاستضافتهم.. فلك الأجر يا أبي إن شاء الله.
أبي الحبيب: لن أنسى كم كانت تدمع عيناك عند سماع أخبار إخوانك في غزة، وكل يوم تسألني وأنت لا تقوى على شيء، ما أخبار الجدار الفولاذي؟ وأجدك في منتصف الليالي ساهرًا لا يغمض لك جفن، وأقول لك: لم تنم بعد يا أبي؟؟ فترد على وتقول: "ماذا بعد الجدار الفولاذي؟، ماذا يصنع إخواننا في غزة بعد الجدار الفولاذي؟، لقد قطعوا عنهم الدواء والطعام"، وتظل مهمومًا بهم لساعاتٍ طوال تكثر لهم فيها الدعاء والتضرع بين يد الله تعالى أن يفك حصارهم.. فلك الأجر يا أبي إن شاء الله.
أبي الحبيب: لا أنسى لك وأنت بعد أن تجاوزت الثمانين وكنا في فعاليات نصرة الأقصى، أخبرني أخي أنه سيأتي بك فقلت لأخي إنه مريض، ولن يستطيع، ولكنه صلى معك الجمعة في مسجد الزناتي، وأخبرك أن هناك وفقة للتضامن مع فلسطين عند مسجد أبو بكر الصديق، ثم فوجئت أنا وغيري من الإخوان الحضور بوجودك داخل السيارة تشارك في تلك الوقفة من أجل فلسطين، لم تفكر يومها أنك فرد واحد، ولن تؤثر في عدد المشاركين، ولكنك فكرت في أنك وحدك تحاسب، وأنك آتيه يوم القيامة فردًا فرحمك الله، وأجزل لك العطاء والمثوبة.. لم تترك عذرًا للكسالى والقاعدين. فلك الأجر يا أبي إن شاء الله.
أبي الحبيب: أذكر يوم أن انتخب الإخوان المسلمون مرشدهم الجديد الأستاذ الدكتور محمد بديع، خلفًا للأستاذ محمد مهدي عاكف، أذكر يومها إصرارك على أن تذهب لمبايعة المرشد العام للإخوان المسلمين، فقلت لك الإخوان سيبلغونه بمبايعتك، وأنت مريض ولك العذر، ولكنك لم توافق حتى ذهبنا معًا، وشرفت أن أشاهد بيعتك لمرشدك، وأنت في الثمانين من عمرك ومرشدك في الخامسة والستين من عمره، ووضعت أمامي يدك في يده، وبحضور الوالد الكريم الأستاذ لاشين أبو شنب، والحاج عاشور غانم، وسمعتك بأذني وأنت تقول لمن هو أصغر منك بـ15 عامًا، ومن هو بعدك في الدعوة تقول له "أعاهد الله على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر.. إلخ"، فتعجبت من ذلك، وتعلمتُ من هذا الموقف الكثير، وعدت يا أبي مبتسمًا فرحًا بأنك بايعت وأصبحت أجد السرور بعدها في وجهك إلى أن توفاك الله تعالى.. فلك الأجر يا أبي إن شاء الله.
أبي الحبيب: لا أنسى أنك حتى ليلة وفاتك وفي قمة مرضك كنت لا تترك قيام الليل، والتهجد قبل الفجر تدعو الله للإسلام والمسلمين، وبما يفيض عليك حتى وأنت جالس على سرير المرض لا تستطيع الوقوف تتوضأ وتصلي لله عز وجل استعدادًا لمقابلته، فلك الأجر يا أبي إن شاء الله.
أبي الحبيب: توفاك الله وكنت قد نويت العمرة، وزيارة إخوانك في المملكة العربية السعودية، ولكن قدر الله لم يمهلك فلك إن شاء الله أجر عمرتك ومغفرة ذنوبك، وأجر نيتك وزيارة إخوانك.
أبي الحبيب: رأيت أجيالاً وأجيالاً وكلهم كانوا خلف جنازتك المهيبة التي رفعت رءوسنا في عنان السماء كلهم يشهدون أن الغرس مستمر بإذن الله تعالى.
أبي الحبيب: إننا لا نحزن عليك لأنك عند رب كريم ولكننا نحزن لفراقك، أما الحزن الحقيقي فينبغي أن يكون على حالنا نحن إذا قصرنا في هذا الطريق الذي أفنيت فيه عمرك بنفس راضية، وقلب مطمئن واثق بنصر الله تعالى.
أبي الحبيب: لقد رأيتك في المنام صبيحة يوم وفاتك.
سمعت صوتك في المنام فنظرت إلى أعلى فوجدت القمر في مكان المشرق فنظرت فيه فوجدت وجهك كاملاً في القمر فقلت لك بشغف: الجنة؟؟ فابتسمت وأومأت لي (أي نعم)، وأنت في سعادة بالغة فقلت لك مبروك ألف مبروك فقلت لي (الله يبارك فيك وعقبالكو وشدوا حيلكم) ثم تنبهت على صوت المؤذن يقول (حي على الصلاة) يؤذن للفجر.. فهنيئًا لك يا أبي إن شاء الله جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقدر.
هكذا أبي الحبيب: كنت مصدر سعادة لنا في حياتك وبعد مماتك.
رآك أحد محبيك في منامه وسألك أخبارك إيه (بعد الوفاة)؟ فقلت له: يا أخي شفت الجنازة عاملة إيه وشفت الشباب من الإخوان.
وهكذا يا أبي.. حيًّا وميتًا كان همك الإخوان، والدعوة، والشباب، واستمرار الأجيال في تلك الدعوة المباركة (دعوة الإخوان المسلمين)، وإن شاء الله لن يموت غرس أنت غرسته بيدك، ورعاه الله بعنايته.
ونعاهدك يا أبي أن نجعل أبناءنا فداءً لهذه الدعوة المباركة وأن تكون نموذجًا لهم نربيهم عليه.
فيا رب لك الحمد والشكر على أن رزقتنا هذا الأب الجميل الحنون رقيق المشاعر، ولله الحمد أن قبلت هذا الأب في جنان خلودك.
أبي الحبيب: وبعد أن أنهينا زفافك إلى جنات الخلد..
أرسل باقتي إليك: أسعدك الله في حياتك الجديدة، وفي شوق إلى لقائك عما قريب.
إن شاء الله في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقدر.
اللهم أمين.. اللهم أمين.. اللهم أمين.
وأتمثل يا أبي قول الشاعر:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
والله أكبر ولله الحمد