د. سمير يونس 

 

تقفز إلى أذهاننا فكرة الصحة النفسية عندما نرى شخصًا يسلك مع ما حوله من الأشخاص والكائنات والأشياء سلوكًا غير ملائم؛ لأن هذا السلوك غالبًا ما يسبِّب له صعوبات ومشكلات في حياته، ومن ثم لا يستطيع أن يتكيف تكيفًا نفسيًّا مع البيئة من حوله فيشعر بالتعاسة وحرمانه من السعادة والرضا النفسي.

 

فسلوك الفرد في تعامله مع ما يحيط به من مفردات البيئة لا يخرج عن كونه نوعًا مما يسميه علماء الحياة تكيُّف الكائن الحي مع البيئة المحيط بها، ومعلوم أن الكائنات الحية- بمختلف أنواعها- تتفاعل مع البيئة بدرجة أو بأخرى، وتتكيف مع ظروف البيئة لضمان الاستقرار والحياة السعيدة وبقاء النوع.

 

كذلك الإنسان عندما يتعامل مع البشر ومفردات البيئة فإنه يسلك سلوكًا لا يخرج عن كونه نوعًا من أنواع التكيف مع البيئة، وهذا النوع من التكيف نسميه "التكيف النفسي" فإن كان صاحب هذا السلوك لا يستطيع أن يسلك سلوكًا مناسبًا للموقف الحياتي فإننا نشكُّ في صحته النفسية؛ أي أنه ربما لا يتمتع بصحة نفسية جيدة.

 

مثال توضيحي للتكيف النفسي:

فخوف الإنسان مثلاً من موقف يضرُّ بحياته، كانحراف سيارة نحوه تكاد أن تصدمه فيبتعد عنها، مثل هذا السلوك الخوف وتجنب خطر السيارة يعدُّ تكيفًا نفسيًّا؛ لأنه سلوك يتجنب به صاحبه الخطر كي يحيا سعيدًا مستقرًّا لا يعاني معوِّقات ولا مشكلاتٍ جسميةً ونفسيةً، وهذا الخوف طبيعي، وصاحبه سليم نفسيًّا، ولكن إذا خاف الإنسان مثلاً من الأرنب أو من الحمامة أو من الصرصور وجرى وقد أصابه الهلع؛ فإن هذا السلوك غير ملائم للحدث والموقف، ومن ثم فإن سلوك هذا الشخص يفتقد التكيف النفسي، وهذا يشير إلى انحراف في الصحة النفسية.

 

موازنة بين الصحة الجسمية والصحة النفسية:

لعله من المفيد- من باب زيادة توضيح الصحة الجسمية والصحة النفسية- من حيث منهج الإنسان في التعامل مع كل منهما، أن نفهم الصحة النفسية في ضوء استيعابنا لمفهوم الصحة الجسيمة.

 

فالصحة الجسمية نستطيع أن نصل إليها بمناهج ثلاثة في التعامل مع النفس:

(1) المنهج الوقائي (Preventive):

وهو ما يتبعه الشخص عادةً ليتجنب الإصابة بالأمراض الجسمية، وذلك كالاحتياطات الوقائية والتطعيمات والأمصال وغير ذلك.

 

(2) المنهج الإنشائي أو الإيجابي (Posltive Or Constructive):

وهو ما يتبعه الفرد العادي حفاظًا على صحته الجسمية وقوته، وزيادة نشاطه وحيويته.

 

(3) المنهج العلاجي (Remedial):

وهو ما يتبعه الإنسان المريض للتخلص من مرض أو انحراف.

وكذلك لتحقيق الصحة النفسية لا بد من اتباع المناهج الثلاثة السالفة الذكر؛ التي بها نحقق الصحة الجسمية، فهناك المنهج الوقائي، وهو الطريق الذي يتبعه الفرد مع نفسه وغيره حتى يقي نفسه وغيره الاضطرابات النفسية، والمنهج الإنشائي وهو ما ينهجه الإنسان ليزداد سعادةً ويزداد تكيفه النفسي مع ما حوله، ويتجنَّب الاضطرابات النفسية، ويحقق صحته النفسية، وأخيرًا يوجد المنهج العلاجي للصحة النفسية، وهو يعبِّر عن البرنامج العلاجي الذي يتبعه الفرد المريض نفسيًّا لتخليصه من الاضطرابات والأمراض النفسية التي يعانيها بالفعل.

 

مفهوم الصحة الجسمية

في ضوء ما سبق وزيادةً في الإيضاح، يمكن تعريف الصحة الجسمية بأنها "حالة من التوافق بين الوظائف الجسمية المختلفة والقدرة على مواجهة الصعوبات التي تواجهه، ويصير قادرًا على أداء نشاطه ودوره في الحياة بقوة وحيوية".

 

ويقصد بالتوافق هنا أن تتعاون الوظائف الجسمية لصالح الجسم، ولتحقيق الصحة الجسمية، فإذا زاد نشاط عضو من الجسم أو قلَّ؛ أدى ذلك إلى حالة مرضية، ومثال ذلك، زيادة النشاط أو ضعفه في غدة من الغدد، فزيادة نشاط الغدة الدرقية مثلاً عما يتطلبه الاتزان الكلي لمجموع نشاط الغدد يترتب عليها- عادةً- الحالة المعروفة باسم (Exopq balmic goitre) وانخفاض نشاط الغدة الدرقية عن الحد المطلوب يسبب حالة الـ(Myoedema).

 

وبالإضافة إلى كلمة التوافق- في التعريف السابق- وردت كلمة "القدرة على مواجهة الصعوبات"، وهما تعبيران لا ينفصلان بل هما متكاملان، فقدرة الجسم على مواجهة الصعوبات تحتاج إلى أن يتوافق ويتكيَّف مع نظام غذائي معين، ووقاية الإنسان لنفسه من نزلات البرد تحتاج إلى وسائل يتوافق بها مع تغيرات البيئة من حوله.. وهكذا.

 

ولا شك أن التوافق والقدرة يؤديان إلى إحساس الفرد بالنشاط والقوة والحيوية، وهو ما ورد في نهاية التعريف السابق.

 

ما المقصود بالصحة النفسية؟

إن صحَّ الربط بين مفهومي الصحة الجسمية والصحة النفسية فيمكن تعريف الصحة النفسية بأنها: "التوافق أو التكامل بين الوظائف النفسية المختلفة مع القدرة على مواجهة الأزمات النفسية العادية التي تطرأ عادة على الإنسان، والإحساس الإيجابي بالسعادة والتكيف النفسي".

 

مغزى كلمتي "تكامل" و"صحة"

كلمة تكامل (Integration) مشتقة من كلمة (Integer)، ومعناها العدد الصحيح أو الكمية الكاملة، فهي تتناغم مع مفهوم الصحة النفسية.

 

وكلمة "صحة" هي صفة مرتبطة بكلمة "صحيح"؛ أي غير مقسم، فالصحة تتضمن معنى الوحدة وعدم التجزؤ أو التقسيم، سواءٌ أكان ذلك في صحة الأجسام أو في صحة النفوس أوفي غيرها.

 

ماذا نعني بالتكامل بين الوظائف النفسية؟!

التوافق بين الوظائف النفسية المختلفة هو خلوُّ المرء من الصراع الداخلي، وذلك عندما تتجاذبه قوتان متضادتان، كأن يتردَّد بين الحفاظ على المال العام واختلاس جزء لتزويج ابنه أو علاجه، فالصحيح نفسيًّا هنا لا يتردد بين هاتين القوتين، فالفرد إن كان لديه منهج واضح يتبعه يمكن أن يقي نفسه شر الوقوع في الاضطراب والمرض النفسي؛ فإذا كان ملتزمًا بدينه محافظًا حريصًا على كرامته وإرضاء ربه محسنًا التوكل عليه، عارفًا أن الأمر كله بيد الله، وما المال إلا سبب يمكن، وأن نجاحه بيد الله؛ فإن هذه المعتقدات كلها تشكِّل لديه منهجًا واضحًا، لا يتردَّد في اتباعه، ومن ثم يعيش حياة نفسية صحية؛ لأن هذا المنهج الواضح يعين الفرد على حسم الصراع النفسي الداخلي، أما إن لم يكن لدى هذا الشخص منهج واضح أو فلسفة واضحة تحسم هذا النزاع النفسي الداخلي، فإن تردُّده يسبِّب له توترًا واضطرابًا؛ ما يؤدي إلى إحباط قدرته على حسم هذا النزاع أو الصراع، وهذا الحسم هو الشرط الأول الذي يحقق له صحة نفسية جيدة.

 

مواقف من الحياة

أعرف كثيرًا من الناس عاشوا مؤدين لأماناتهم، وسمعت أولادهم من الشباب يعاتبونهم جهارًا أنهم تولَّوا مناصب مرموقة ووُضعت تحت أيديهم أموال طائلة، فلم يستغلُّوا هذه الفرص، بيد أن هؤلاء الآباء كان لديهم التزام ديني ووطني؛ فعاشوا سعداء برغم عدم ضرائهم، وتمتعوا بصحة نفسية وجسمية، ثم انتهت حياتهم وأيديهم نظيفة طاهرة نقية، وفي المقابل رأيت أناسًا كثيرين عاشوا حياتهم متردِّدين أو اختلسوا الأموال وضيعوا الأمانات، فكانت حياتهم مليئة بالتعاسة والشقاء، وصدق رب العزة إذ يقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126)) (طه).

 

الصحة النفسية- إذن- ليست مجرد الخلوِّ من الأمراض النفسية، فربما يوجد شخص لا يعاني أمراضًا نفسيةً، وهو في الوقت ذاته لا يتمتع بصحة نفسية؛ لأنك قد تجد شخصًا خاليًا من الأمراض النفسية لكنه لا يستطيع مواجهة الأزمات العادية؛ ومن ثمَّ فهذا الشخص ليس مريضًا نفسيًا، ولكنه أيضًا لا يتمتع بصحة نفسية، وقد تجد شخصًا لا يعاني مرضًا نفسيًا لكنه غير سعيد مع زوجته أو مع أولاده أو مع زملائه في العمل، أو يخاصم أقاربه لأسباب تافهة يمكن تجاوزها، وقد يفجُر في خصامه ويطيل الخصام؛ لأنه لا يمتلك التوافق بين الوظائف النفسية والقدرة على مواجهة الصعوبات الاجتماعية والنفسية العادية ولم يستطع التكيف مع هذه الظروف.

 

نماذج من حياتنا

لا تجد شخصًا يخاصم الآخرين طويلاً إلا وتلاحظ عليه مظاهر أخرى كثيرة وتؤكد حرمانه من الصحة النفسية، وعلى العكس من ذلك تجد صاحب النفس المتسامحة الودود الرافضة لتلك الخصومة المقبلة على صلة رحمها مطمئنة القلب ساكنة النفس؛ لأنه يحسم الأمر، بعد أن يفكر فيما عند الناس وما عند ربه من ثواب ونعيم.. فيختار ما عند الله، فحياة المسلم حياة تعاون على البر والتقوى.. حياة يملؤها الخير والحب والتسامح، وهذه كلها معالم للطريق الصحيح لتحقيق الصحة النفسية؛ لأنها تقي المسلم شر البغضاء والغيظ ومن ثم تحقق التوازن النفسي، بل تجبر الطرف المعادي على أن يكون وليًّا حميمًا كما أثبت الله عز وجل ذلك في كتابه الكريم، قال سبحانه وتعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)) (فصلت).

 

الإيمان والصحة النفسية

إن الإيمان بالله يملأ القلب طمأنينةً وثباتًا واتزانًا، ويحل السكينة بالنفس، ويقي المؤمن عوامل التوتر والقلق والخوف والاضطراب، ويساعده على التمتع بصحة نفسية جيدة.

 

عرفت شخصًا أصيب بمرض منذ سنوات، وبمجرد علمه بذلك أصيب بالهلع واليأس، فتوفي بعد أيام من تاريخ علمه بالمرض، وأصيب أحد أقربائه بنفس المرض واكتشف المرض في نفس التاريخ الذي اكتشف المرض في نفس التاريخ الذي اكتشف فيه مرض قريبه الأول الذي توفي بعد أيام، غير أن الشخص الأخير كان رجلاً مؤمنًا صالحًا تقيًّا، مطيعًا لربه، مطمئن القلب، ساكن النفس، كثير العبادات والطاعات، وقد شفاه الله رب العالمين بعد علاج لم يستمر سوى شهور، ولا أزال أذكر ابتسامة الرضا التي كانت ترتسم على وجهه، عندما كنت أسأله، كيف حالك؟ فقبل أن ينطق يبتسم تلك الابتسامة المعبرة عن الرضا الدالة على قوة الإيمان، ثم يكرر: "الحمد لله رب العالمين"، ثم يتلو كوكبةً من النصوص الشرعية التي شعرت بأنه يقصد منها أن يحدث داخله ما يمكن تسميته بالبرمجة الإيمانية فمن استشهاداته:

(يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) (إبراهيم: من الآية 27).

 

(فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: من الآية 38).

 

(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) (الفتح: من الآية 4).

 

(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ) (البقرة: من الآية 177).

 

(وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة: من الآية 216).

 

(وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ) (يوسف: من الآية 87).

 

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) (البقرة: من الآية 186).

 

احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا.

 

هل الصحة النفسية نسبية؟!

يرى علماء النفس أنه لا يوجد فاصل بين الصحة النفسية والمرض النفسي؛ بمعنى أنه لا يوجد توافق تام بين الوظائف النفسية لدى أي فرد، تمامًا كما في الصحة الجسمية لا يوجد توافق كامل بين الوظائف الجسمية المختلفة، ولكن الناس فيما بينهم يختلفون في درجة اختلال هذا التوافق، وهذا النقص سمة للبشر.