بدأ الشتاء يلملم ذيوله تاركًا المجال للربيع، ينشر في الكون دفئه، ويعيد إلى الدنيا مظاهر الحياة الجميلة، وشاركت الربيع بشتلات للزهور والورد، زرعتها بيدي في حديقة بيتي الهادئ، بينما تطلُّ عليَّ وتشاركني الرأي في تنسيقها رفيقةُ عمري، والأولاد في كلياتهم ومدارسهم.

 

ولما جمعنا المساء انشغلنا جميعًا بترتيب رحلة ترفيهية ليوم الجمعة الموافق 12/3 يوم ميلاد زوجتي؛ حيث حُرِمْنَا الاحتفال به أعوامًا متتاليةً لاعتقالي؛ حتى يتسنَّى للحزب الوطني تزوير الانتخابات، والتي حرمني من حضورها على مدار 22 عامًا، فكانت آخر انتخابات حضرتها وشاركت فيها عام 1987م.

 

وبعد أن أعدَّ الجميع ملابسه وحاجات الرحلة استسلمنا لنوم هادئ؛ نحلم فيه بصبح يوم جميل نقضيه بين أحضان الطبيعة.

 

لكنَّ هدوء الليل وسكونه وأحلامه.. تحوَّلت- في طرفة عين- إلى ضجيج، حين أحاط بمنزلي عشرات الضباط والجنود، مدجَّجين بأسلحتهم وبنادقهم، يشهرونها في وجوه الآمنين، ويعبثون بمحتويات منزلي حجرةً حجرةً، فكل شيء مستباحٌ عندهم دون أن يكون لك حقُّ الاعتراض أو حتى الامتعاض، ولم تفلح توسلات الأم أن تمنعهم من تفتيش حجرة الأطفال؛ "سماء" في الصف الأول الإعدادي، و"آلاء" في الصف الخامس، ودخل الجنود يتقدمهم ضابطهم دون أن يُسفر تفتيشهم عن شيء، وماذا سيجدون؟! وقبل أن أخرج بصحبة زوَّار الفجر دخلت لأطبع قبلة وداع ٍعلى جبين طفلتيَّ؛ ظنًا مني أنهما نائمتان، لكنهما انفجرتا بالبكاء وتعلَّقتا برقبتي.
وكانت أصعب لحظة وأشد موقف.. الجنود لا ينتظرون.. والأطفال متعلقون برقبة والدهم.. يطلبون أمانًا سلبهم إياه الظلم والعدوان!.

 

تُرى كيف كانت مشاعرهم وهم يحبسون أنفاسهم طيلة ساعة استغرقها الجنود في تفتيش كل ركن وزاوية ومكتب وكتاب بل وورقة؟!!

 

كم تساوي دموعهم الساخنة من أجل والدهم وهم يُحرمون منه حيًّا؟ وماذا أقول لهم حين يزورونني في المعتقل؟!

 

وماذا أفعل كي أزرع فيهم انتماء الوطن؟!، يتسبَّب القائمون على الأمر فيه في معاناة كل مواطن، بعد أن سرقوا الوطن ونهبوا ثرواته وأذلُّوا مواطنيه، كما سرقوا البسمة من شفاه آلاف مؤلَّفة من أبناء المعتقلين؛ الذين يسوقونهم ظلمًا وعدوانًا كل يوم إلى السجون، رغم أحكام القضاء النهائية ببراءتهم.

 

يهون اعتقالي وبُعدي عن ابني وابنتي الكبيرين بكلية الطب وزوجتي وعيادتي ومستشفاي؛ لكن كلما مرَّ على خاطري دموع أبنائي الصغار ينطلق لساني بالدعاء على من ظلمونا، كبيرهم وصغيرهم، ألاَّ يبارك الله في صحتهم ولا أولادهم ولا أعمالهم ولا زوجاتهم.. دعوة مظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وأن يريَنا فيهم عجائب قدرته وعاجل نقمته؛ فهو المنتقم الجبار.. إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.

------------

* سجن وادي النطرون.