- د. حمدي عبد العظيم: الأخطر هروب الاستثمار الأجنبي!

- ممدوح الولي: خسائر الطوارئ الاقتصادية تفوق الحصر

- فاروق العشري: تضاعف الديون والعجز.. والطوارئ السبب

 

تحقيق- يارا نجاتي:

عامًا بعد عام يتراجع ترتيب مصر في التقرير حول التنافسية الاقتصادية على مستوى العالم، الذي يشترك في إعداده البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي والبنك الإفريقي للتنمية؛ حيث كانت مصر تحتلُّ في التقرير المرتبة الـ71 في 2006/ 2007م، ثم تراجعت إلى 77 في 2007/ 2008م، ثم إلى 81 في العام المالي 2008/ 2009م.

 

وتُصنَّف مصر من بين أكثر الدول غير المستقرة على مستوى الاقتصاد الكلي؛ حيث تحتل المركز الـ125 عالميًّا، وعلى صعيد المقاييس الدولية لسوق العمالة تحتل مصر المرتبة الأخيرة ضمن 134 دولة على مستوى العالم شملها التقرير، ومن حيث كفاءة الأسواق المالية احتلت مصر مركزًا متأخرًا جدًّا، وهو المركز (106) عالميًّا.

 

يؤكد خبراء الاقتصاد أن هذا الوضع الاقتصادي المتردِّي الذي تعيشه مصر يحتلُّ فرض الطوارئ منذ نحو 30 عامًا الجانب الأكبر في المسئولية عنه، موضحين أن تمديد الطوارئ أهم العقبات أمام التنمية الاقتصادية في مصر.

 

وتعطي المادة 3 من قانون الطوارئ 162 لسنة 1958م للحكومة الحقَّ في الاستيلاء على أي منقول أو عقار، والأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات.

 

وتنفيذًا لهذه المادة يتعرَّض في عام 2009م عدد كبير من الشركات التي يمتلكها أو يشترك في ملكيتها أعضاء بجماعة الإخوان المسلمين لضرباتٍ هزَّت الاقتصاد المصري وسوق تداول الأوراق المالية؛ حين تمَّ التحفُّظ أو إغلاق 21 شركة، كما استولت الأجهزة الأمنية على كمية كبيرة من المبالغ المضبوطة بمنازل أصحاب تلك الشركات، بلغت نحو 15 مليون جنيه.

 

هروب الاستثمارات

 الصورة غير متاحة

 د. حمدي عبد العظيم

يؤكد الدكتور حمدي عبد العظيم "أستاذ الاقتصاد والرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية وعضو المجالس القومية المتخصصة"؛ أن اتخاذ قرارات استثنائية غير قانونية ومفاجئة يؤثِّر بشكل سلبي في عائد الاستثمارات، مشيرًا إلى أن المستثمر الأجنبي عندما يفكر في الاستثمار الخارجي ينظر إلى القوانين الطبيعية والتشريعات التي لا تتخذ إجراءاتٍ فجائيةً، مثل الحجز على الأموال، والرجوع عن تخصيص الأراضي باستخدام القوى الجبرية.

 

ويدلِّل على ذلك بالاضطراب الذي يعانيه المناخ الاستثماري في مصر؛ فما إن تتحسَّن حالته حتى تعود إلى التراجع ثانيةً، فقد تراجعت الاستثمارات إلى حوالي 7 مليارات جنيه في عام 2009م، ومقارنةً بوصولها إلى 13 مليار جنيه في 2008م، مؤكدًا أن حالة الطوارئ في مصر من أهم مسببات المشكلات في قطاع الاستثمار.

 

ويوضح د. عبد العظيم أن قانون الاستثمار المصري لا يشكِّل أيَّ ضامن للمستثمر الأجنبي، فالطوارئ تلغيه في أية لحظة.

 

ويضيف: وهذا يكون له أكبر الأثر في ارتفاع حجم الدين الخارجي، وكان من الممكن أن يقلَّ إذا أُلغيت حالة الطوارئ، وتمَّ إفساح المجال للاستثمارات الأجنبية التي تقلل من حجم الاقتراض الخارجي؛ حيث تدخل الأموال بالعملات الأجنبية بشكل سلس وطبيعي.

 

ويرى أن عملية طرد الاستثمارات- خاصةً العربية والأجنبية منها- التي يقوم بها قانون الطوارئ منذ 30 عامًا قلَّلت كثيرًا من حجم تعاملات البورصة المصرية، معتبرًا أنهم يستثمرون بشكل غير مباشر في البورصة.

 

ويضيف: إن الفرق كبير بين الوضع الاقتصادي المصري في ظل حالة الطوارئ والوضع الاقتصادي المصري في ظل وجود قوانين طبيعية في مصر تضمن حرية اتخاذ القرارات لأصحاب الأعمال وعدم التدخل في عملهم، وتأمينهم من المخاطر.

 

طرد الاستثمار

 الصورة غير متاحة

ممدوح الولي

ويوضح ممدوح الولي "الخبير الاقتصادي ونائب مدير تحرير جريدة (الأهرام)" أن استمرار حالة الطوارئ في مصر منذ حوالي 30 عامًا له أثرٌ بالغُ السوء على الاقتصاد المصري، غير أن تضخُّم الجهاز الأمني بشكل رهيب زاد من نصيبه في الموازنة العامة مقابل خفض نسبة الاستثمار في مشروعات البنية الأساسية والمشروعات الخدمية والتعليمية.. كل هذا نتيجة إعطاء الأمن دورًا واسعًا جدًّا في حياة المواطن المصري.

 

ويضيف: إن طول مدة الطوارئ أدَّى إلى زيادة حالات الأمراض والاضطرابات النفسية والاكتئاب وضعف الشعور بالانتماء؛ ما مثَّل إهدارًا كبيرًا في ساعات العمل والإنتاج؛ التي كان من الممكن أن يقوم بها هؤلاء المرضى، بالإضافة إلى تكلفة علاجهم التي تقع على عاتق الدولة في النهاية.

 

ويتابع: حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي التي نعيشها تجعل الشركات الأجنبية التي ترغب في الاستثمار خارج بلادها تتردَّد كثيرًا في استثمار أموالها في دولة غير مستقرة كمصر، مؤكدًا أن هذا أفقد مصر قدوم العديد من الشركات الأجنبية على مدى 30 عامًا، إضافةً إلى امتناع المصريين المقيمين خارج مصر عن العودة واستثمار أموالهم في الداخل.

 

ويؤكد أن حالة الطوارئ شجَّعت على هروب الكفاءات المصرية من كل المجالات التي لا تجد مكانًا لإظهار موهبتها؛ فتضطر للهجرة، بدلاً من المساعدة في تنمية المجتمع والاستفادة من قدراتها، مضيفًا: "بذلك تخسر مصر ما أنفق على تعليم هذه الكوادر".

 

ويشير الولي إلى أثر التوسع في الإنفاق الأمني المباشر وغير المباشر على ارتفاع أسعار السلع الأساسية وكذلك الصادرات المصرية، كما أن سحب آلاف العمال والمزارعين للانضمام إلى الأمن المركزي لمدة 3 سنوات يضيِّع على المجتمع وعليهم فرصًا ومكاسبَ كثيرةً، لو ظلوا في أعمالهم وحرفهم الإنتاجية، إلى جانب قلة عدد الأيدي العاملة التي ترفع أجورها نظرًا لندرتها، وفي النهاية يتمُّ تحميل هذه الزيادة على سعر المنتج النهائي.

 

ويلفت إلى أن القاعدة الاقتصادية القائلة: "كلما قل عدد العمال زادت الأجور وبالتالي يزيد سعر المنتج النهائي"؛ يمكن تطبيقها على كل الجوانب الاقتصادية في مصر لنعرف حقيقة المشكلة.

 

ويحذِّر من أن المناخ الداخلي في ظل الطوارئ لا يشجِّع على العمل أو الإنتاج؛ فعلى المستوى الفردي يحتاج الشخص إلى الهدوء والاستقرار النفسي الذي يجعله متفائلاً وقادرًا على الإنتاج والابتكار، والواقع يدعو إلى العكس تمامًا؛ فالفرد يشعر مع حالة الطوارئ بالاكتئاب والاختناق، ولا يجد أملاً من حوله؛ ما يؤدي إلى تراجع الأعمال، ويضيف: هذا المناخ أفقد مصر أي فرص تنافسية داخليًّا لإنتاج الأفضل والجديد، وبالتالي خسرنا في التنافس الخارجي أيضًا وفي جذب الاستثمارات.

 

ويؤكد استحالة معرفة التقدير الحقيقي لحجم الخسائر التي لحقت بالاقتصاد المصري؛ نتيجة استمرار الطوارئ قرابة الثلاثين عامًا، موضحًا أن ذلك يحتاج إلى أشهر من البحث والتدقيق بمساعدة عدد كبير من الباحثين وهو ما لا يتوفر للقطاع الخاص، مشيرًا إلى أن الحكومة لن تقوم بهذا العمل رغم امتلاكها الإمكانية؛ لأنها ترى أن قانون الطوارئ إنجازٌ كبيرٌ لها، وهو الذي حقَّق الأمن والاستقرار للمواطن.

 

ويضيف أن هذه الحجج المعاكسة للحقيقة تمامًا هي ما تقوله الحكومة لتبرير رغبتها في تجديد القانون طوال هذه السنوات.   

 

حالة شاذة

 الصورة غير متاحة

فاروق العشري

ويعرف فاروق العشري "عضو اللجنة الاقتصادية بالحزب الناصري" حالة الطوارئ بأنها حالةٌ استثنائيةٌ وشاذَّةٌ في حياة أية أمة، تتضمَّن أحكامًا خارقةً للسلطات القضائية والتنفيذية وللقانون، وهي تفرض في حالات الأزمات مثل الزلزال والإرهاب والبراكين أو الكوارث الطبيعية؛ للسيطرة على وضع الدولة، وقد تستمر لمدة شهر أو ستة أشهر أو سنة.

 

وينتقد بشدة استمرار الطوارئ في مصر لمدة تزيد عن 29 عامًا، قائلاً إن هذا يمثل كارثةً تضرُّ بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للبلاد، لافتًا النظر إلى الصورة السيئة التي تتسم بها مصر منذ سنوات أمام المستثمرين الأجانب؛ فهم لا يشعرون بالأمان على أرباح مشروعاتهم، بالإضافة إلى ثأثير حالة الطوارئ في دخل العائد من السياحة؛ نتيجة خوف الشركات من إقامة مشروعات سياحية، وخوف السياح أنفسهم من النظام الديكتاتوري، ويضيف: والنتيجة ضعف الاستثمارات القادمة إلى مصر؛ ما يؤكد أن الطوارئ عقبةٌ في طريق النموّ الاقتصادي.

 

ويستنكر ضرب الحكومة باعتراضات ومطالب منظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج؛ بإلغاء العمل بقانون الطوارئ، وانفرادها بالقرار بدلاً من إتاحة مزيد من الحرية للتنمية المجتمعية التي يعقبها تنمية اقتصادية، موضحًا أن هذه التصرفات هي التي أدَّت إلى استمرار تردِّي الوضع الاقتصادي؛ ما يزيد الديون التي نعجز عن سدادها من عشرات السنين، ثم نلجأ إلى الاستدانة من الداخل والخارج، ونعوِّل على الاستثمار في السداد، ونضطر في النهاية إلى مزيد من الاقتراض والديون.

 

ويقارن العشري وضع الاقتصاد المصري بالوضع في دول الخليج التي تشهد ازدهارًا وانتعاشًا اقتصاديًّا مستمرًّا، ويرتفع فيها متوسط دخل الأفراد ليكون من أعلى المستويات عالميًّا، ويقول: لا تجد في الخليج عجزًا في الميزانية أو ديونًا لم تُدفع من عشرات السنوات، والسبب هو ابتعاد الدول الخليجية عن تطبيق أي قوانين استثنائية وعرفية ثبت عدم جدواها في أي مكان في العالم، ولأنها تحترم مواطنيها، بالإضافة إلى رغبتها في تقديم مناخ مناسب للاستثمار على أراضيها، وهو ما تحقَّق لها منذ زمن.