اتهمت رسالة دكتوراه حديثة النظامَ الحاكمَ في مصر باحتكار الدين لمصلحته الخاصة ولتأييد سياساته الفاسدة، بينما يحرِّمه على غيره من الفصائل السياسية؛ لإقصائهم من كل أشكال الممارسة السياسية، وليضمن لنفسه الاستئثار بمقاليد الحياة المصرية في كل أشكالها.
وأشارت الدراسة- التي قدَّمها الباحث محمد طه عبد المقصود من كلية الحقوق جامعة القاهرة، وحصل بها على درجة الدكتوراه، مساء أمس، تحت عنوان "دور الدين في النظام الدستوري المصري على ضوء الاتجاهات العامة للأنظمة المعاصرة"- إلى أن النظام الحالي يعاني من الازدواجية؛ ففي الوقت الذي يستخدم فيه الأزهر الشريف لتأييد سياساته، بالإضافة إلى استخدام الشعارات الدينية في كلِّ المناسبات، يحظُر العمل السياسي على أساس إسلامي، ويحارب التيار الإسلامي بحجة فصل الدين عن الدولة، ويرفض إنشاء الأحزاب ذات التوجه الإسلامي، ليمارس النظام القمع والاستبداد على كل التيارات السياسية.
![]() |
|
الباحث محمد طه عبد المقصود |
وتناولت الدراسة إبراز تجارب بعض الأنظمة المعاصرة المختلفة من حيث دور الدين في الدولة، فتناولت النظام الفرنسي كنموذج للدولة العلمانية بدون أي توجهات دينية، والنظام التركي كدولة علمانية يحكمها حزب ذو مرجعية إسلامية، بالإضافة إلى نظام إيران كدولة دينية بعيدة عن النظام العلماني، كما تناول الباحث دور الدين في الدستور المصري خلال العصر الحديث.
وأوضحت الدراسة أن تمتع الدولة التركية بالديمقراطية سمح لحزب ذي مرجعية إسلامية أن يصل إلى أعلى مراتب السلطة عن طريق صناديق الانتخابات، بالإضافة إلى حرية التعبير والمساواة، وتحجيم سلطة العسكر الذي كان مسيطرًا في وقت سابق على مقاليد الحكم.
وبيَّنت الدراسة أنه رغم عداء فرنسا الشديد للدين فإنها تسمح بحرية تكوين الأحزاب بمرجعية دينية، وجعلته بإخطار النيابة فقط، ولم تجعل للسلطة التنفيذية أية سلطة عليها، كما تؤمِّن لمواطنيها حرية الممارسة السياسية وحرية العقيدة.
![]() |
|
المستشار طارق البشري |
وأكدت أن مصر احتفظت منذ نشأتها كدولة حديثة بطبيعة مزدوجة؛ حيث تحتوي على النظام العلماني والمرجعية الإسلامية في آنٍ واحدٍ، فالدولة ما زالت تحتفظ بالمادة الثانية للدستور، والتي تنص على أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع، بالإضافة إلى محافظة النظام على مكانة الأزهر الشريف والاستعانة به في القضايا السياسية التي تخدم أهداف النظام، بينما يلوِّح بضرورة فصل الدين عن الدولة في حديثه مع قوى المعارضة؛ ما أسهم في وضع القيود على ممارسة الحياة السياسية.
وشدَّدت الدراسة على أن الديمقراطية هي السبيل الوحيد للخروج من أزمات مصر الاقتصادية والثقافية والاجتماعية المركبة، وهي ليست نصوصًا جميلةً منقولةً من الثقافات الأخرى، ولكنها ممارسة حقيقية تأتي بوعي جماهيري ليدافع عنها
ومن جانبه أكد طارق البشري، المفكر الإسلامي البارز ونائب رئيس مجلس الدولة الأسبق، أن الدولة في مصر هي التي هيمنت على الدين، وليس الدين هو من هيمن على الدولة، مشيرًا إلى أن العيب والقبح هنا ليس في الفكرة في ذاتها، وإنما هو في المؤسسة السياسية التي تستغلُّ الدين لمصلحتها الخاصة.
![]() |
|
الفقيه الدستوري يحيى الجمل |
وأشار إلى أن الدين الإسلامي يحتوي على قواعد كثيرة تصلح لتحكم الدولة الحديثة، ومنها صحيفة المدينة المنورة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد دخوله المدينة، والتي تنص على أن العرب بأديانهم المختلفة أمةٌ واحدةٌ، وهي قومية بمرجعية إسلامية، بالإضافة إلى تجييش الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده الخلفاء الراشدين الجيوش وتعيين القضاة والجيش والقضاة هي من أهم مكونات الدولة.
يُذكر أن لجنة المناقشة تكوَّنت من د. يحيى الجمل، أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة (مشرفًا)، والمستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة السابق، والدكتور يسري العصار الأستاذ بكلية الحقوق جامعة القاهرة.


