رحل المستشار يحيى الرفاعي شيخ القضاء المصري في صمت مثلما عاش السنوات الثماني الأخيرة من حياته في صمت، لا أقول: إن القوم قد نسوه أو تناسوه خلال سنوات مرضه الأخيرة؛ فقد كان همّ السلطان الجائر واهتمامه على امتداد العصور الجمهورية الإلقاء به في غياهب النسيان لسبب واحد؛ هو أنه حمل مشعل استقلال القضاء عبر نصف قرن من الزمان، وأصرَّ على أن يكون "قاضي" الحق دون وجل، و"قاضي" العدل دون تردد.. كما أصر على أن تكون للقاضي هيبته ومهابته، ولمنصة القضاء سلطانها المستقل في إقرار الحقوق بين الناس، وجاهد في سبيل ذلك طوال حياته من فوق منصة القضاء وفي محرابه.
إذا أردت أن تطالع تاريخ القضاء المصري الناصع فتوقف أمام تاريخ هذا الرجل الذي عاش رافعًا تلك المهنة الجليلة فوق رأسه لتظل خفاقة محترمة... فهذا الرجل الذي اهتزت لأحكامه منصة القضاء وازدانت بجلوسه من فوقها لسنوات، ظل طوال حياته مكافحًا في ساحاتها لاستخلاص حقوقه المختطفة من السلطان الجائر الذي أراد في كل العصور اختطاف المنصة الجليلة بمن عليها أو مساومتها أو شرائها بأي ثمن!! فقد كان أحد أبرز ضحايا مذبحة القضاء الشهيرة عام 1969م، والتي تم خلالها إقصاؤه لمدة 43 شهرًا (31/6/1969- 21/12/1972م) عن "أداء رسالتي القضائية بما فيها أمانتي العامة لنادي القضاة... وعدت لمنصبي بحكم محكمة النقض" وفق قوله.
وبعد عودة الرجل إلى منصة القضاء ظل كما هو معدنًا أصيلاً وثمينًا؛ لأنه ظل جنديًّا شريفًا في ميدان حراسة استقلال القضاء، وظل صوتًا مجلجلاً بكلمة الحق في قضايا العدالة وقضايا الوطن ضد كل زيغ أو زيف، فقد قاد مع عدد من زملائه من رجال القانون حملة لسحب حزمة من القوانين المخترعة في ذلك الزمان، والتي كانت محل رفض من شتى القوى الوطنية في ذلك الوقت، مثل قانون "حماية القيم من العيب"؛ فكان عقابه غمط حقه في التعيين بمحكمة النقض، لكنه لجأ- وهو القاضي وأي قاضٍ- إلى ساحات القضاء حتى أصدر القضاء حكمًا، أعاد له حقه بالتعيين في محكمة النقض، وتدرج حتى أصبح رئيسًا لتك المحكمة وهي أرفع درجات القضاء المصري.
في أبريل من عام 1986م بدأ رحلة جديدة في مسيرة تحقيق استقلال القضاء تمامًا، وقطع الأيدي التي كانت تحاول احتواءه، وقاد نادي القضاة الذي انتخبه رئيسًا له لتحقيق ذلك، وتمكن من عقد "المؤتمر الأول للعدالة"، وكان خطابه في ذلك المؤتمر وثيقة تاريخية يفخر بها القضاء في الدفاع عن حقوق الإنسان في مصر والدعوة لاستقلال القضاء، فكان ذلك المؤتمر هو الأول والأخير للعدالة!!
وقد كانت الفترة التي تولى فيها رئاسة نادي القضاة من أنصع الفترات؛ ولذلك فقد حكم قضاة مصر باختياره رئيسًا شرفيًّا لناديهم مدى الحياة؛ لكن الرجل الذي حمل قضية استقلال القضاء لم يتوانَ في تكرار المطالبة بإلغاء قانون الطوارئ، والدعوة لتنفيذ أحكام القضاء واجبة النفاذ خاصة في القضايا الكبرى، ولاقى في سبيل ذلك العنت والضغط والإجحاف.
وودّع الرجل منصة القضاء ببلوغه السن القانونية في منتصف عام 1991م، بعد أن صدح من فوقها بأحكام يشهد بها الزمان، وحفر في محرابها أشرف المواقف، وسجل على صفحتها كلمات حق ستظل شاهدة على عظمة القضاء المصري، وشاهدة في الوقت نفسه على أهل الجور والبغي وعلى دعاة الزور والبهتان.
واتجه للعمل في مهنة المحاماة حتى 31/12/2002م عندما أقعده المرض عن العمل، فتوجه بكلمته الأخيرة للتاريخ ولمصر ولجماهير القضاة والمحامين برسالة مطولة تعد وثيقة مهمة تشهد له عند بارئه بأنه جاهد في سبيل الحق والعدل حتى النزع الأخير من صحته.
وقد قال في رسالته: "أرى اليوم من حق مصر في عنقي وفي أعناقكم أن نجري مقارنة بين ما كان عليه حال القضاء والمحاماة في مصر قبل تلك المذبحة (مذبحة 1969م) من احترام وتقدير وثقة مطلقة سواء في نظر شعب مصر أو في نظر حكومات العالم بأسره وشعوبه، وبين ما نرى ونسمع اليوم من تجريح ونقد مريرين بما فيهما من مساس جسيم بكرامة مصر وقضاتها ومحاميها، وبما يكاد يبلغ السكوت عن كلمة الحق بشأنه مبلغ الخيانة"!
أسأل الله لك الرحمة الواسعة، وأن يحشرك في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.
----------------
* كاتب مصري- مدير تحرير مجلة (المجتمع) الكويتية.