أصدر مركز "الزيتونة" للدراسات والاستشارات في بيروت كتابًا جديدًا، يتناول التراث الثقافي لمدينة القدس، ضمن فعاليات الحملة الأهلية لاحتفالية "القدس عاصمة الثقافة العربية للعام 2009م"، وهو كتاب تأصيلي ينتمي إلى تصنيفات الحضارة، ويختلف في مضامينه عن موضوعات المركز السياسية والإستراتيجية التي يصدرها عادةً.

 

الكتاب الذي يحمل اسم "دراسات في التراث الثقافي لمدينة القدس" يتناول 13 فصلاً موضوعيًّا، شارك في تحرير كل فصل كاتب واحد أو عدة كتَّاب، فتناول الفصل الأول تاريخية الصراع على القدس، وتناول الفصل الثاني نماذج لأعلام مقدسية تعود إلى الحقب المملوكية والعثمانية والانتدابية؛ أسهمت في ترقية الفكر الإنساني وإعطاء دور ثقافي وحضاري للمدينة.

 

وأما الفصل الثاني فقد سلَّط الضوء على الهويَّة الهندسية والمعمارية في المدينة المقدسة، وعلاقاتها بالأديان الثلاثة، وتفنيد الادِّعاءات الصهيونية بشأنها، وفي الفصل الثالث تركَّز اهتمام الباحث على تصحيح مفاهيم تاريخية تتعلق بالدور العثماني في الحفاظ على الدور الثقافي والحضاري للقدس.

 

بينما ركَّز الفصل الرابع على إعادة قراءة ملف واقع مؤسسات الوقف في القدس قبل احتلال المدينة وبعده، ودور الأوقاف في تثبيت هوية المدينة ونموذج التعايش الحضاري فيها، ويكشف الفصل الخامس عن الممتلكات والأوقاف المسيحية في المدينة وما تتعرض له من اعتداءات.

 

ويتبع الحديث عن مؤسسات الوقف الإسلامي والمسيحي تقرير بحثي مفصَّل عن واقع المؤسسات التعليمية والمكتبات العربية والإسلامية والأجنبية فيها، كما يتلو هذا الفصل تقرير وصفي يركِّز على أدوار بعض هذه المؤسسات وإمكاناتها في خدمة المشروع التعليمي والثقافي في القدس.

 

وفي الفصل الثامن يتحوَّل البحث إلى قضايا الصراع على المستوى الثقافي، وأسس الفكرة الصهيونية وفلسفتها في احتواء المكان ونفي الصبغة العربية الإسلامية عنها، وتطبيقات ذلك على الأرض.

 

ويتحوَّل الفصل التاسع إلى توصيف واقع التعامل مع تراث القدس الثقافي في المعاهدات والقرارات الدولية، والروافع القانونية التي يمكن استخدامها في حماية التراث الثقافي لمدينة القدس من وجهة نظر دولية.

 

 
 

ثم يستمر الحديث في الفصل العاشر عن نوع مختلف من الصراع الثقافي على المدينة، من خلال استخدام الموسوعات العلمية اليهودية والأجنبية ذات الامتدادات الأكاديمية في تأكيد انتماء القدس للتراث اليهودي، وأثر ذلك في التطبيقات السياسية والدينية على العقلية الغربية، وهذا الفصل خطير ومهم للغاية يجدر بالباحثين إثارته على الصعد العلمية كافة.

 

وفي الفصل الحادي عشر نعود إلى تفصيل آخر عن الجمعيات التي تُعنى بحفظ التراث المقدسي من التزوير الصهيوني، ودور هذه الجمعيات وإمكانية تعميم الانتفاع بها.

 

وفي الفصل الثاني عشر تظهر لنا قلة الكتب التي اهتمت بالبيلوغرافيا الثقافية لمدينة القدس وأهمية الاستدراك على ذلك، وضرورة تأهيل متخصصين في هذا الجانب لكتابة رواية تاريخية حضارية للقدس خالية من العبث والتزوير.

 

ويشتمل الفصل الأخير وهو الفصل الثالث عشر على ثلاثة مباحث مهمة ركَّزت على الأبعاد العملية للحفاظ على التراث الثقافي للقدس، فتناول المبحث الأول المستوى الرسمي الفلسطيني والعربي والإسلامي في هذا الجهد والإطار السياسي العام الذي تعمل عليه هذه الجهات، ومدى هذا الدور.

 

ويتناول المبحث الثاني المستوى العلمي الممثل بالعلماء والأكاديميين في مواجهة المخاطر التي يتعرَّض لها التراث الثقافي المقدسي، فيما يتناول المبحث الأخير أدوار مؤسسات المجتمع المدني في المجال الثقافي وواقعها، مع قراءة تطبيقية لتجربة مؤسسة القدس الدولية في حماية التراث الحضاري والثقافي لمدينة القدس.

 

وتأتي أهمية الكتاب من جملة جوانب؛ أهمها دراسات رصينة لخبرات متخصصة، ابتعدت في طرحها عن الشعارات والدعاية السياسية أو الحزبية، وتأكيد أهمية تصدير المستوى الثقافي في منظومة الصراع حول مدينة القدس، وتنوُّع مشارب الباحثين واهتماماتهم الثقافية؛ ما أعطى تلوينًا نوعيًّا لمادة الكتاب.

 

كما يهدف الكتاب إلى مشاركة خبرات من داخل القدس ومن فلسطين المحتلة عام 1948م في تحرير مادة الكتاب وأثر ذلك في واقعية المادة وحداثتها ودقتها الناتجة عن المباشرة والمشاهدة، ومشاركة شخصيات جمعت بين الخبرة الميدانية والبحث العلمي في تحرير مادة الكتاب وتوسيع مستوى النظر في خطورة استهداف الصهاينة للتراث الثقافي المقدسي وتسليط الضوء على استغلالهم للجانب المعرفي الأكاديمي في تسويق خطابهم الثقافي اليهودي والصهيوني إزاء مدينة القدس.

 

ويهتم الكتاب أيضًا باحتواء كل دراسة على جملة من التوصيات المركَّزة التي يمكن جمعها والإفادة منها في تشكيل إستراتيجية دفاعية لحماية تراث القدس الثقافي من استهداف الاحتلال الشامل، وصولاً إلى تأسيس إستراتيجية ثقافية شاملة للتعامل مع هذا التراث الإنساني الحافل، وفتح نوافذ قانونية ودولية جديدة في المجال الثقافي للتعامل مع القدس يمكن الاستناد إليها في معركة الصراع في جانبها الثقافي.

 

 الصورة غير متاحة
 

ويُبرز الكتاب في المجال الأكاديمي الحاجة إلى تأسيس تخصص معرفي أكاديمي جديد يعتني بدراسات بيت المقدس وحاجاتها، وتعميق الدراسة حولها، وضرورة الاستدراك على الموسوعات العلمية الأجنبية وملاحقة تزوير الصهاينة للمعرفة المتعلقة بالقدس، وكشف الأثر السلبي للمرويات الصهيونية في التراث الإسلامي والمسيحي، بالإضافة إلى إبراز ضرورة ترجمة المعرفة المتعلقة بالقدس إلى اللغات الحية الأخرى، وتقديم دراسات معمارية وهندسية متخصصة تضيق الخناق على سياسة تطويق المجال البصري للقدس العربية الإسلامية.

 

كما يدلِّل الكتاب على الحضور الكبير للقدس في التاريخ السياسي العربي والإسلامي وأهميتها في تاريخ الأمة وحضارتها، ويبرز حقائق الوجود العربي والإسلامي والمسيحي في القدس، بإبطال ادِّعاءات الوجود اليهودي، وإسقاط دعاوى القدس اليهودية من وجهة نظر الآثار وحقائق التاريخ، مقدمًا روايةً تاريخيةً وحضاريةً وسياسيةً كاملةً عن القدس تفنِّد في تضاعيفها الادِّعاءات الصهيونية.

 

وفي المجال الإستراتيجي، يظهر الكتاب الحاجة إلى دراسة الخلفية الثقافية للمشروع الصهيوني الذي يتخذ من حيثيات القدس إستراتيجيةً له، ودراسة انعكاساتها على إستراتيجيته السياسية والعسكرية وسلوكه التهويدي على الأرض والسكان، ويوضح ضرورة تشكيل رؤية عربية إسلامية شاملة تجاه القدس، تتجاوز المعطى السياسي وظروفه الضاغطة وتستند إلى المعطيات الحضارية والثقافية والتاريخية، وتكون مقدمةً لإستراتيجية شاملة للقدس في كل المجالات.

 

ويشير الكتاب في المجال السياسي والدبلوماسي، إلى ضرورة العمل على منع إدراج القدس في قائمة التراث اليهودي المسجل في قائمة التراث العالمي، والحيلولة دون إسقاط القدس من قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، وتفعيل البعد القانوني في الصراع السياسي لحماية تراث القدس، بالإضافة إلى التوجيه باعتماد قضية القدس ضمن أولويات السياسة العربية والإسلامية في المحافل الثقافية الدولية.

 

وفي المجال الأهلي، يوصي الكتاب بتشجيع الائتلافات والتشكيلات التنسيقية العاملة لأجل القدس، وتشجيع مؤسسات العطاء الوقفي واستخدامها لحماية التراث المقدسي، وتنشيط التعبئة المعرفية للعموم من خلال برامج تنتشر عبر وسائط اتصال عامة، والعمل على تعريب الكنيسة المسيحية في القدس لحمايتها من الاختراق الصهيوني.

 

من جانبه يقول د. أسامة الأشقر رئيس المكتب التنفيذي للحملة الأهلية لاحتفالية "القدس عاصمة للثقافة العربية للعام 2009م" إن هذا العمل الضخم الذي بادر به مركز "الزيتونة" من الأعمال التي تستحق التنويه والإشادة، ويعقبها سؤال المتابعة والتطوير وتوسيع دائرة البحث؛ ليشمل القطاعات الفنية التي أغفلها هذا الكتاب، كقطاع الفنون التطبيقية والجميلة وقطاع المعرفة العلمية التقنية في تراث القدس المعرفي، وقطاع البحث الجغرافي، وقطاع الاستيطان الثقافي.

 

وأضاف: "يعقب ذلك سؤال تدقيق المسار المنهجي في البحث الثقافي لمدينة القدس، يتناول بتركيزٍ الموضوعات محل البحث والتقصي، فدراسة الواقع الثقافي للمدينة في هذا الكتاب تختلف من حيث التركيز والتفصيل عن دراسة المعطيات الثقافية التاريخية، وتختلف عن دراسة سلوك الإنقاذ لتراث المدينة المنهوب".

 

واستطرد: "كما أن مباحث الدراسات التاريخية الثقافية في الكتاب كانت عبارة عن دراسات مختارة أكثر من كونها دراساتٍ آتيةً في سياق وظيفة ثقافية، وهذا أمر يمكن تفهمه؛ لأن الكتاب حصيلة أوراق تقدم بها باحثون لمؤتمر التراث الثقافي لمدينة القدس الذي أقامه مركز الزيتونة، وطبيعة المؤتمرات تفرض محدودية الضيوف والأوراق والأزمنة، ونأمل أن يجري استدراك ذلك في تنسيق المؤتمرات القادمة".