- الطلاب: الدراسة الحقيقية غائبة والمهم شهادة ورقية
- الواسطة والمحسوبية المتحكم الأساسي في سوق العمل
- 7 ملايين عامل عاطل نتيجة للتحول لنظام الاقتصاد الحر
تحقيق- إيمان إسماعيل ويارا نجاتي:
في ظل تدهور التعليم الفني ووصوله لأقصى مراحل التدني رغم أنه المنوط بتأهيل العامل لسوق العمل.. ومع استمرار الوساطة والمحسوبية في تعيين العمال واستمرار خصخصة الشركات، وغلق الكثير منها وتسريح جزء كبير من العمالة بها.. كانت النتيجة الطبيعية هي أن يحفى العامل حتى يجد مكانًا وعملاً مناسبًا له.
ورغم أن التعليم الفني هو النواة الأولى لتأهيل العامل لسوق العمل، إلا أنه لم يحظَ بأي اهتمام، بل هناك محاولات لإفناء العمالة المصرية وغلق تلك المدارس، الذي تجاوز عدد الطلاب الملتحقين بها أضعاف أعدادهم في التعليم العام.. حيث يبلغ عددهم مليونين وربع المليون طالب؛ ما يعني أن نصيب التعليم العام هو 36% من العدد الإجمالي مقارنة بـ64% للتعليم الفني مقسمةً إلى 30% صناعي و8% زراعي و26% تجاري.
وكشفت الدراسات والإحصائيات أن 86% من العمال الحاليين الحاصلين على عمل- باستثناء أصحاب الواسطة- واجهوا صعوبات مدمرة حتى حصلوا على مكان في أحد المصانع أو الشركات، وأن حوالي 7.11% من العاملين الذين حاربوا من أجل الحصول على عمل واجهوا صعوبات عند مزاولة المهنة من حيث التعامل مع التجهيزات والمعدات وغيرها، وهو ما يؤكد انعدام تأهيل العامل في المدارس لسوق العمل.
وتتمثل الصعوبات التي تواجه العمال الذين حصلوا على عمل في عدم الدراية بكيفية تشغيل الأدوات والمعدات واستخدام الحاسب الآلي على المستوى الإجمالي، فهي على التوالي 8.39 % و1.26% و3.13% من العاملين عند مزاولة المهنة مع تفاوت نسبي لبقية الصعوبات الأخرى، والتي هي من أساسيات التعليم في المدارس الفنية.
وفيما يتعلق باشتراطات أصحاب العمل للعمال الجدد، فنجد أنها ما بين خبرة تتراوح بين (3-5) سنوات- وهي من الصعب أن توجد في عامل يرفض الجميع تعيينه-، وما بين تعلم مهارات في غاية الدقة- والتي تطلب إعدادًا مسبقًا لم يتم توفيرها في المدارس-، وما بين رفض المصانع في تعيين عمالة مصرية من الأساس!
(إخوان أون لاين) قام بجولات ميدانية متعددة في مدارس التعليم الفني والصناعي، بل وبين العاطلين ممن فاض بهم الكيل في البحث عن عمل، وبين العمال الذين سنحت لهم الفرصة بعد عذاب حقيقي في الحصول على عمل، واستطلعنا آراء الخبراء في تلك المسألة فإلى التفاصيل:
يقول شوقي عاطف "طالب بالسنة النهائية بالثانوي الصناعي" إنهم لا يأخذون أي شيء مفيد في المدرسة منذ أول السنة؛ لأن أعدادهم كبيرة جدًّا في الفصل الواحد؛ حيث تتجاوز الـ80 طالبًا، فضلاً عن أن أغلب أيام الأسبوع لا يكون بها مدرسون، حتى إنه في كثير من الأحيان يكون في المدرسة بأكملها مدرس واحد فقط والمدير طوال اليوم!
وفي ظل غياب التأهيل في التعليم الفني للعامل لسوق العمل، مع تحديد أصحاب المصانع اشتراطات وخبرات معينة للحصول على فرصة عمل خاصةً ممن يمتلكها مستثمرون أجانب، تزداد الفجوة بين خريجي التعليم الفني واشتراطات سوق العمل اتساعًا، ويصبح البحث عن فرصة عمل.. رحلات عذاب متواصلة.
رحلة عذاب
ويضيف سيد رياض "عامل بأحد المصانع" أنه حصل على عمله بعد عناء؛ حيث ظل يتقدم في العديد من المصانع ويتم رفضه لمدة أكثر من 5 سنوات، إما لعدم توافر واسطة لديه، أو لاشتراطهم في العمل وجود خبرة 3 سنوات، مستعجبًا من أين يأتي بتلك الخبرة والجميع يرفض تعيينه قبل الحصول على خبرة، والمدارس لم تؤهلهم بالقدر الكافي!
ويضيف: إن إدارة الشركة التي يعمل بها حاليًّا منعت التعيينات منذ عام 1998م، حتى إن العديد من زملائه ظلوا ما يقرب من 12 أو 14 سنة يتعاملون بالعقود المؤقتة، براتب لا يزيد عن 400 جنيه.
ويرى أن السبب الرئيسي في عدم وجود فرص عمل حقيقية لهم كعمال هو استغناء الحكومة عن العمال وتمني طردهم، واستبدالهم العمالة الأجنبية بهم؛ ما يتسبب في لجوء العمال إلى العقود المؤقتة إن وجدت، فضلاً عن محاولة الحكومة لتقليد القطاع الخاص، باستخدام ما يسمى وسيط التوظيف، وهي شركة وسيطة بين العامل والمصنع؛ حيث يتعاقد العامل معها بدلاً من المصنع، وبالتالي تسقط كل مسئوليته من على كاهل الحكومة، فلا يكون له الحق في التأمينات أو أي شيء آخر، ويمكن طرده في أي وقت بدون أي ضمانات أو مكافآت، وتأخذ الشركات الوسيطة نسبة على كل عامل، حتى لو تم طرده بعدها بأيام.
ويضيف قائلاً: "حتى العذاب مستمر بعد الحصول على العمل فأنا بعد تثبيتي بفترة طلب مني مدير المصنع الإمضاء على أوراق تضمن عدم مطالبتي بمستحقاتي عن الفترة المؤقتة التي وصلت إلى سبع سنوات واضطررت لها حتى لا أطرد من العمل، حتى أن حملة المؤهلات العليا يضطرون إلى العمل في أعمال كان يقوم بها من قبل غير المتعلمين، كالعتالة والكنس وتقديم الطلبات".
عصر الخصخصة
ويقول أشرف الحريتي (القيادي العمالي بشركة طنطا للكتان والزيوت والذي تم طرده فجأة من عمله منذ سنتين وإلى الآن لا يقبله أي مصنع ولا يجد بديلاً): إن أزمة العمال والتعيينات بدأت معهم منذ بداية عصر الخصخصة في مصر؛ حيث يرفض المستثمرون الأجانب تعيين أي عمال إلا بشروط خاصة من تعلم لغات وكمبيوتر وخبرة لسنوات ضخمة، مشيرًا إلى أنهم يتعمدون خلق اشتراطات معقدة حتى لا يتم تعين أحد والاستعانة بالعمالة الأجنبية.
ويشير إلى أن تعيين العمال الآن أصبح بالوساطة ولا يمكن أن يتعين أحد بسبب خبراته أو مؤهلاته، بالإضافة إلى أن تعيين العمال متوقف منذ عام 1993م في القطاع العام، وعلى صعيد القطاع الخاص لم يتم تعيين عمال منذ عام 2003م.
ويضيف: ابني بعد رحلة عذاب طويلة تمكن من الحصول على فرصة عمل في شركة خاصة لكن بعد ملء استمارة 6 التي تعتبر استقالة مسبقة، وبعد ست سنوات من العمل الشاق، أصيب في العمل ورفضت صاحبة العمل قبول إجازته المرضية التي حصل عليها من التأمين الصحي، وعندما عاد بعد أسبوعين للعمل أخبرته بخصم 15 يومًا من راتبه وقالت له: "لو مش عاجبك سيب الشغل"، وبالفعل ترك الشركة، ويعمل الآن خارج تخصصه تمامًا، فهو سائق على سيارة أجرة، وحتى الآن لم يحصل على أي من مستحقاته.
ويستطرد: "حتى بعد الحصول على عمل يتكبد العامل العديد من الصعاب، فعندما كنا نعمل في شركات قطاع عام كنا نحصل على مرتب ثابت كل شهر بالإضافة إلى العلاوة التي تزيد مع زيادة الإنتاج، أما الآن في ظل القطاع الخاص فالمستثمر لا يرغب سوى مضاعفة الإنتاجية مع تقليل المرتبات، فقديمًا كنا نأخذ ما يسمى ببدل وجبة غذاء تصل إلى 120 جنيهًا والآن لا توجد في معظم المصانع والشركات، وإن وُجِدَت لا تزيد عن 32 جنيهًا.
ويوضح أن أصحاب العمل الآن لا ينظرون سوى لمصلحتهم الخاصة وتحقيق الأرباح، والعامل لا يجد من يلجأ إليه للحصول على حقوقه؛ حيث يبدأ العامل بمرتب حوالي 350 جنيهًا لـ8 ساعات عمل يوميًّا، وفي ظل الظروف التي نعيشها لا يكفي هذا المبلغ حتى مواصلات العامل من وإلى الشركة.
ولم يختلف الحال كثيرًا عن العمال العاطلين؛ يقول طه غناوي: إنه ترك العمل في المصانع منذ 6 سنوات، عندما تم طرده دون سابق إنذار من العمل هو و100 من زملائه، ويضيف قائلاً: "منذ ذلك الوقت وأنا تركت الصنعة وبقيت 3 سنوات أبحث عن عمل حتى عملت كسائق على نصف نقل أنقل البضائع وغيرها"!
ويقول: لو توافرت له الفرصة للعمل لدى الكيان الصهيوني على أراضيه سيكون أهون له مما لقيه من سوء معاملة ومن متاعب في البحث عن عمل هنا في مصر!
شرط الواسطة
يقول عماد حفني (قيادي نقابي): إن العمل في كافة قطاعات مصر أصبح مقتصرًا على توفير العامل للواسطة، مشيرًا إلى أن الإعلانات التي تُنشر في الجرائد تكون قد نُشرت في إعلانات داخلية، ونشرها في الصحف يكون مجرد شكل قانوني كمحاولة للابتعاد عن المساءلة.
ويشير إلى أن العقود المؤقتة للعمال أصبحت سبيلهم الوحيد للعمل في المصانع والشركات المختلفة، مؤكدًا أن تلك الفكرة منتشرة في كافة أنحاء العالم، ولكن بشرط أن يستمر التدريب لفترة ستة أشهر فقط، أما في مصر فيصل إلى ما يزيد عن سبع سنوات خاصة في قطاع البترول، وهو ما يعتبر ظلمًا للعامل المؤقت الذي يختلف عن المثبت في أساسي الراتب بالطبع إلى جانب الحوافز الأقل.
ويؤكد أن كل تلك الصعاب التي يواجهها العمال في الحصول على عمل تكون نتيجة إملاءات من مسئولين حكوميين لأصحاب المصانع، حتى يكفوا عن تعيين أي عمال، نظرًا لرغبة الحكومة في التخلص من القطاع العمالي في مصر بأكمله بحجة أنه يمثل عبئًا فوق كاهلها، ورغبتهم في تعيين العمالة الأجنبية داخل مصانع مصر!
البحث عن المستحيل!
ويقول سعيد الصباغ (أمين تنظيم العمال بالحزب الناصري بالقليوبية، والأمين العام لاتحاد أصحاب المعاشات): إن مشاكل العمال في الحصول على عمل يعبر عنها الواقع الذي يعيشونه الآن؛ حيث يصل عدد العمال العاطلين عن العمل إلى حوالي 7 ملايين عامل نتيجة للتحول لنظام الاقتصاد الحر؛ ما أدى إلى تحويل 164 شركةً من أصل 317 شركةً من قطاع الأعمال العام إلى القطاع الخاص، ويضيف أن الشركات المتبقية في القطاع العام والبالغ عددها 153 تم عمل ما يُسمى بإعادة هيكلة للعمالة بداخلها مما أضر بالعمال بشكل بالغ.
ويوضح أن البحث عن عمل لدى العمال أصبح فكرة شبه مستحيلة فالقطاع العام وحده خرج منه ما يزيد عن 800 ألف عامل عاطل، بالإضافة إلى الخريجين الجدد من المدارس الفنية والحرفية، فجميعهم أصبحوا ينتظرون على الأرصفة بجوار بعضهم البعض في انتظار الفرج.
ويحمل الحكومة البطالة التي يعيش فيها العمال في مصر، فيقول لقد تُرك العمال منذ عام 1986م بدون راعٍ يختص بتوفير فرص عمل لهم؛ ما جعل فرصة حصول العامل على عمل أشبه بالمستحيل وضرب من الخيال.
ويرى أن حل مشكلة العمل في مصر تكمن في أيدي الحكومة التي يعتبرها حكومة رجال الأعمال؛ حيث يعجز القانون عن الدفاع عن العمال وحمايتهم ضد أصحاب العمل، ولا ترغب الحكومة في مساعدتهم.