تحقيق- شيماء جلال ومي جابر:
"ألف صرخة وألف آه.. حق العامل ضاع وتاه"، و"آدي عهدك يا نظيف.. مش لاقيين تمن الرغيف"، و"جابوا شوية نصابين قالوا لنا مستثمرين.. أخدوا منا الملايين والعمال مش لاقيين"، "صباح الخير صباح النصر.. إحنا المظلومين في مصر"، و"الإضراب مشروع مشروع ضد الفقر وضد الجوع".. كلمات وهتافات لهج بها عمال مصر في مظاهراتهم واعتصاماتهم التي لا يكاد يمر يوم إلا ونشاهدها في الشوارع والشركات والمصانع مطالبين الحكومة والمسئولين بضرورة استرداد حقوقهم وحل مشاكلهم.
المشاهد لواقع العمال خلال الفترة الماضية يرى أن العامل المصري يحيا حالة لا يمكن وصفها، فلا يوجد تقرير حقوقي إلا ويتحدث عن انتهاك وظلم لعمال مصر، لتكون الطبقة العمالية أدق مثال للطبقة المظلومة في مصر، فقد أوردت تقارير صادرة عن "الأرض" و"أولاد الأرض" و"المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية" أن الأوساط العمالية شهدت ما يقرب من 1200 احتجاج خلال العام الماضي وأنه المتوقع أن تتعدي هذا الرقم خلال العام القادم.
(إخوان أون لاين) يطرح أبرز المشكلات العمالية ودور الحكومة في حلها والسيناريوهات المتوقعة لحقوق العمال المهدرة خلال الفترة القادمة.
تأميم المصانع
يقول عويس أحمد رئيس اللجنة النقابية بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بالفيوم إن أحوال العمال المصريين تدهورت بشكل كبير ويعيش عمال مصر أكثر العهود ظلمًا واضطهادًا من جانب مسئولي مصر ووزرائها.
ويضيف أن أول مطلب للعمال يتمثل في ضرورة تأميم المصانع التي تم بيعها لمجموعة من المستثمرين الأجانب، مؤكدًا أن أحوال العمال المصريين تسير من سيئ إلى أسوأ في ظل الحكومة الحالية، ويشدد على ضرورة رحيل تلك الحكومة.
ويستطرد قائلاً: "نحن لا نريد أن نعيش فوق خط أو الفقر ولا تحته، فكل ما نريده أن نصل حتى لهذا الخط، خط الفقر".
ويوجه عويس طلبًا للحكومة بلغة شديدة اللهجة فحواه أنه ينبغي على الحكومة ومسئولي العمال بأن يعاملوا العمال معاملة آدمية تليق بهم وتراعي أحوالهم، وليس كأنهم عبيد تحت سيطرة ورقبة النظام.
ويضيف أنه مر عليه ما يقرب من 40 عامًا في رحلة العمل بالمصانع المصرية، شهد وعاني خلالها معاناةً شديدةً، فضلاً عن غياب أدنى الحقوق في التحدث عن المطالب في الأجر المناسب أو الحصول على إجازات أو حوافز أو بدل أو ما إلى ذلك من متطلبات أساسية.
ويرى أن نقابات عمال مصر بأنها مجرد "ديكور وبرواز من صنع النظام"، مبينًا أن النقابات العمالية الحالية بمصر ترتدي ثوب الحكومة والنظام ولا تبحث عن المشاكل العمالية، أو عن سبل حلها، وأصبحت النقابات بمثابة تجمعات أمنية تمنع المعتصمين بل وتعتدي عليهم أيضًا.
وحول أوضاع العمال الصحية يبين أن حق العامل في العلاج يعتبر من أول الحقوق الواجبة على الحكومة؛ ولكن على أرض الواقع يحدث عكس ذلك، فنصيب العامل من العلاج لا يتعدي الـ35 جنيهًا، وهذا أمر لا يمكن يعقل.
وحينما سألناه عن أحوال العمال المرضى أو الذين يتعرضون لإصابات داخل العمال كيف يتصرفون؟ قال لنا عويس: لقد طفح بهم الكيل وإن من كثرة الظلم استسلموا للأمر الواقع وأصبحوا ينفقون من نفقاتهم الخاصة وأصبح لسان حالهم أنهم ليسوا كوزراء مصر لكي يسافروا للخارج ليعالجوا بملايين الجنيهات.
وفيما يتعلق بالانتهاكات العمالية يستنكر عويس أن تصل الحكومة لهذه الدرجة من اللامنطق وفقدان الأهلية في التعامل مع العمال المعاقين، مشيرًا إلى أن الانتهاك العمالي تجاوز المدى، فهناك ما يقرب من 300 عامل معاق لا توفر لهم الحكومة أو النقابات أي حقوق، بل وصل الأمر إلى أنها تعاملهم معاملة قاسية حيث ترسل لهم كل أول شهر رواتبهم وكأنها صدقها وليس حقًّا من حقوقهم في مخالفة واضحة لقانون العمل، مما ترتب عليه أن دفع بكثير من هؤلاء المعوقين للانتحار.
مصاعب الحياة
ويقول كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية إن من أبرز المشاكل التي يعاني منها عمال مصر هي مسألة الأجور المتدنية وطول ساعات العمل حيث تصل إلى 12 ساعة يوميًّا بدون تأمينات، بالإضافة إلى كثرة مشاكل القطاع الخاص والمستثمرين ورجال الأعمال، بجانب ارتفاع الأسعار وتدني الحياة المعيشية، وعدم وجود تنظيم قضائي، تدهور الرعاية الصحية نتيجة الخصخصة، والذي ترتب عليه انخفاض الميزانية المتوفرة للرعاية الصحية.
ويشير إلى أن المواثيق الدولية تلزم الحكومة بأن تتوافر الضمانات اللازمة والمراقبة الكافية للتأكد من توافر معايير السلامة والصحة المهنية، وأن المسئول الأول عن تلك المسئولية هي وزارة القوى العاملة، مؤكدًا أن تلك الوزارة هي أضعف ما يقع على عاتقها تحمل تلك المسئولية، ليس هذا فحسب بل إن العمال مشكلة كبرى فهم ليس لديهم نقابة حرة لتتحدث بلسانهم وتنادي بحقوقهم.
ويستند في سرده لمشاكل العمال إلى مسألة بالغة الخطورة وهي أن الاتحادات العمالية الحالية قائمة على التزوير وأغلب أعضائها من الحزب الحاكم، بل أكثرهم من رجال الأعمال مما ساهم بشكل كبير على إهدار حقوق العامل المصري، وأن الجزء الآخر منهم من الأمن لمنع العمال من المطالبة بحقوقهم.
ويلفت إلى دور منظمات المجتمع المدني في مساندة العمال في الحصول على حقوقهم وإيجاد حلول لمشاكلهم، مبينًا أن نواب جماعة الإخوان المسلمين وعدد من منظمات المجتمع المدني كانوا في مقدمة المشاركين في إرساء مبادئ قانون يكفل ضمان حقوق العمال.
حكومة ظالمة
العمال يستغيثون من الحكومة التي همشتهم وشردتهم
ومن جانبه ينتقد علي البدري رئيس اتحاد عمال مصر الحر غياب دور وزارة القوى العاملة والحكومة في التعامل مع أزمات العمال والمواطنين، ومن كم الانتهاكات التي يتعرض لها العمال يومًا بعد آخر من منع المرتبات وأخرى اعتداء بدني في المظاهرات وثالثة بالاعتقالات وكأن الحكومة أبت أن يحيا عمال مصر حياة كريمة وهادئة.

ويحذر البدري من إطلاق الحبل على الغارب للمستثمرين ورجال الأعمال في التحكم في عمال مصر، واصفًا ما يحدث من جانب أغلب المستثمرين مع عمال مصر الكادحين بأنه افتراء وظلم بين ناتج من تخلي الدولة والحكومة عن دورها الأساسي في الدفاع عن حقوق العاملين ضد المستثمرين الذين تجبروا في مصانع على أراضي مصرية.
وحول الحلول والمخرج لكم المشاكل التي يتعرض لها عمال مصر يذكر عبد الغفار شكر عضو المكتب السياسي لحزب التجمع أنه ينبغي تعديل قانون العمل الحالي لأنه غير عادل، ولا يتوافق مع اتفاقيات حقوقية خاصة بالعمال.
وأرجع كثرة الإضرابات والاعتصامات خلال الفترة الماضية إلى سياسة الحكومة السلبية التي تتعامل بها مع شريحة عريضة من المجتمع، قائلاً: "وكأن الحكومة الحالية غير ملزمة بحماية المصالح والحقوق العمالية".
وفي تعجب واستنكار تساءل شكر: إذا لم تقم الحكومة بالدفاع عن حق العامل في أجر مناسب؟ وضمان اجتماعي؟ وعلاج كافٍ؟ فمن إذن سيكون المسئول؟
وعن توقعاته لسيناريو الحقوق والمطالب العمالية خلال الفترة القادمة يرى شكر أن المصير القادم سيكون مظلمًا إذا لم تستجب الحكومة لمطالب العمال ولحقوقهم وبالأخص تنفيذ قرار المحكمة الإدارية بشأن تحديد الحد الأدنى للأجور بـ1200 جنيه.
ويرجع أساس مشاكل عمال مصر إلى ثلاثة عوامل أساسية أولها منع الحكومة لقيام أي نقابات مستقلة ووأد أي فكرة في هذا الإطار، أما العامل الثاني فيتمثل في سيطرة الأمن على النقابات القائمة ورضوخها لمصالح الحكومة ويتركز العامل الثالث في ارتفاع الأسعار وانخفاض الأجور في حالة من التفاوت الرهيب وغير العادل.
الاعتداء على العمال
![]() |
|
الدولة أطلقت يد قوات الأمن في التعامل مع قضايا العمال |
ويعرض أبرز المشاكل التي يواجهها عمال مصر، مبينًا أن الحق في العمل والذي يقابله الفصل أو النقل التعسفي نتيجة للمشاركة في الاحتجاجات من أكبر بل وأضخم المشاكل العمالية، قائلاً: "إن أكبر دليل على ظلم العمال الواقعة التي تعرض لها العامل ناجي رشاد الذي تم فصله تعسفيًّا من شركة المطاحن بسبب مطالبته بتحديد الحد الأدنى للأجور، والحق في توافر الأجر المناسب للعامل والذي يقابله الامتناع عن صرف الأجور والأرباح والحوافز سواء بالاعتداء الكلي عليها أو الاعتداء الجزئي".
ويتابع إن أقسام الشرطة تشهد العديد من البلاغات عن مخالفات المصانع والتي تنتهك حق معايير السلامة والصحة المهنية، مضيفًا أن انتهاكات وإصابات العمال كثيرة ولا حصر لها، وأن هناك عددًا كبيرًا من عمال شركة نيسان موتورز إيجيبت تعرضوا لحوادث أثناء عملهم مما نتج عنها عاهات مستديمة، بينما جاء موقف الشركة مناقضًا من تلك الواقعة حيث توجهت وأنهت عقد العامل المصاب حتى لا تتكفل بعلاجه أو صرف مبلغ تعويضي مناسب، في مظهر من مظاهر الظلم والتعدي على الحقوق لينطبق عليه المثل القائل "تأخذه لحم وتتركه عظم".
ويطالب بوضع قانون رادع لرجال الأعمال في حالة مخالفة القوانين التي تنص على هذه الحقوق، ورفعها من الغرامة التي لا تتجاوز ألف جنيه إلى الحبس سواء كانت خاصة بالاعتداء على الأجور أو السلامة المهنية، فضلاً عن العمل على تفعيل القوانين والتشريعات حتى لا تكون حبرًا على ورق، ولا يترك العمال بين طرقات المحاكم ومماطلة رجال الأعمال في تنفيذ الأحكام القضائية.
أمراض العمال
ويبين جمال عبد الله القيادي العمالي بمطاحن جنوب القاهرة أن العمال وبالأخص في قطاعات المطاحن يعانون من عدد كبير من المشاكل أبرزها ضعف الأجور في ظل غلاء المعيشة، بالإضافة إلى تعرض العمال لكم كبير من الأمراض التي تصيب العمال العاملين في المطاحن مثل الربو وأمراض الصدر نتيجة الغبار، بالإضافة إلى أن الشركات تراجعت عن أمر صرف وجبات مثل كوب لبن للوقاية من هذه الأمراض، واستبدلوها ببدل وجبة والذي لا يتعدى 90 جنيهًا شهريًّا.
وعن أحوال العمال في ظل غلاء المعيشة يسرد عبد الله أن هناك عددًا كبيرًا من العمال لا تتعدى مرتباتهم 500 جنيه وهو ما لا يكفي سد الاحتياجات الأساسية، مما يجعل العامل يلجأ إلى الاقتراض من البنوك والذي ينتهي به الأمر إلى السجن لعدم سداده القرض، مما جعل العمال يفضلون إحالتهم للمعاش المبكر عن الاستمرار في العمل في ظل هذه الظروف.
