تحقيق- شيماء جلال ويارا نجاتي:

دفعهم البحث عن لقمة العيش للعمل المتواصل، يخرجون من بيوتهم كل صباح ويعودون بعد رحلة مؤلمة في سبيل حياة تحفظ الكرامة.. هؤلاء لا ينتظرون راتبًا في نهاية الشهر أو علاوة كل عام، إنها مجموعة من الأيدي العاملة كل ما تبحث عنه رزق حلال ودخل يكفي قضاء احتياجاتهم الأساسية، لا يعيشون في قصور ولا يعالجون بالخارج على نفقة الدولة، فقط يحاربون في الحياة من أجل لقمة عيشهم.

 

لقاؤنا كان مع فئة تعمل داخل مجتمعنا المصري معروفة لدى الجميع في الشوارع والطرقات والمواصلات، أبت الحكومة أن تنظر إليها فسقطت من حساباتها، ويا ليت الحكومة وحدها بل الجميع من أحزاب وقوى سياسية مختلفة لم يفكروا يومًا في هؤلاء العمال حتى يوم عيدهم السنوي؛ لأن الجميع لم يفكروا في اعتبار هؤلاء عمالاً، فأصبحوا جميعًا في طي النسيان.

 

(إخوان أون لاين) ينقل الصورة لقرَّائه كما هي في الواقع، فإلى التفاصيل:

الحاجة" أم أحمد- 55 عامًا" اتخذت لها مكانًا بأحد أركان ميدان التحرير؛ حيث الشوارع المكتظة بالمواطنين لكي تبتاع بعضًا من السلع ما بين بعض الحلوى الصغيرة وأكياس المناديل، فهي واحدة ممن دفعهم القدر للعمل أكثر من 8 ساعات يوميًّا لتجد مصاريف علاجها وطعامها.

 

تروى لنا "أم أحمد" أن أولادها تزوجوا وتركوها بلا أي مساعدة، وأن زوجها كان يعمل "نقاش" فلا يتوافر لها معاش تُنفق منه لكي تسدد أجرة البيت التي تبلغ 300 جنيه، أو نفقات علاجها التي تتعدى الـ 200 جنيه شهريًّا، وأنها خرجت لتعمل من خلال بعض الأشياء البسيطة التي قد تساعدها على تسديد نفقاتها الشهرية.

 

وتضيف أنها تشعر بالحزن والأسى حينما تشعر أنها لا تجد رعاية أو اهتمامًا من جانب أي فرد حتى ولو كان مواطنًا يمر بجوار منها قائلة: إنها تشعر بفرحة كبيرة حينما تجد أي مواطن من المارة يطمئن على حالها أثناء مروره عليها كل يوم، وكأن كل أمنيتها في الحياة أن تجد رعايةً واهتمامًا ممن حولها.

 

غضب الكبار

وفي لهجة يملؤها الحزن والأسى والسخط حدَّثنا عم نجيب- 49 عامًا "عامل نظافة" عن ضيقه وسخطه قائلاً: "لحد إمتى هنفضل على الحال ده؟ " فعمله يبدأ من بعد صلاة الفجر وحتى منتصف اليوم ما بين المرور على البيوت والمنازل لجمع القمامة من جهة وتجميعها وفرزها من جهة أخرى.

 

"ربنا فاكرنا، والطيبين كتير" شعار يرفعه عم أحمد البالغ من العمر 60 عامًا في مواجهة قسوة الحياة، الذي أكد لنا أن أبواب الرزق كثيرةٌ، وأن الله هو الرازق، وأنه لا ييأس من قلة المال في يديه، وأنه إذا كان المسئولون قد نسوه من حساباتهم فإن الله لم ينساه.

 

عم أحمد يخرج من الصباح لكي يقابل تاجر الجملة يأخذ منه بعض علب البسكويت والشيكولاته والأقلام ليجلس بها بجوار محطة المترو، وفي أوقات كثيرة يظل طوال النهار لا يأكل أو يشرب، فهو كما قال لنا: "يخشى أن ينفق حصيلة عمله دون أن يرجع لابنته الصغرى منه دون الحلوى التي تحبها أو الاحتياجات المدرسية التي تطلبها".

 

السيدة عويس- 45 عامًا- لا يختلف حالها كثيرًا عن سابقيها، لديها ثلاثة من الأبناء أكبرهم بالمرحلة الثانوية وأصغرهم روضة بالمرحلة الابتدائية، وزوجها عامل فراشة يحمل كراسي الأفراح والمأتم، ولكن بعدما كبر سنه لم يتمكن من العمل؛ ما دفعها لتقف بسوق السيدة زينب بمجموعة أطباق بلاستيك تحاول من خلالها زيادة دخل البيت.

 

تحكي سيدة "أرى متاعب كثيرة في عملي بسبب "البلدية"؛ حيث تأخذ منا البضاعة ولا تردها إلينا إلا بعد دفع 100 جنيه".

 

وتستطرد: "حالنا صعب ومفيش حد سامعنا، لازم المسئولين ينظروا لينا ويحسنوا من أحوالنا بدل ما بيبهدلونا".

 

ويجسد فوزي عيد- 28 عامًا- بائع سجاد وموكيت، معاناة أخرى يعيشها طبقة كادحة من عمال مصر، فهو يأتي من المنوفية كل يوم ليبيع مجموعة من السجاد والموكيت الصغير، وقد يظل اليوم بأكمله لا يبيع قطعة واحدة، فضلاً عن أن مجموعة من عساكر الشرطة يطلبون منه ومن زملائه إتاوة 10 جنيهات لكي يتركوه يبيع ويعمل كما يريد.

 

يقول فوزي: "إنه لا يشعر بعيد عمال ولا حكومة ولا مسئولين، وأنه يرى كل يوم اعتصامات وإضرابات ويتأكد أنه لن ينظر أحد إليه أو يهتم بشأنه".

 

فادية محمد جاءت من كفر الشيخ قاصدةً القاهرة في رحلة سفر طويلة بحثًا عن لقمة عيش ورزق حلال، معها منتجات ألبان وبيض وفطير باحثة عن مكان وسط القاهرة تبيع فيه ما لديها.

 

وهي تخرج من بيتها في الرابعة فجرًا لتلحق بالقطار وتصل في 8 تقريبًا لتلحق بمكانها الذي اعتادت تضع بضاعتها فيه.

 

وعن معاناتهم تقول: إنها من أصحاب الحقوق المهضومة، فلا دخل ثابت ولا معاش ولا تأمين ولا أحد يسأل عن حالها، وتعبر عن حالها في جملة مختصرة قائلة "الجشع ملأ الدنيا، والكبير دلوقتي بياكل الصغير ومش عارفين القدر مخبي لينا ولأولادنا إيه".

 

على رصيف أحد شوارع القاهرة شاهدنا عم محمود حسين جالسًا بجواره كرتونة صغيرة بها كمية قليلة من الذرة، يشوي عددًا منها أملاً في بيعها، اقتربنا منه وتحدثنا معه فقال: "لا تسألوني عن عمري ولكني كل ما أتذكره أني من مواليد 53، ولدي 5 أولاد صبيان وثلاث بنات، أعيش أنا وزوجتي معهم في غرفة صغيرة لا تتعدى الثلاثة أمتار، وكنت غفير عمارة تحت الإنشاء منذ 15 سنة وبعدما كبرت لم يعد لدى دخل ثابت وبقيت بلا عمل، ومنذ 6 أيام اشتريت ذرة بـ20 جنيهًا وحتى اليوم لم تعطين البلدية الفرصة لكي أتمكن من بيعها.

 

ويضيف: لم أستطع تعليم بناتي، أما الصبيان فتعلموا حتى الصف الأول الإعدادي وبعدها ظلوا في البيت يحاولون البحث عن عمل ولكنهم لم يجدوا سوى أعمال مؤقتة، "فأسبوع يعملون وأسبوعين قاعدين بلا عمل".

 

مطاردات الشرطة

فتحي (بائع أحذية متجول) يبلغ 40 عامًا، لديه ثلاثة أطفال أصغرهم بالمرحلة الابتدائية، يسكن في حجرة صغيرة مستأجرة، "يبيع يومًا وعشرة لا".

 

يقول إن البيع يتوقف بشكل يومي عدة ساعات نتيجة لمجيئ شرطة البلدية، فإذا ما تمكنت من الاختباء منها وقتها يكتب لبضاعتي النجاة من تحت أيديهم، لكن إذا وجدوني أخذوا بضاعتي وقسموها فيما بينهم، وحينما يتوجه لدفع الغرامة لا يتمكن من استرداد سوى جزء ضئيل من البضاعة لا يقارب عشرها.

 

"الحكومة مضيعة حقوقنا، ولا تضعنا في اعتبارها، وعيد العمال لم ولن نشعر به، فهناك فارق بيننا وبين عمال القطاع العام، فهم يحصلون على مرتب كل آخر شهر، بل يزيد كل عام ويحصلون على مكافآت، وأما نحن فليس لنا أحد" بهذه الكلمات عبر حسن سيد (نحات باليومية) عن ضيقه من حال العمل في مصر.

 

ويضيف: يوم عمل وعشرات الأيام بلا عمل، في حين أن لديه ستة من الأولاد وجميعهم بالمراحل التعليمية المختلفة.

 

ويتمنى أن يربي أولاده كما رباه والده حتى حصل على الدبلوم عام 87، ويرى أن عمله له وجهان وجه جيد فأحيانًا يعمل ويكسب، ووجه سيئ للغاية فمرات كثيرة يظهر لا يجد عملاً لفترة طويلة.

 

وتروي دعاء 30 سنة مطلقة (تعمل بخدمة المنازل) حكاية أخرى أبت الحكومات أن تنظر وتستمع إليها، فهي تخرج للعمل لتنظيف المنازل ما يقرب من مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، وفي نهاية الشهر يكون مجمل ما تتربحه حوالي 500 جنيه تقريبًا بجانب أن لديها ولدين بمراحل التعليم.

 

ولا تعرف كيف تتمكن من دفع مصاريف المدارس والدروس الخصوصية بالإضافة إلى علاج والدتها المصابة بالضغط والسكر ووالدها المريض منذ سنوات طويلة.

 

تقول: عندما حصلت على الدبلوم لم أكن أتخيل أن انتهي إلى العمل في المنازل، رغم أن إخوتي يعملون موظفات بالمصالح الحكومية، وبالطبع يخجلون من عملي ولكني لا أجد غيره لكي أنفق على عائلتي ولا ألجأ لمد يدي للآخرين.

 

"عيد عمال إيه، وعمال مين، هو إمتى العيد ده وخطاب إيه وعلاوة إيه؟" بهذه الكلمات أجابنا "عم عاطف- ملمع الأحذية" حينما سألناه عن شعوره بيوم العمال، والمحزن أن عم عاطف لم يكن يدرك كم يبلغ من العمر قائلاً: "أنا بشتغل من وأنا صغير من أكتر من 40 أو 45 سنة".

 

وكان لسان حاله طوال حديثه معنا "الحمد لله، ربنا يكفينا، ويديمها نعمة" في إشارة إلى أن الرزق لن يتوقف عند مسئولي الوزارات والحكومات، وإن كان وزير التضامن والمالية أغلقا أذانهما عن تلك الفئة، فالرزاق لن يتركهم.

 

مسئولية الحكومة

 الصورة غير متاحة

 يسري بيومي

في تعليقه على هذه الحالات يقول النائب يسري بيومي عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين: إن ملفات تلك الفئة من العمال تم إغفالها وإسقاطها بأيدي الحكومة، والدولة هي المسئول الأول عن أوضاعهم المتدهورة.

 

ويشير إلى أن الحكومة ظلت تبحت عن العمل السياسي وأهملت قطاعًا عريضًا من العمال؛ ما تأثر معه الأمن الاجتماعي وفئة كبيرة من العمال، لاسيما أن ذلك يرجع بشكل أساسي للتزاوج ما بين السلطة والثروة.

 

ويؤكد أن الجميع ساهم في إهمالها وعدم البحث عن حقوقها، وأن المشكلة باتت تكمن في مصر أن علاج وحل مشاكل العمال لا يأتي إلا من خلال الاعتصامات والإضرابات والاحتجاجات في كل مكان, ويرى أن الحال الذي آل إليه عمال مصر هو بمثابة تطور طبيعي للكم الكبير من الحقوق المهدرة بل المخفية في أحيان كثيرة.

 

ودعا بيومي تلك الفئة مهدرة الحقوق من العمال إلى التظاهر والاعتصام بالميادين والشوارع والطرقات لكي يشعر النظام بهم ويسمع صوتهم الذي يحاول غض الطرف عنه قائلاً: "لكي يستيقظ النظام من غفوته لا بد من صوت عالٍ ينادي بالحق ولا يخاف لومة لائم".

 

محاولات فاشلة

وفي مواجهة من أحد أعضاء النقابات الفرعية لاتحاد العمال الحكومي يعترف إبراهيم حسن بتخاذل دور الحكومة في الدفاع عن حقوق العمال غير المنتظمة أو الموسمية ضمن حسابات المسئولين، مشيرًا إلى أنه عقد محاولات للوصول لحل مع تلك الفئة من العمال ولكنها لم تدخل حيز التنفيذ.

 

ويبرر ذلك الموقف المتخاذل بأنه نتيجة لتراخي تلك الفئة من العمال في المطالبة بحقوقها، واللجوء للهيئات الرسمية لرعاية مصالحها.

 

وحينما سألناه لماذا لم تتحرك الحكومة حتى الآن لإنقاذ تلك الفئة المنسية من عمال مصر؟ قال: إنهم ليس لديهم مميزات ومغريات يجلبون بها تلك الفئة لاتحادات العمال الرسمية؛ ما ترتب عليه أننا أهملنا تلك الفئة ولم نسع لإيجاد حلول لمشاكلها.