مدخل: المخاطر ظاهرة:

ربما كان انتشار العامية واتخاذها أداةً للتعبير الأدبي وإزاحة العربية الفصحى من طريقها من أخطر ما تعرَّض له اللسان العربي من أزماتٍ خلال تاريخه الطويل.

 

هذا مفتتح لا يصح أن يحمله أحدٌ على محمل المبالغة أو يمر به من بوابة المجاز ثم يهدأ ضميره ولا يستشعر حجم الجريمة التي تُرتكب في حقِّ الأمة التي ننتمي إليها.

 

وفي هذا السياق ودعمًا لهذه الرؤية نقرر مع واحدٍ من أهم الأصوات التي فحصت مخاطر القضية هذه، وهو صوت الدكتور: نفوسة زكريا في كتابها الرائد: تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها (الدار الأندلسية ط2 سنة 1964 ص أ)؛ حيث تقول: إن "اتخاذ العامية أداةً للتعبير الأدبي وإحلالها محل العربية الفصحى من أخطر الدعوات التي تعرَّض فيها التعبير العربي لأعنف أزمةٍ عرفها خلال تاريخه الطويل وتعرَّضت فيها الأمة العربية لأعنف انقلاب ثقافي بعد الإسلام".

 

ولعل أهم ما ينبغي أن يثير الانتباه نحو مخاطر انتشار العامية ارتباط أمر شيوعها والدعوة إلى استعمالها بالأجانب في حقبة الاحتلال الغربي الكافر للبلدان العربية، وتطور المسألة في اتجاه التقعيد للعاميات المعاصرة، وإنشاء نصوص أدبية مدونة بالعامية لخلق تراكم خادم للقضية.

 

وقد تولَّد من هذه الدعوة عدد من المخاطر الظاهرة يمكن إجمالها فيما يلي:

 

أولاً: السعي نحو تمزيق الأمة العربية وتفتيت وحدتها.

ثانيًا: القضاء على المحددات الثابتة التي طالما شكَّلت الوعي والوجدان العربي خلال التاريخ، حتى صحَّ أن نقول إن النفسية العربية التي تشكَّلت في حضن العربية الفصحى توشك أن تغيب إلى الأبد، ويظهر مكانها نفسيات مختلفة لا يجمع بينها خيط مشاعري واحد ولا ثقافة طالما وحَّدت جموعهم.

 

ثالثًا: ترسيخ الدعوة التي تتهم الفصحى بالصعوبة والإغلاق.

 

رابعًا: ترسيخ الدعوة التي تتهم الفصحى بعدم قدرتها على استيعاب علوم العصر.

 

خامسًا: الإعانة على انتشار السطحية الثقافية؛ لأن الدراسات النفسية اللغوية تقرَّر أن الفصحى من رسائل توطين الأفكار العميقة بطبيعة تراثها وتركيبها.

 

سادسًا: الإسهام في إضعاف الثقافة الإسلامية بعد فك الارتباط بين الفصحى التي يخطط لغيابها وإحلال العامية محلها وبين الإسلام.

 

وهذه المخاطر مجرد أصول كبرى على طريق تقدير حجم الأزمة الناجحة عن توطين العامية في الثقافة المعاصرة.

 

كلنا مسئولون

ومن الحق والإعانة والمسئولية أن نقرر أن كل مثقفي الأمة يتحمل جزءا مما تفرزه مشكلات انتشار العامية على الحياة العقلية والشعورية والفكرية للشعوب العربية بكل آثارها المدمرة.

 

وأهمية هذا الاعتراف بتوزع المسئولية الذي أدعو إلى شجاعة الإيمان به كامنةً في الاقتناع بضرورة اشتراك الجميع في تحمل آثار هذا الانتشار.

 

وأهمية هذا الاعتراف أيضًا سيعين على التفطن إلى عمليات مقاومة شيوع العامية وعلى التمسك بالعربية الفصحية.

 

إسهام المجلات الثقافية في التصدي للعامية والسطحية!

وإذا كان الاعتراف بتوزع المسئولية معينًا على مقاومة تغول العامية وما يتولد عنها من تسطيح للأفكار وانحسار لعددٍ من الأجناس الأدبية التي طالما غذَّتها الفصحى، ونهضت بها وارتقت بمقوماتها؛ فإن التركيز على فحص إسهام المجلات الثقافية الورقية والضوئية الإليكترونية معًا يعدُّ نوعًا من التجديد في سياق التصدي لآثار العامية والتسطيح الثقافي والفكري.

 

وانطلاقًا من أهمية ما للمجلات الثقافية من دور تاريخي في النهضة الأدبية والثقافية والفكرية في المحيط العربي، وهو الأمر الذي شهدت دراسات وتخصصات علمية دقيقة ناقشت مشكل العربية الفصحى وإغناء معجمها وتراكيبها؛ فإن الوقوف أمام تأمل ما يمكن أن ندعو إليه لتلتزم به في سياق التصدي لمخاطر شيوع العامية وما ينتج عنها من تسطيح فكري وثقافي مدمر للعقل العربي المعاصر وخالق لميوعة الوجدان العربي المعاصر أيضًا، وتقترح هذه الورقة في هذا السياق أن تتحرك المجلات الثقافية العربية في اتجاهين شكلي وموضوعي كما يلي:

 

أولاً: ملامح الأبعاد الشكلية التي يمكن للمجلات الثقافية العربية أن تلتزم بها سعيًا إلى مقاومة العامية السطحية:

 

1- وجوب تصحيح المادة الإعلامية المنشورة في كل التخصصات وإظهار ذلك، والتعليق في حواش المادة على ما ترى هيئة التصحيح بها أنه مخالف للصحة اللغوية معجميًّا وصرفيَّا ونحويًّا.

 

2- التوسع في ضبط النصوص المشكلة التي يصعب ولو بنسبة ضئيلة على جمهور القارئين ضبطًا كاملاً بنيةً وإعرابًا.

 

3- إعادة الاعتبار للخط العربي في العنوانات الرئيسية والجانبية وأسماء الأعلام التي تعلو المقالات والبحوث؛ نظرًا لعراقة الارتباط بين جماليات الخط العربي والعربية الفصحى في تاريخها الطويل.

 

4- استثمار بعض المساحات الفارغة التي قد تتولد بعد الإخراج الصحفي والفني للمجلات بملئها بعددٍ من المقولات والعبارات التي تُعلي من شأن استعجال الفصحى مثل:

استعمال العربية الفصحى من الديانة.

 

الفصحى هوية وجود.. إلخ.

ثانيًا: ملامح الأبعاد المضمونية والموضوعية التي يمكن للمجلات الثقافية العربية أن تحقق بها التصدي للعامية والسطحية:

 

1- الحرص الدائم على نشر ما يعيد بعث الوعي بعلاقة الفصحى بالدين والهوية والوجود والارتقاء الحضاري.

 

2- الحرص الدائم على فتح ملفات ثقافية بين الحين والآخر تفضح ممارسات الغزو والاحتلال ضد العربية الفصحى.

 

3- إشاعة أجواء تُجرِّم قانونيًّا وأخلاقيًّا الخروج عن قوانين الفصحى.

 

4- إعادة فحص إسهام الرواد من المثقفين المعاصرين العرب في خدمة العربية الفصحى من أمثال الرافعي ومحمود شاكر وعلي الطنطاوي والزيات ومالك بن بني وغيرهم.

 

5- العناية بأبواب جماليات اللغة، وهي كانت أبوابًا أصيلة في كثيرٍ من المجلات الثقافية العربية الرائدة التاريخية والمعاصرة من مثل:

 

ما كان يظهر في الرسالة لأحمد حسن الزيات والمجلة ليحيى حقي وما كان يكتبه عبد العزيز مصلوح في النذير وفاروق شوشة في مجلة العربي.. إلخ.

 

6- إعادة الاعتبار لنشر روائع من الأعمال الأدبية المعاصرة شعرًا وقصةً.. إلخ.

 

7- مداومة كشف تهافت ما تتهم الفصحى من اتهامات بلغة معاصرة ومعالجة مناسبة للعقل العربي المعاصر.

 

8- العناية باستكتاب المتخصصين في المجالات المختلفة لبيان ارتباط استعمال الفصحى في الارتقاء بهذه التخصصات.

 

9- العناية بعمل مراجعات للكتب التي تصدر في سياق العولمة والهيمنة الغربية في محاولات قتل اللغة الوطنية.

 

10- التواصي بصناعة قائمة سوداء لأعلام الدعوة إلى العامية تنظيرًا وتطبيقًا من أمثال: سلامة موسى ومحمد عثمان جلال ويعقوب صنوع وغيرهم.

 

إن تقدير خطر ما تمثله المجلات الثقافية العربية، وما يمكن أن تُسهم به في التصدي لآثار انتشار العامية، وأن تعين مع غيرها من وسائل التصدي على القضاء على اضطراب الوجود الإسلامي والعربي في هويته شكل وجوده.

 

ومن شأن هذه المقترحات عند الإلحاح عليها أن تُسهم في السعي نحو القضاء على التشويش الذهني والنفسي والوجداني والانفعال الناتج عن شيوع العاميات انطلاقات من الإيمان بأن الفصحى تُسهم تشكيل العقل تشكيلاً سليمًا.

 

ومن شأن هذه المقترحات أيضًا أن تقضي على حالة الاغتراب الاجتماعي والنفسي والتباين الطبقي الصارخ بين أبناء المجتمعات العربية المختلفة، وهو ما يمكن أن يقود في خاتمة المطاف إلى تفسُّخ الأمة العربية بسبب توزع الولاءات الذي تصنعه انتشار العاميات.

 

ومن الضروري أن نقرر أن تكون الملفات التي تفتحها هذه المجلات الثقافية نابعة من تقدير قيمة الأمة العربية والتحديات التي تواجهها، وأن تصدر فلسفة تحريرها عن إيمان عميق بمحددات الهوية والوجود العربيين.

 

صحيح أن ثمة أطياف مختلفة تظهر على طريقة المشهد الثقافي العربي على امتداده، لكن ذلك ومع قدرٍ من استشعار المسئولية ليس بمانع من الاتفاق على محددات ما يُسمَّى بالوجود العربي المؤمن بما للسان الفصيح من قيمة أساسية في ترقي المجتمع العربي والمؤمن بما أسهم به الإسلام من ترقي العقل العربي والمؤمن بما قدمه الرواد جميعًا على اختلاف كتاباتهم لارتقاء الفكر المعاصر والمؤمن كذلك بأن صيانة الهوية مسئولية الجميع.

 

إن طموحنا فيما يمكن أن تقوم به المجلات الثقافية العربية وما ينضم إليها من جهود أخرى في التصدي للعامية والسطحية خطوة على طريق الخلاص والحياة.

------------

* كلية الآداب جامعة المنوفية.