في تراث الإمام الشهيد حسن البنا اهتمام واضح بفقه التضحية؛ ولذلك نجده عندما خصَّ الإخوان المجاهدين الصادقين برسالة التعاليم، وحدد لهم أركان البيعة ألهمه الله تعالى الركن الخامس "التضحية" يقول: "وأريد بالتضحية بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية".
وكان إمامنا البنا أول المطبقين للركن, فعندما أراد الإخوان شراء دار لهم جديدة بالحلمية دعاهم الإمام البنا إلى الاكتتاب فكانت تضحيته بأكبر نسبة في الأسهم، بل تحمَّل على نفسه بباقي الثمن كدينٍ خاص عليه حتى سدده.
كذلك يروي أستاذنا الشيخ عبد البديع صقر أنه كان يسير يومًا مع الإمام البنا في سكة راتب باشا فمال على تاجر البطيخ وطلب واحدة وقال: كم تريد؟، قال: 15 قرشًا، فدفعها على الفور، فقلت له يا فضيلة الأستاذ هذا الرجل غشاش إنها بعشرة قروش فقط، فنظر إليَّ مبتسمًا، وقال: والدعوة أليس لها ثمن؟
وأما تضحيته بالوقت فكان ينفق ما لا يقل عن 16 ساعةً من العمل المتواصل للدعوة بعد استقالته من التدريس، ولا ينام من الليل إلا قليلاً.
وأما تضحيته بالنفس والحياة، فيرويها سكرتيره الخاص سعد الدين الوليلي يقول: إنه ليلة صدور قرار حل الجماعة ديسمبر 1948م داهمت قوات البوليس المركز العام للإخوان المسلمين وصادروا كل ما فيه, وألقوا القبض على جميع الإخوان حتى امتلأت السيارات وانتظر الإمام دوره إلا أن أحدًا لم يسأله, فرأيته يتشبث بالسيارة ويحاول اعتلاءها ويصيح لا تأخذوا هؤلاء فأنا أولى منهم بالاعتقال، ولم يسمع له أحد، وتركوه وحيدًا ليضحي بنفسه الغالية ليلقى شهادته على أيدي الملك والحكومة والإنجليز، وينعم بالموتة الكريمة ويصدق قوله: "يكذب مَن يدعي التضحية بالنفس وهو شحيح بالمال؛ لأن النفس أغلى من المال".