﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 128) قالها موسى عليه السلام لقومه حينما اشتدَّ بهم بطش فرعون وتوعَّدهم بالعذاب الأليم وصلَّبهم على جذوع النخل ونكَّل بهم، ولكن الفئة المؤمنة تعلم تمامًا طبيعة هذه الدعوة وسنن الله تعالى في أرضه.

 

5 يونيو 1967م و1 يونيو 2010م.. تاريخان متشابهان ومتقاربان، فكلاهما علامة انتكاسة وسقوط واستهتار قادة، واستبداد قيادة، وإن كانت الأولى انتكاسةً عسكريةً اغتصبت سيناء بكاملها فإن الثانية انتكاسةٌ أخلاقيةٌ وقانونيةٌ وشرعيةٌ اغتُصبت فيها القيم والأخلاق والقانون والدستور والشرعية بأيدٍ تمرَّست على البلطجة والابتزاز والسلب والنهب بلا خشية أو خوف من الله تعالى أو ضمير أو حتى من الناس.

 

إن ما حدث يوم الثلاثاء الأول من يونيو الجاري لَسقطةٌ أخلاقيةٌ متكررةٌ ولَجريمةٌ نُكراء، بكل ما تحمله معنى الكلمة، وتقع هذه الجريمة تحت طائلة القانون، ويعاقب فاعلها والمشارك فيها والمتستِّر عليها بمواد قانون العقوبات في الدستور، فضلاً عن القانون الإلهي العادل الذي يحرِّم ويجرِّم قول الزور وشهادة الزور، والساكت عنها شيطان أخرس، مهما كان جرم الحدث وخسته ورعونته وفظاعته، ومهما كان صلف المزورين المزيفين الذين أدمنوا واعتادوا تزوير وتزييف إرادة الأمة وقرار الشعب، ومهما كانت وسائلهم الخبيثة وآلياتهم الغير أخلاقية وأذرعتهم الممدودة الباطشة التي اعتادت وتمرَّست على البطش والتنكيل والتقفيل والتدليس والغش وطمس الحقائق وتغيير الواقع، وإشاعة روح الفوضى وبثّ الخوف، وزرع اليأس في قلوب المواطنين.

 

فإن هذا كلَّه لن يحرِّك شعرةً أو يطرف جفنًا لأصحاب الدعوات، ولن يغيِّر شيئًا في منهجهم وثقتهم بالله تعالى، وإن الأمر كله بيد الله تعالى، وبحوله وبقوته، وإن هؤلاء المزورين ما هم إلا كزبد البحر أو غثاء السيل أو إن شئت كأعواد قش يابسة أو كخيال "مآتة" تعبث به الريح وتتقاذفه التيارات الهوائية، فيبثُّ الرعب في قلوب من لا يعقلون ولا يعلمون طبيعته وقدراته، وأنه لا حول له ولا قوة، ولعل الكثير من المراقبين والمحلِّلين والسياسين المهتمين بأمر مصرنا الحبيبة ومحنتها التي تعيشها من زهاء خمسة عقود؛ غلب عليها البطش والقهر والذل والفقر والاستبداد والفساد، ولعل البعض يظن أو يوقن للأسف الشديد أنه لا فائدة ولا بارقة أمل، وهذه الطغمة الفاسدة تحكم وتتحكَّم وتسيطر على مقدَّرات الوطن.

 

ولكن لا بد أن نوضح ونجلِّي الأمور لهؤلاء المخلصين على كافة اتجاهاتهم وأطيافهم وانتماءاتهم الوطنية والحزبية؛ حتى يستطيعوا أن يزنوا الأمور بميزانها الحقيقي، وأن نضعها في نصابها بلا شطط أو غلوٍّ.

 

أولاً: نحن أصحاب منهج واضح وعقيدة ناصعة، ويحكمنا هذا المنهج في أقوالنا وأفعالنا وتصوراتنا للحاضر والمستقبل، فمهما انتفش الباطل وانتفخ فهو إلى زوال واندحار.. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55) ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد: من الآية 17).

 

ثانيًا: إن احتلال هذا الحزب لمصر واستيلاءه على السلطة وتفرُّده بها لعقود طويلة وأن كان الحكم في ذاته مغرمًا وليس مغنمًا فليس هذا بباعث على فقد الأمل أو اليأس والقنوط؛ فقد سبق لمصر أن عانت ويلات الاستعمار بكل أشكاله وألوانه قرونًا طويلةً؛ ابتداءً من الإسكندر الأكبر، ثم البطالمة، ثم الرومان، ثم الاحتلال الفرنسي، ثم الإنجليزي، ثم أخيرًا احتلال الحزب الوطني منذ ثلاثة عقود؛ أذاق الشعب فيها كل ألوان الذل والفقر والقهر والهوان ونبذ فيها كل القيم والأخلاق النبيلة والقيم الرفيعة، وعانى الشعب- وما زال يعاني- الاستبداد بكل أشكاله وسلب أموال الشعب من البنوك وسحله وقتله وتصفيته إن لم يكن في العبَّارات ففي نزيف الإسفلت الدامي المروِّع أو ضحية للكيماويات والأسمدة المسرطنة والفشل الكلوي والكبدي والقائمة طويلة.

 

ثالثًا: إن هذه الأشكال المختلفة والنماذج المتلاحقة من الاحتلال- بكل صوره- كانت تواجه بكل شراسة وصرامة وغلظة من كل فئات الشعب وطوائفه بلا خوف أو وجل، وهذا سر قوة وبقاء الأمم.

 

رابعًا: إن الصراع والنزال والمقارعة بين الحق والباطل من سنن الله تعالى في كونه ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40) فإذا كان للباطل جولة فإن للحق جولات، والباطل كالدخان الكثيف الذي ينتعش وينتفش ويملأ المكان ويصل إلى عنان السماء، ثم لحظات ويندحر ولا تجده ويصبح أثرًا بعد عين، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، الذي لاقى من قومه أشدَّ ما يلاقى نبيٌّ من قومه من أذى وجفاء وعداء ومقاطعة وحروب ولكن ثقته في الله وفي وعده ليس لها حدٌّ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "والله ليتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يمشي الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه".

 

فلنصبر ولنحتسب، ولنا جولاتٌ قريبةٌ قادمةٌ فلنتترَّس بقوة الله وحوله وقهره لخلقه، كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وليس بكثرتنا أو بقوتنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.