- "العودة".. تشريح لسلبيات السياسة والتعليم والفنون

- "حلم الفستان الأبيض".. المجتمع على وشك الانفجار

- "الكهف".. مسرح دخيل لا ينتمي للواقع المصري

- "الحيلة".. كشفتها محاولات التمصير وركاكة الأداء

 

كتب- محمد عبد الحليم:

يمكن القول بأن ملتقى مسرح الشباب الأول محاولةٌ لتأكيد أن هناك مسرحًا بديلاً للمسرح التجاري السائد في مصر أو للمسرح الرسمي الذي تنتجه الدولة على مسارحها، والتي تتمُّ إدارتها بفلسفة القطاع العام.

 

وعبْر العديد من عروض الفرق الشابَّة التي لا تمتلك الإمكانيات الإنتاجية الضخمة أو حتى المتوسطة والمحدودة، استطاع شباب المسرح الحر أن يحوِّلوا العديد من النصوص إلى عروض مصرية التشكيل؛ بما يتناسب مع الواقع المصري.

 

فعلى خشبة مسرح "الطليعة" تمَّ تقديم مسرحية "العودة" عن شخصية "كاسبر" التي تعدُّ من أدبيات الشعب الألماني، وتحكي عن شاب عمره 16 سنة يظهر في أحد ميادين العاصمة الألمانية بعد أن ظل حبيسًا لمدة 12 سنة في حجرة صغيرة لا يعرف شيئًا عن العالم الخارجي، وبخروجه إلى هذا العالم يحاول التعرُّف عليه ويصطدم به، ولكن يرفضه هذا العالم ويُموت على يد أحد المواطنين، وقد تناول هذه الشخصية العديد من المخرجين المسرحيين على مستوى العالم، فكانت الفكرة الأساسية لهذه التناولات هي براءة الإنسان حين ولادته وتحوُّله على مدار الأيام إلى ترس في آلة المجتمع.

 

مسجون منذ الولادة

مخرج هذا العرض، السعيد قابيل، حاول الخروج من هذا التناول المعتاد لهذه الشخصية، وأعطاها صبغةً مصريةً خالصةً، فمنذ بداية دخول القاعة نجد فريق التمثيل كله يرتدي زيًّا موحدًا، ويحمل كل واحد منهم مصباحًا، وتمَّ إغلاق إضاءة الصالة، وبالتالي أصبح الممثلون هم من يوجِّه المتفرجين إلى أماكن جلوسهم، وهو ما يحدث للمصريين جميعًا من توجيه للأفكار، ثم يدخل بطل العرض وهو في حالة مذرية فيتجمع نحوه الممثلون، ويدخل في دائرة يصنعونها بالعصيِّ دلالةً على السجن الذي يعيش الناس فيه منذ ولادتهم.

 

ويبدأ المخرج في استعراض ما يمرُّ به الإنسان من مراحل في النموِّ وما يلاقيه من كبت وتهميش، وعند الظهور الأول للبطل يلقي على مسامعنا أول جملة يقولها بعد سجنه الطويل: "إني أودُّ أن أكون فارسًا مثلما كان أبي"، فكل منا عندما وُلد كانت له أحلام يريد أن يحققها ويستلهم أحلامه من سابقيه ليكون عظيمًا مثلهم.

 

وأولى المشكلات التي ناقشها العرض هي التعليم؛ فيقوم المعلمون بتدريس الجملة للطفل وأقسام الجملة (فعلية وإسمية)، والألوان، وكيف أن الألوان عندما تختلط تعطى ألوانًا أخرى، وبعد أن يحفظ البطل كل شيء عن الجملة والألوان يتساءل: ما الحرف؟ وما اللون؟ فالتعليم في مصر لا يهتم بالتأسيس أو الفهم، ولكن يهتم بالحفظ وهو ما ينتج قوالب بشرية لا تقوى على الإنتاج والإبداع.

 

وتأتي المشكلة السياسية في المرتبة الثانية؛ فالتعريفات السياسية المغلوطة التي يبثُّها لنا الإعلام ليل نهار قد ملأتنا جميعًا بالتشويش؛ فالإعلام ينادي بأن الدولة ليست عصابةً وأن الحرب ليس لها جدوى، فيظل الإنسان أسيرًا للأفكار التي تبثُّ له، كما أشار إلى الأحداث الجسام التي مرَّت على العالم منذ بدايات القرن العشرين، بدايةً بالحربين العالميتين وحادث القنبلة النووية في هيروشيما وناجازاكي وهزيمة 1967م، وحرب أكتوبر، واتفاقية كامب ديفيد، وحادث 11 سبتمبر، واحتلال العراق، والحرب على غزة، وعرض لبعض الزعماء الذين أثَّروا في العالم، كهتلر، وغاندي، وجمال عبد الناصر، وأنور السادات، ومشهد ساخر لبوش الابن.

 

كما أن الفن قد نال اهتمام المخرج، وأظهر ما قدمه الفن الفاسد من أفكار ملوثة، من خلال أفلام ومسرحيات ومسلسلات قد أفسدت عقول الناس وجعلتهم في حالة من الكذب الدائم على الذات بتسطيح القضايا الكبرى وجعلها من التفاهات، ولم ينسَ المخرج دور المنزل في تكوين الإنسان المقهور الذي يحاول أن يصنعه أبواه كيفما شاءا دون النظر إلى متطلباته الشخصية؛ فعندما يتم تلقين الطفل ما يفعل لا يجد تفسيرات منطقية من قبل والديه لما يفعل، وعندما يقوم بأداء ما يأمره به الوالدان فهو يلقى العقاب عندما يفشل ويلقى الثناء عندما يؤدي ما يؤمر به دون نقاش أو مجادلة وفي هذا السياق قد ألمح المخرج إلى ما يقدَّم لأطفالنا من أفلام كرتونية وأغانٍ للأطفال ساذجة لا تنمِّي عقلية الطفل.

 

ويظهر البطل عند تخرجه من الجامعة فارغَ العقل، لا يستطيع عمل شيء سوى ملء الفراغ بالكلام وفقط؛ فهو خاوي الفكر، وهذا هو حال النسبة الكبرى من خرِّيجي الجامعات المصرية، وعندما يقرِّر الزواج فإنه يصطدم بضغط الظروف المادية التي تبعده عن حلم الزواج والاستقرار ويأتي المشهد الأخير فيتجمع كل الممثلين (الضغوط المحيطة) فيقتلون البطل، ولكن بعد مشهد القتل نجد أن كلاًّ منهم يندم على فعلته، فالبطل يمثل البراءة التي تسكن كلاًّ منا ويقتلها بيده عندما يستسلم للظروف المحيطة له، ثم يندم بعد ذلك على ضياع هذه البراءة من حياته.

 

تكون الديكور من ستائر متداخلة من القماش بلونين هما الأبيض والأسود، وهما لونا تضاد يوضحان الاختلاف بين البراءة والحقد، وفي منتصف المسرح شاشة كبيرة يتمُّ العرض عليها من خلال البروجكتور المشاهد والشخصيات التي يريد أن يدخلها المخرج إلى الحالة المسرحية فقد عرض الأحداث والشخصيات وبعض مشاهد من الأفلام التي شكَّلت وعي الناس؛ إما بالسلب أو بالإيجاب، أما عن الموسيقى فقد كان إعدادًا موسيقيًّا وتجميعًا لبيع الأغاني القديمة وأغنيات للأطفال، ولكن لا أدري لماذا كانت أغنية النهاية أجنبية؛ فهي غريبة جدًّا وبعيدة عن عناصر العرض الأخرى!.

 

وفي الندوة التي انعقدت بعد العرض مباشرةً تحدث الناقد أحمد الخميسي، مؤكدًا أن العرض أظهر ما يعانيه المصري من إهانات وكبت من الحكومة، من خلال وضعه في دائرة لا تنتهي للبحث عن لقمة العيش، وأوضح  د. مصطفى سليم أستاذ النقد بالمعهد العالي للفنون المسرحية أن العرض بعيدٌ عن النص الأصلي، وأن المخرج قد ذكر أنه أخذ الفكرة من كاسبر للأمانة الفنية لكنه وضع النص في قالب يمس المجتمع المصري.

 

وأضاف أن العرض يحمل الكثير من المعاني؛ فهناك الصراع الذي ينشأ بين الفطرة والحداثة والإنسان الذي يتعامل بفطرته مع المجتمع الحديث؛ فالإنسان يولد دون أحقاد أو ضغائن، والمجتمع هو من يشكِّل وجدان الإنسان، كما أن العرض اجتهد في تصوير أشكال الضغط التي تجعل الإنسان في حالة توتر دائم.

 

الفستان الأبيض

 الصورة غير متاحة

 ديكور مسرحية الفستان الأبيض

في ثالث أيام اللقاء الأول لمسرح الشباب "نحو مسرح فقير" قدَّمت فرقة حال المسرحية مسرحية (عروسة) من إخراج محمد عبد الفتاح؛ الذي يعتمد في عرضه على مسرح الشارع، وهو مسرح غير معروف كثيرًا للمهتمين بالمسرح؛ فهو يعتمد على الأحداث التي من الممكن أن تؤدَّى في الشارع، كالمقهى أو الحقل أو سرادق العزاء أو شادر الفرح، وهذا النوع من المسرح يعتمد في الأساس على فكرة السرد للأحداث من خلال الشخصيات، وأن تحكي كل شخصية تجربتها في الحياة، ومن أفضل أنواع هذا المسرح النوع الناتج من الحكي لتجارب شخصية حقيقية للممثلين قد مرُّوا بها أو شاهدوها، ويتم وضع هذه الحكايات في بوتقة واحدة لتنتج نصًّا من الممكن أن يقدم، ويرجع هذا النجاح إلى كون الحكايات تمس الواقع الحقيقي المعيش الذي يعيش فيه الناس ويمس مشكلاتهم الحياتية.

 

وفي عرض فرقة حالة قدم المخرج 5 من البنات يلتقون في شادر فرح لإحدى صديقاتهن، وكل منهن تلبس الفستان الأبيض؛ فيبدأْنَ في الحكي؛ كلٌّ عن تجربتها الشخصية، فالأولى قد فاتها قطار الزواج، وأصبح سنها 65 سنة، وهي تقول: إن الله أبدلها بالشعر الأبيض بدلاً من الطرحة، وهي تحلم بأن يكون لها أحفاد تلاعبهم وتعطي لهم الحب؛ فهي الآن تعيش وحيدةً هي والجهاز الذي ظلت والدتها تجمع فيه منذ صغرها، وأصبح الآن بدون جدوى؛ فقد كانت أمها تغالي في الطلبات لكل من يتقدَّم للزواج منها.

 

أما الثانية فهي متزوجة ولديها أبناء، ولكنها تحلم بعودة الزمن إلى الوراء؛ فقد أساءت الاختيار، واعتمدت على الكلام المعسول لأحد الشباب، فضغطت على أبويها ليوافقوا على زواجها من هذا الشاب، رغم رفض والديها له؛ فهي الآن تندم على عصيانها لما نصحه بها أبواها.

 

وكما تحدثْن عن أحلام كل البنات بحلم الفستان الأبيض منذ الصغر، ونظرة المجتمع للبنت التي لم تتزوج عندما تصل إلى سنِّ الزواج، رغم أن هذه النظرة سببها المجتمع الذي يفرض هذه النظرة؛ فالمغالاة في المهور والوضع الاقتصادي سببٌ رئيسيٌّ في ظاهرة العنوسة، واختتموا المسرحية بانتظار الجميع لقطار الزواج على محطة القسمة والنصيب.

 

وفي الندوة التي انعقدت بعد العرض أشار الناقد المسرحي خالد رسلان بالعروض التي تعتمد على الحكي؛ لكونها تغوص في الخصوصية المصرية؛ فالسرد والحكي جزءٌ من التراث العربي وورشة الحكي التي يقيمها المخرج مع ممثليه تعمل على البوح بالمسائل الشخصية.

 

وأضاف د. محمد زعيمة أستاذ النقد بأكاديمية الفنون أن الحكي دائمًا ما يكون باستدعاء الماضي ونقد المجتمع في طريقة التربية والتفكير، وألمح إلى أنه عندما يفوت قطار الزواج يتحول الحلم إلى كابوس ومأساة بشبح العنوسة، ولكنه أوضح أن النص ليس مكانه العرض على المسرح التقليدي، لكن يفضل أن يكون في مسرح الشارع أو يتم إقامة شادر فرح للوصول إلى المصداقية، كما عاب على الممثلات عدم الحركة والجلوس طوال المسرحية على الكراسي، فالصورة ثابتة طوال الوقت وهو ما يتنافى مع الشكل السردي الذي يقبل الحركة أثناء السرد.

 

بعيدًا عن الواقع

"إنه عرضٌ بعيدٌ كلَّ البعد عن الواقع المصري" هكذا وصف د. مصطفى سليم أستاذ النقد والدراما بالمعهد العالي للفنون المسرحية العرض المسرحي "الكهف"؛ والذي قدمه المخرج السعيد منسي في اليوم الرابع من أيام اللقاء الأول لمسرح الشباب "نحو مسرح فقير"، وهو من تأليف الكاتب الشيوعي وليم سارويان، وهذا الكاتب مؤمن بالأفكار الوجودية التي لا تنتمي للمجتمع المصري، وقد حاول المخرج أن يقترب من فكر الكاتب دون النظر إلى ما سوف يقدمه العرض للمجتمع المصري من حلول.

 

وأضاف الناقد المسرحي محمد مسعد أن العرض غامضٌ لاعتماده على أحد النصوص التي تحوي أفكارًا فلسفية تنتمي للفكر الوجودي.

 

وفي رؤية نقدية أشار الناقد المسرحي أحمد خميس إلى أن إيقاع العرض كان بطيئًا؛ ما أصاب المتفرج بالملل، كما أن العرض تقليديٌّ لم يأتِ بجديد على مستوى الإخراج أو الإعداد للنص؛ الذي من الممكن أن يتم إعداد النص بما يتوافق ومتطلبات المجتمع المصري وطرحه للمشكلات، خاصةً أن هذا النص كُتب في ظروف مشابهة لما نعيشه الآن، فقد كتب في الفترة ما بين الحربين العالميتين، والتي ساد فيها الركود الاقتصادي وارتفاع نسب الانتحار.

 

والعرض يحكي عن قصة مسرح قديم متهدم، يسكنه مهرِّج كبر في السن، ولم يعد يستطيع العمل، فيمتهن التسول، وممثلة على وشك الموت من المرض، فتنزوي في هذا المكان، وملاكم لم يقدر على هزيمة خصمه، وفتاة خائفة من المجتمع المحيط بها، وكلٌّ منهم يرى في أحلامه ما يخاف منه، ويحاول التغلب عليه، فيتخيلون أن المسرح قد أنجب لهم طفلاً- كنايةً عن الأمل- وتسعى كل شخصية في الحفاظ على هذا الطفل ورعايته، وعندما يأتي رئيس اللجنة المشرفة على هدم المسرح فإنهم يخبرونه أنهم خارجون إلى العالم بعد نجاحهم في قتل الخوف داخلهم، وربما أراد المخرج أن تصلنا رسالة النص، وهي أنه مهما كانت الحياة مقبلةً على الانتهاء؛ فدائمًا هناك أمل يتولَّد من خلال العمل الجاد.

 

سقوط الحيلة من حسابات النقاد

قدَّم المخرج أحمد عبد المنعم عرض الحيلة على مسرح العرائس؛ الذي اعتمد فيه على نص يحمل نفس الاسم من تأليف الكاتب الأوغندي إريزا كاوندا، وهو من الأدب الإفريقي الذي يمتاز بغرقه في المحلية، واعتماده على العظة التي يتعلمها المتفرج من خلال مشاهدته للعرض وهو يناقش مشكلات اجتماعية خاصة لها طابعها المميز.

 

والنص يتحدث عن شيخ كبير متزوج من فتاة صغيرة في السن يقوم بعمل حيلة أنه مات لكي يكتشف ماذا تفعل عندما تعرف بموته، ومن خلال حوارها مع الشخصية التي تستدعيها من القرية لكي يخبر أهله في القرية المجاورة يعرف الشيخ حقيقتها فيكشف الحيلة ويقوم بطردها من المنزل.

 

حاول الممثلون إقحام الكوميديا لإطالة مساحة الدور ولأن هذا النص لا ينتمي إلى عالمنا أو مجتمعنا فكان العرض مليئًا بالمتناقضات، فكان الديكور ينتمي إلى الطراز الإفريقي، بينما كانت الملابس والموسيقى تنتمي للمجتمع الشرقي، أما الأسماء فكانت للشخصيات الإفريقية فعندما حاول المعد تحويل النص إلى الحالة المصرية فإنه لم ينظر إلى داخل النص جيدًا هل عندما يتم تجسيد هذا النص من الممكن أن يحول إلى الحالة المصرية رغم خصوصيته الإفريقية؟

 

وفي الندوة التي أعقبت العرض قال الناقد محمود الحلواني إن العرض كان صادمًا؛ فهو لم يحقِّق شروط الفرجة المسرحية؛ فهو أشبه بعروض السيت كوم؛ فالنص بُني على طرفة، فخلا من الدراما، وافتقد الكوميديا، رغم محاولة صناعة كوميديا وافتقد أيضًا إلى العنصر التمثيلي؛ فالممثلون لا يؤدون، بل يحفظون، ولم يكن للنص قيمة حتى يطرح في الوقت الحالي.

 

وأضاف د. أيمن الخشاب أن الشخصيات كانت مرتبكةً، فالممثلون بعيدون عن فهم النص، ففقدوا مصداقية الأداء، كما أن العرض يفقد الهدف وعرض مشكلة ما، وتساءل: ما المشكلة التي يريد أن يقدمها العرض؟!