س. م- مصر:
السلام عليكم.. أنا شاب في الثالثة والثلاثين من عمري، أعمل محاسبًا بإحدى الدول العربية، وعندما كنت في الإجازة الماضية بحثت عن شريكة العمر وأصرَّ أبي على فتاة بعينها، وعندما خفت على تدهور صحة والدي تقدَّمت لخطبتها، وتمَّ عقد القران على أن يتمَّ الزفاف بعد عام، ولكني لا أجد فيها ما أتمناه كرجل ونحن في عصر كثرت فيه الفتن، وكثيرًا ما أرى نساءً جميلات، فقررت أن أحاول العقد على أخرى بنفس الدولة التي أعمل فيها، ولكن أخشى مصارحة خطيبتي وأهلها بذلك، وإن تركت خطيبتي ستأخذ مبلغًا ماليًّا "نصف المهر"، وهو حقها الشرعي؛ ما سيسبب لي حرجًا ماليًّا بالغًا، وكذلك أخشى على والدي من الصدمة، فماذا أفعل؟
تجيب عنها الدكتورة هند عبد الله الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين):
أخي الفاضل...
أولاًَ: هل حاولت البحث عن مميزات الفتاة التي عقدت عليها قبل أن تقرر رفضها تمامًا إلى ذلك الحد؟.. هل هي على خلق ودين؟
واسمع قوله صلى الله عليه وسلم- أتشك أن كلامه صدق وحق؟- قال: "فاظفر بذات الدين تربت يداك".. أو ليست كلمة فاظفر توحي إليك بأن ذات الدين- وليست ذات الجمال أو المال أو الحسب والنسب- فقط ذات الدين هي جائزة أو هدية بالفوز مَنْ فاز بها؟
هل هي حنون؟ هل هي طيبة الطباع هادئة مريحة في التعامل؟ هل هي قنوعة مرنة ودودة عطوفة متفاهمة؟
أخشى أن بحثك عن جمال الوجه قد يعميك عن البحث عن الصفات التي يعيش بها الرجل مع زوجته، وهي الصفات التي تعمِّر بيتًا.
أما إن كنت لا تقبل شكل فتاتك فعلاً، ولا تطيقها، أو أنك حاولت البحث عن نقاط مضيئة فيها فلم تجد؛ فلن يلومك أحد إلا على الارتباط بها منذ البداية وأنت ترفضها.
ثانيًا: أراك تركِّز جدًّا جدًّا على مسألة الجمال دون المسائل الأخرى.. وأنت لذلك تترك لبصرك العنان وتتفرس في وجوه النساء بحثًا عن الجمال؛ وهذا محرم شرعًا، ولا يجر سوى تعب القلب؛ لأنك لن تنال أبدًا ما تريد فأنت لن تستطيع أبدًا الزواج بكل من تعجبك وبكل من تقع عليها عينيك، وربما تتفرس صور النساء في التليفزيون؛ بحثًا عن الجمال وهذا أيضًا محرم شرعًا.
* والمهم الذي قد تجهله أن تطورات العصر قد جعلت اكتساب الجمال الصناعي المبهر شيءٌ عاديٌّ جدًّا، فهذه مراكز التجميل لإطالة الشعر القصير وإكسابه نعومة صناعية، وتلك مراكز طبية لحقن الوجه والجسد بالمستحضرات التي تغير شكله تمامًا، وهذه عدسات ملونة تغيِّر شكل العين، وتلك مستحضرات تجميلية تغيِّر لون البشرة وتلون الوجه والشعر وتصنفر البشرة، وهناك ملابس تبرز الجمال المفقود وكاميرات خاصة وأساطيل تجميل ووسائل خداع تحول الممثلات والمغنيات إلى حسناوات مبهرات.. و.. و.. وينخدع الشباب أمثالك بكل هذا الزيف، ويركضون بحثًا عن قمة الجمال.
* وهنا لدي اقتراح: لم لا تجرب أن تقترح على الفتاة أن تذهب إلى إحدى مراكز التجميل (الشرعي)؟ فربما يعجبك ما سيحدث من تغيير.
ثالثًا: تذكر دائمًا أن الجمال تمله العين بعد فترة، ويصبح معتادًا، ولقد رأيت رجالاً يملون زوجاتهم الجميلات، ويبحثون عن أخريات؛ لأن هدفهم الأول كان هو دائمًا الجمال.
(والحجة معروفة: أريد أن أبحث عمن تعينني على غض بصري في هذا الزمن الصعب... زمن الفتن).
* وتذكر أن الجمال تذهب به السنون، ولقد رأيت أزواجًا يهملون زوجاتهم الجميلات، ويسيئون إليهن عند الكبر.
* وتذكر أن الجمال قد يصيب صاحبته بالغرور فتتكبر عليك وتسيء إليك وتتدلل وتتعبك.
* وتذكر أن جمال المظهر ليس شرطًا أن يصحبه جمال الروح أو الخلق.
* وتذكر أن ربك عادل لا يعطي واحدة كل شيء ويحرم الأخرى من كل شيء؛ فلتسأل نفسك بذكاء: تُرى من رزقت جمالاً فتانًا- يعينك على غض بصرك في هذا الزمن الصعب- ماذا تفتقد في مقابله؟ وذات الجمال الأقل تُرى ماذا أعطاها ربها عوضًا عنه؟
رابعًا: في رأيي أن مسألة تعدد الزوجات هي شيء رائع أباحه الله تعالي؛ لأن فيه الحل لكثير من المشكلات المدمرة للمجتمع، مثل عدم قدرة الزوجة على الإنجاب أو عدم قدرتها على تلبية احتياجات زوجها الفطرية أو إصابة الزوجة بمرض صعب أو حدوث مشاكل تهدد الزوجة بتخلي الزوج عنها؛ فهل يتركها الزوج لوحدتها؟
كلا بل يبقي عليها ويتزوج بأخرى تريحه، وربما يزيد عدد الإناث عن الذكور بسبب الحروب مثلاً؛ فهل تُترك الفتيات بلا زواج؟ كلا، فلتتعدد الزوجات.
أما أن تفكر أن تتزوج زوجتين في وقت واحد، فهذا لم أسمعه من قبل، ولا أعتقد أن أي إنسان- يؤمن أن النساء لسن سلعًا ولا مجرد متاع، بل هن شقائق الرجال كما عبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم- يمكن أن يقبله.
* أما عن مشكلتك، فأمامك اختياران وضرران:
1- الاختيار الأول هو أن تترك الفتاة الآن إن كنت فعلاً لا تطيقها، فلا تتزوجها أبدًا شفقة ولا رأفة بأبيك، فلا يمكن أن تتلاعب بمستقبل فتاة تحت أي مسمى، والزواج- في حالتك- ليس عملاً خيريًّا نشفق فيه على المساكين، بل يقع عليك أنت اللوم لأنك لم تتخذ هذا القرار منذ البداية بشجاعة.. ولا تحزن على نصف المهر الذي ستأخذه الفتاة فهذا أقل بكثير من الأضرار النفسية التي ستقع لها.
* وضرر هذا الاختيار أن يحزن أباك وأن يحزن الفتاة.
2- الاختيار الثاني هو أن تتم زواجك من الفتاة.
* وضرر هذا الاختيار أن تنقلب حياتك جحيمًا بسبب المشاكل المتكررة التي لا بد وأن تنشأ بسبب رفضك للفتاة وتطلعك إلى غيرها، ولا تظن أن والدك سيبقى بعيدًا عن تلك المشاكل، بل سيكون حتمًا طرفًا فيها، وسيتعب قلبه أكثر مما سيراه منك ومن زوجتك بل وأبنائك المساكين الذين سيكونون حتمًا طرفًا في مشكلتك.
فإن كنت لا ترى- بعين عدل صادقة- في فتاتك ما يريحك ويعجبك.. وإن كنت لم تقتنع بعد بحديثي عن الجمال الزائف وموازين الجمال؛ فأظنك بعد هذا العرض ترى معي أن أهون الضررين أن تترك الفتاة الآن وليس غدًا.. وجزاك الله خيرًا إن فعلت.