برزت على السطح في الآونة الأخيرة مشكلة حصة مصر من مياه نهر النيل، هذه المشكلة التي أَرَّقت المصريين قديمًا وحديثًا، ولما لا فالماء يعد ثاني العناصر الضرورية للإنسان في حياته بعد الأكسجين الذي يستنشقه من الهواء، ويمثل نسبةً كبيرةً في تكون البدن الإنساني، كما يدخل في طعامه الذي يتغذى به، والهواء الذي يتنفسه، بل والدواء الذي يتطبب به، فمن الصعب أن نجد أمرًا فوق سطح الأرض يفوق في أهميته وضرورته الحيوية لسكان مصر مثل نهر النيل، إذ بدونه تنعدم الحياة، وبوجوده تنمو وتزدهر، وبدونه لا يكون للمخلوقات وجود في مصر، ولا ينبت على ظهر الأرض عود، من منطلق الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: من الآية 30)، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ (ق: من الآية 11)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (النحل: من الآية 65)، فنهر النيل عصب الحياة، وعامل لنشوء الحضارات في مصر.

 

- نهر النيل وصفاته الجغرافية:

يمتاز نهر النيل بأنه أكثر أنهار العالم انتظامًا في جريانه، ويبلغ طوله 6700 كيلومتر، منها 1536 كيلومترًا في مصر، ومن ثم فهو ثاني أطول أنهار العالم، ويجتاز في رحلته من أقصى منابعه بالقرب من بحيرة تنجا نيقا إلى أدنى مصبه في البحر المتوسط 35 خطًّا من خطوط العرض، تبدأ من خط 4 جنوب خط الاستواء إلى خط  31 شماله، أما عرضه في مصر فيناهز في متوسطة نحو ثلاثة أرباع من الكيلومترات، أما عن انحداره، فيعتبر النهر الوحيد في العالم الذي يتميز انحـداره من الجنوب إلى الشمال، ويبدأ تفرُّع نهر النيل على بعد 23 كيلومترًا شمال القاهرة(1)، ومعدل انحدار النهر في مصر في المتوسط 7 سم لكل كيلومتر، وهو انحدار معتدل؛ ما ساعد على عملية النقل النهري على صفحة مياهه(2).

 

وتتأثر به مصر والسودان وأوغندا ونحو ثلث إثيوبيا، فضلاً عن بقاع متفرقة من كينيا وتنزانيا والكونغو، ويستجمع النيل مياهه من ثلاثة أحواض رئيسية، هي الهضبة الإثيوبية، وتمثل أهم منابع النيل وأخطرها على الإطلاق، إذ تمد النيل الرئيسي بنحو 85٪ من متوسط الإيراد السنوي حوالي 71 مليار متر مكعب سنويًّا، أما الحوض الثاني فيمثله الهضبة الاستوائية، وهي من أكثر المصادر انتظامًا في إمداد النيل بالمياه على مدار السنة، وخاصة في فصل الجفاف، ويبلغ متوسط المياه الواردة من الهضبة الاستوائية سنويًّا عند أسوان حوالي 13 مليار متر مكعب، والحوض الثالث هو حوض بحر الغزال؛ حيث تنتشر فيه مجموعة من الأنهار الصغيرة، التي تنبع من المناطق الجبلية في السودان وإفريقيا الوسطى، وجملة الإيراد السنوي لهذه الأنهار تبلغ 15.1 مليار متر مكعب، غير أن ما يصل منه للنيل 0.5 مليار متر مكعب، ويفقد الباقي في المستنقعات (3).

 

- أهمية نهر النيل لمصر:

عن أهمية عنصر المياه بالنسبة لمصر، فقد ساهم نهر النيل في إعطائها شخصية مميزة تنفرد بها عن غيرها من دول العالم؛ حيث ساهم في تكوين تربتها جيولوجيًّا، وتوسيع رقعة أرضها طبوغرافيًّا، كما وضعها على الخريطة التجارية عالميًّا وإقليميًّا ومحليًّا في العصور القديمة والوسطى، كل ذلك ساعد على تطور رقعتها العمرانية، لذلك نستطيع أن نقول إنه لا يوجد نهر في الدنيا له من الفضل على إقليم ما لنهر النيل من الفضل على مصر وساكنيها.

 

فالنيل بالنسبة لمصر بمثابة الروح من الجسد، ارتبطت حياتها به ارتباطًا وثيقًا؛ لكونه مصدر خصبها ونمائها والرخاء فيها؛ لهذا كانت عظمةً، وأهمية النيل بالنسبة لمصر منذ القدم وما زال نهر النيل يترك عميق الأثر في أوضاع مصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية، باعتباره العامل الأساسي الموجه لمراكز الحضر والعمران بها؛ لذلك فلا غرابة أن يصبح نهر النيل محط اهتمام المصريين منذ القدم وحتى يومنا هذا.

 

ويعتبر مجرى النيل عاملاً طبيعيًّا، له دور أساسي في تشكيل تربة الدلتا والوادي، وتكوين معالمها الطبوغرافية، وذلك لما له من قدرة على النحت والنقل والترسيب، فقد أخرجت لنا الأبحاث الجيولوجية التي قام بها علماء متخصصون تتبعت التطور الجيولوجي لنهر النيل، نتائج تؤكد أن نهر النيل ساهم بدور فعال في تكوين السهل الرسوبي من أسوان حتى البحر المتوسط، فمعظمها إن لم تكن كلها منقولة نتيجة تراكم الرواسب النيلية من الحصى والرمل والطين، وهو ما جعل ابن فضل الله العمري يذكر أن أكثر محاسن مصر مجلوبة إليها، وذكر أهمها الماء والطين المجلوب مع النيل (4).

 

وتوافرت في نهر النيل عدة اعتبارات جعلته من أقدم الأنهار التي استغلت في الملاحة المائية كطريق ملاحي مهم، ومن هذه الاعتبارات خلوه في مصر من العقبات الطبيعية مثل الجنادل والشلالات، إلا في نطاق ضيق بمنطقة أسوان، فتذكر المصادر صعوبة السفر بالسفن عند الجانب الجنوبي من أسوان؛ لانحدار الماء من شلالات عظيمة(5)، كما يتميز مجرى النهر باستقامته؛ ما يؤدي إلى قصر الوقت المطلوب لقطع الرحلة، وبالتالي تكاليف النقل.

 

واتسام نهر النيل بالسرعة المعقولة لمياهه؛ سهل من حركة الملاحة النهرية به نحو المصب، خاصة أن حركة السفن تعتمد على قوة اندفاع المياه مع الانحدار العام لمجرى النهر(6)، كما يتميز بتعدد منابعه ومصادر مياهه؛ بحيث تكاملت لإمداده بمنسوب مياه ثابت خلال العام، مما عمل على استمرار صلاحيته للملاحة خلال شهور السنة، وكذلك التمكن من اتجاه حركة الملاحة تجاه منابع النيل(7)، وليس أدل على ذلك مما ذكره ابن ظهيرة بقوله: "… ليس في الدنيا نهر تجري فيه السفن أكثر من نيل مصر..." وتميز مجرى النيل بمصر بتنوع الموارد الاقتصادية بالمدن والقرى المطلة عليه، مما ساهم بدرجة كبيرة في حجم حركة التجارة من خلاله(8).

 

وساهم امتداد نهر النيل وفروعه وكثرة تشعبها في الوادي والدلتا بدور كبير في سهولة اتصال القاهرة بمختلف مراكز الاستقرار في الدلتا والصعيد في العصور الوسطى؛ حيث سهلت على حرية الحركة بين أنحاء البلاد؛ بحيث يمكن أن تصل السفن والمراكب لأي بلد تريد، وهذه ميزة لم تكن متوفرة في أنهار كثير في البلدان(9)، كما ساهم في حركة العمران؛ حيث تكاثرت المدن والقرى حول مجراه والتي مثلت مراكز زراعية وصناعية كبيرة، فيذكر الأصطخري حافة النيل من حد أسوان إلى أن يصب في البحر عليه قرى ومدن منظومة ومتكاثفة(10)، وكانت لهذه المدن والقرى موانئ ترسوا عندها السفن النيلية. 

 

 - مصر هبة الفيضان:

يعتبر الفيضان من أهم الظواهر الجغرافية المرتبطة بنهر النيل، فهو بلا شك أهم ملامح النهر المميزة، فمن الثابت أن 82٪ من رصيد ماء النيل يأتي وقت الفيضان، و18٪ فقط لوقت التحاريق   وذلك يعني علميًّا أن النيل ليس إلا الفيضان(11)، ويذهب أحد الباحثين إلى حد القول بأن مصر هبة الفيضان(12).

 

لذا فالمصريون ينتظرون أشهر الفيضان بلهف وشغف، فحياتهم تتوقف على اعتداله في مجيئه،  فحينما يأتي معتدلاً بزيادته المعتادة تسكن المخاوف، وترتفع الشرور ويستقبل الناس أسباب سعادتهم ووسائل رزقهم بالنشاط ويعم الفرح القلوب(13)، ولما لا فزيادة مقدار إصبع من مياه النيل يكفي لسقى عشرة آلاف فدان سقية واحدة، أما إذا هاجمهم فيضان مغرق، ففي هذه الحالة يكونون هدف للبلاء وعرضة للفناء(14)، لكل ذلك كان الفيضان محط اهتمام كل المصريين على اختلاف طبقاتهم، يرقبون مجيئه ويحسبون حسابه، وتمتلئ مؤلفات مؤرخيهم وجغرافييهم بالكثير من الأحداث التي كان فيضان النهر بزيادته ونقصانه طرفًا أساسيًّا فيها(15).

 

فقد كانت مصر تتأثر عبر فترات تاريخها المتعاقبة وقبل بناء السد العالي سلبيًّا بتفاوت نسب الفيضان، سواء بالزيادة أو النقصان عن الحد المعتاد والمألوف، فإذا كان زائدًا غرقت الأراضي وأُتلفت المحاصيل الزراعية، وإذا جاء ناقصًا عن المتعارف عليه جدبت الأرض وقلَّ المزروع منها، وفي كلتا الحالتين تتعرض لأزمات اقتصادية خانقة تنضب معها السلع والبضائع، وتقل الأقوات ويقل المعروض من المواد الغذائية، فترتفع الأسعار؛ مما يؤدي إلى توقف حركة الأسواق، وغالبًا ما يصاحبها المجاعات، ويتوقف معها النشاط الحرفي،  كما تتأثر الكثافة السكانية بدرجة كبيرة.

 

والواقع أن مصر تعرضت للعديد من الأزمات الاقتصادية، استعرضها الكثير من الباحثين المعاصرين والمحدثين ، والتي نشأت نتيجة لهبوط النيل أو زيادته عن الحد المعتاد(16).

 

كما ساهم تذبذب معدلات فيضان النيل بالدور الأكبر في اضطراب مؤسسات مصر الاقتصادية والتجارية، إذ كان من النادر أن تمر عشر سنوات دون حدوث مجاعة أو وباء أو الاثنين معًا(17)، كما تأثرت النظم المالية في مصر، ممثلة في موارد الدولة المالية بظاهرة زيادة ونقصان الفيضان عن الحد المعتاد كنتيجة للأزمات الاقتصادية التى تسود البلاد، فبالنسبة للخراج عجزت الحكومات بالقيام بجبايته نتيجة لاضطراب الفيضان، فكان الحاكم أو السلطان لا يأخذ الخراج إذا لم يصل مستوى الفيضان إلى 18 ذراعًا، أما المكوس والتي تعتبر من أهم مصادر الإيرادات؛ حيث كانت تأخذ على الوارد والصادر من البضائع إلى المواني النهرية، فقد تأثرت هي الأخرى بظاهرة الفيضان وكان لتفاوت مناسيب الفيضان ما بين الانخفاض أو الارتفاع الكبير عن منسوبه المناسب أثر كبير في تعطيل حركة الملاحة النهرية، والتي ارتبطت بها اقتصاديات السوق في مصر؛ حيث يقل ورود المراكب التي تحمل الغلال من أنحاء البلاد إلى أسواقها، فينتج عن ذلك ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وحدوث الغلاء الذي تصحبه المجاعة غالبًا، ومن أمثلة ذلك ما حدث في سنة 748هـ / 1347م، وسنة 806هـ / 1403م؛ حيث اشتد احتراق النيل وقلَّ ماؤه، فتأخر حمل الغلال في المراكب، فارتفع سعر القمح  نتيجة لتأخر وصوله من مراكز إنتاجه، وفي سنة 829هـ / 1425م هبت رياح واستمرت أيامًا تزيد على عشرة أيام، ولم تستطع المراكب السفر في النيل، فانكشف الساحل من الغلة وجاء الخبر بغلاء الأسعار(18)، وهكذا كان لتفاوت مناسيب الفيضان ما بين الزيادة والنقصان اليد الطولى في الأزمات الاقتصادية، والنكبات التي ألمت بمصر قبل بناء السد العالي.

 

وتأثرت الكثافة السكانية بمصر بتفاوت نسب الفيضان، فكانت في الغالب تصحبها الأوبئة والمجاعات الفتاكة التي كانت تقضي على أعداد كبيرة من السكان؛ نتيجة لانعدام الأساليب العلمية حينئذ في مقاومة الأمراض، فقد كان حدوث الوباء معناه فناء الآلاف من الناس، ينتج عنه تراجع أعداد المواليد، وارتفاع أعداد الوفيات، فتقل معها الأيدي العاملة والحرفيِّة، وأفاضت المصادر في ذكر الأوبئة التي صاحبت نقص أو زيادة مياه الفيضان، فقد صاحب الشدة المستنصرية في عهد الخليفة المستنصر الفاطمي فناءً كبيرًا لمعظم السكان، ويقال إنه أودى بحياة ثلثي أهل مصر. 

 

الاهتمام بدول منابع النيل عبر التاريخ:

من منطلق ما ذكرناه سابقًا من أهمية نهر النيل بالنسبة لمصر، استرعى نهر النيل اهتمام المصريين قديمًا وحديثًا فبحثوا في صفاته الجغرافية لارتباط كيانهم الحضاري به ، وحاول المصريون القدماء أن يتصلوا بشعوب البلاد التي تقطن وادي النيل، فأرسل الملك زوسر بعثات حربية لإخضاع البلاد الواقعة جنوب حدود مصر، وحاول المصريون إيجاد اتصال وثيق ببلاد يام، وهي التي تُعرف اليوم بكردفان ودارفور وأواسط إفريقيا وأعالي نهر الكونغو، وبحر الغزال، وهي محاولات للوصول إلى دول منابع النيل.

 

كما اتصل المصريون القدماء ببلاد بُنيت منذ عصر خوفو وهي بلاد إريتريا والصومال والقريبة من أثيوبيا ومن منابع النيل في بلاد الحبشة، فالمصريون القدماء إذًا لم يكونوا بالأمة المنعزلة عن بلاد وادي النيل، بل كانوا مجدين في الاستكشاف والاتصال بهم، وكان لهم علم بكثير من الأقطار التي يتألف منها حوض النيل، ومن الثابت على كل حال أنهم بذلوا مجهودًا ليس باليسير في إزاحة القناع عن جزء عظيم من مجراه(19).

 الصورة غير متاحة

 

ثم جاء اليونانيون فيما يعرف بالعصر اليوناني فتناولوا مسألة النيل ومنابعه بالبحث والاستقصاء، وكانت لدى علمائهم الرغبة الشديدة في معرفة شيء عن منابعه، فحين زار هيرودوت مصر عام 457 قبل الميلاد سافر إلى الشلال الأول، وهناك حاول عبثًا أن يحصل على معلومات أكيدة ثابتة عن منابع النيل، وكل ما اهتدى إليه أن منابع النيل يأتي جزءًا منها من بلاد إثيوبيا، وبعد فتح الإسكندر لمصر وتأسيس دولة البطالمة حاول أول جغرافي درس مجرى النيل "إيراتوستين"، وكان أمينًا لمكتبة الإسكندرية، ومن أكبر الجغرافيين في زمانه أن يصف مجرى النيل، ووصل إلى ملتقى النيل الأبيض والأزرق، ثم جاء من بعده العلامة الجغرافي إسترابون، وأرسل الإمبراطور بيرون سنة 66 م إثنين من ضباطه في بعثة لاستكشاف منابع النيل الأبيض، وركبت هذه البعثة الزوارق حتى وصلت لمنطقة المستنقعات، ثم جاء بطليموس السكندري في القرن الثاني الميلادي، ويعتبر ما سجله عن نهر النيل من معلومات أقرب إلى الصحة بوجه عام(20).

 

وعن منبع النيل اتفق معظم جغرافي العصور الوسطى على أن النهر ينبع من جبال القمر المقصود به كتلة روينزوري الجبلية التي تكللها الثلوج، وتقع إلى الجنوب من بحيرة ألبرت خلف خط الاستواء، فيذكر ابن الفقيه أن مياهه من بُحيرتين يقال لهما بحيرتا النيل(21)، وربما يتفق ذلك مع الدراسات الحديثة التي تؤكد أن مصادر نهر النيل من هضبة البحيرات بأواسط إفريقيا من بحيرتي فيكتوريا وألبرت(22).

 

ومع الحركة العلمية التي شهدتها مصر الإسلامية مثلاً زاد الاهتمام بنهر النيل فتكاد لا تخلو كتابات جغرافييها ومؤرخيها بذكره، وبلغ اهتمامهم أن أفراد البعض كُتبًا، فاحتل نهر النيل مكانة الصدارة في كتابات الجغرافيين والرحالة والمؤرخين التي عُنيت بوصفه ودراسة فروعه وخلجانه وجسوره ومقاييسه، منها المنوفي (أبو العباس شهاب الدين أحمد) ت931هـ في كتابه "الفيض المديد" في أخبار النيل السعيد، مخطوط محفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 66 جغرافيا، وقد بحثت هذه المؤلفات في جغرافيته، وتحدثت عن كل ما يتعلق به، ويذكر ناصر خسرو الرحالة الفارسي الذي زار مصر زمن المستنصر الفاطمي أن سلطان مصر أرسل بعثة لتتبع شاطئ النيل سنة كاملة ودرسه(23).

 

- اهتمام محمد علي باشا بمنابع النيل:

ظل الاهتمام بجغرافية نهر النيل حتى زمن الاكتشافات الحديثة خلال القرن التاسع عشر الميلادي، فمع بناء مصر الحديثة على يد محمد علي باشا الذي أيقن أن بناء مصر الحديثة يبدأ من امتلاك وادي النيل ومنابعه فهي بمثابة حياة أو موت بالنسبة لمصر؛ ولذلك وجه أنظاره لاحتلال السودان والاستيلاء على منابع النيل، وكانت تدفعه إلى هذا رغبته في ضمان مياه الري لأراضي مصر؛ للاستفادة منها في توسيع مساحة الأراضي الزراعية، فشكل لجنة اختصت بشئون النهر وفيضانه واهتمت بكشف منابعه ويعتبر عام 1821م بداية الاكتشافات الحديثة لحوض نهر النيل، واستمرت حركة الكشوف لمنابع النيل، وتتابعت محاولات المستكشفين بعضهم أثر بعض، إلى أن انكشف مجراه ومنطقة منابعه(24)، فقد واصل الخديوي إسماعيل جهود محمد علي باشا فوسَّع في حركة استكشاف منابع النيل وإحكام السيطرة على السودان وإدارته تحت الحكم المصري، وكلف الخديوي إسماعيل السير صمويل بيكير يعاونه عشرات من الأوربيين بمهمة كشف منابع النيل، وزوَّد الحملة 1700رجل وما تحتاجه من عتاد، وانطلقت الحملة في 8 فبراير سنة 1870م، وأتم ستانلي وبعثات شركة الهند الشرقية استكشاف باقي روافد نهر النيل، والتي انتهت مع بداية القرن العشرين سنة 1900م(25).

 

- سياسة الإنجليز عند احتلال مصر في بلدان منابع النيل وما يفعله الصهاينة اليوم:
ارتبطت سياسة الاحتلال البريطاني الخارجية في مصر إزاء مياه النيل بدول أعالي حوض نهر النيل في شرق إفريقيا، وأيقنت إنجلترا أن إحكام السيطرة على مصر يأتي من الجنوب من بلاد منابع النيل؛ فبدءوا يفكرون في أهمية أعالي النيل بالنسبة لمصر؛ وذلك لتأمين المياه اللازمة لزراعة القطن الذي كان صعب صناعة النسيج في مصانع إنجلترا وأوروبا، وكذلك زراعة القمح باعتبار أن مصر كانت سلة الغلال للإمبراطورية الإنجليزية.

 

وتظهر رغبة الإنجليز في إحكام السيطرة على مصر من جنوبها من أقوال خبراء المياه، فيذكر السير كولن سكوت منكويف الخبير الإنجليزي في المسائل المائية الخاصة بمصر حسب رأيه: "أن المالك المتمدن لأعالي النيل يقبض على مصر في قبضته، وأن أمة متحضرة في أعالي النيل يمكنها أن تبني قناطر منتظمة عند مخرج بحيرة فيكتوريا نيانزا ستكون هذه عملية سهلة؛ لأن عرض النيل عند هذا المخرج يبلغ 400متر"، واستطرد منكويف قائلاً: "وإنه إذا عملت هذه القناطر فإن تغذية النيل ستكون في أيديهم، وإذا كان حظ مصر الصغيرة المسكينة سيئًا واشتبكت في حرب مع هؤلاء القوم الذين في أعالي النيل فإنهم يستطيعون إغراقها أو قطع المياه عنها وفق إرادتهم"، بل ذهب ويلكوكس المهندس الإنجليزي الشهير في مصر إلى القول بأن: "كل حاكم يسيطر على بحيرة فيكتوريا يملك بيده زمام الحياة في مصر.

 

أما صامويل بيكر الذي كانت تعتبر معارفه عن النيل حجة في القرن التاسع عشر الميلادي فقد أكد أنه: "لو استولى عدو متمدن أو شبه متمدن على الخرطوم فإنه يمكنه أن يحول مجرى مياه النيل الأزرق وعطبرة، ويبعثر مياهها في الصحراء؛ ما يؤدي للهلاك المحقق، ومن الممكن بسهولة عمل خزانات عبر النيل الأزرق والعطبرة؛ حيث يوجد منخفض ممكن أن تتجه إليه المياه"، ويقرر صامويل بيكر: "أن هذه الخطة ممكنة التنفيذ، وأنه لو استولى أوروبي على وسط السودان فإن أول عملية حربية له هي أن يحرم مصر من الماء اللازم لوجودها.. ولو كنت أنا شخصيًَّا عدوًا لمصر فإنني أعرف المكان الذي أبدأ منه الهجوم القاتل من نهر العطبرة"(26).

 

وإيذاء هذا الفكر الاستعماري لخبراء الري الإنجليز في مصر أرسل رياض باشا رئيس نظار مصر، مبديًا خوفه في مذكرة إلى أفلن بيرنج بتاريخ 9 ديسمبر سنة 1888م يقول فيها: "لا ينازع أي إنسان في أن النيل هو حياة مصر وهذا أمر واضح وجلي لا يختلف فيه اثنان.. فإذا استولت دولة ما على ضفاف النيل فعلى مصر العفاء"، واستطرد قائلاً: "إنه يجب الاحتفاظ بحكم سواكن بأي ثمن؛ لأنه لا يمكن أن تحتل دولة أوروبية سواكن بدون الرغبة في توسيع نفوذها في الداخل، وإذا حققت ذلك واستولت على شاطئ النيل فعلى مصر السلام ولن ترضى مصر بمثل هذا الهجوم على كيانها".

 

ويرى اللورد ملنر في سنة 1892م: "أنه رغم أن بلاد منابع النيل ليست لديهم مهارة هندسية كافية؛ ليتلاعبوا بالنيل فإنه قد تأتي دولة متحضرة كبرى لديها مهارة فنية، فتقوم بمشروعات هندسية في أعالي النيل لتحويل المياه وتغيير كمية المطر السنوية، فإن مصر لن تشعر بأية راحة أبدًا طالما أن مياه أعالي النيل ليست تحت سيطرة مصرية"(27).

 

ومن منطلق هذه الرؤية بعيدة المدى أدركت إنجلترا في فترة احتلالها لمصر أهمية بلاد منابع النيل بالنسبة لمصر، كما أيقنت أنه طالما كانت هذه الأجزاء في أيدي دول متأخرة فلا خطر منها على وادي النيل ومصر؛ ولذلك حرصت على تأمين أعالي النيل من سطو الفرنسيين أو أي مستعمر أوروبي آخر، فقد فطنت فرنسا إلى أن تهديد الإنجليز في مصر يأتي من الجنوب فحرصت على احتلال دول منابع النيل، ولذلك عقد الإنجليز عدة معاهدات وبروتوكولات مع الدول الأوروبية الاستعمارية المتنافسة على استعمار شرق إفريقيا كألمانيا وإيطاليا.

 

ولما كان 85٪ من مياه النيل تأتي من الهضبة الإثيوبية، فهل يطبق الصهاينة نظريات ومقولات مهندسي الري الإنجليز في القرن التاسع عشر، وتطبق الخناق على مصر بسدود إثيوبيا؟

 

أفيقوا يا حكامنا فقد أهملتم نهر النيل الإهمال الذي يجعلكم لا تستحقونه!! لأن من يُعطى نعمة ولا يحفظها فإنه يستحق أن تُسلب منه، والأغرب تعلمون أن الكيان الصهيوني هو الوحيد الذي يساند دول حوض النيل ويحرضهم ضد مصر، ومع ذلك لم تتخذوا أي خطوة مماثلة، مع العلم أنكم يمكنكم أن تحققوا كل ما نُريده عبر التواصل مع إخواننا في غزة، واستخدام هذه القضية في تحقيق مصالح كثيرة والضغط على الكيان الصهيوني بالبعد عن منابع النيل، وفي نفس الوقت نحافظ على إخواننا في غزة بدلاً من السمع والطاعة الذي تنتهجونه دون مقابل سوى وعود تذهب أدراج الرياح.

-------------

الهوامش:

(1) جمال حمدان، شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان، ج1، ص619.

 

(2) محمد أحمد المناوي، نهر النيل في المكتبة العربية، القاهرة 1966م، ص9.

 

(3) عبد العظيم محمد سعودي، تاريخ تطور الري في مصر، سلسلة تاريخ المصريين رقم 196، ص115.

 

(4) ابن فضل الله العمري، المسالك والممالك، ص82.

 

(5) المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج 1، ص190.

 

(6) عبد المنعم عبد الهادي، محاضرات في جغرافية النقل، ص49.

 

(7) فهمي هلالي، النقل الداخلي وتطوره، المؤتمر الجغرافي العربي الأول، مجلد2، القاهرة 1965م، ص775.

 

(8) ابن الظهيرة، الفضائل الباهرة، ص136، 203.

 

(9) محمد أحمد منتصر، الفروع الدلتاوية القديمة، رسالة ماجستير (غير منشورة)، قسم الجغرافية، كلية الآداب جامعة القاهرة 1968م، ص243.

 

(10) الأصطخري، المسالك والممالك، تحقيق محمد جابر، مراجعة محمد شفيق غربال، القاهرة 1961م، ص40.

 

(11) جمال مرسي، نهر النيل في تاريخ الفكر الجغرافي، مجلة المجلة، العدد العاشر، أكتوبر 1957م، ص 50.

 

(12) جمال حمدان، شخصية مصر، ج 1، ص165.

 

(13) أنطون ذكري، النيل في عهد الفراعنة والعرب، ط 1، مطبعة المعارف، القاهرة 1926م، ص39، 40.

 

(14) محمود حامد محمد، فيضان النيل وعلاقته بالظواهر الجوية، محاضرة ألقيت بدار المعلمين، المطبعة الرحمانية القاهرة 1929م، ص4.

 

(15) قاسم عبده قاسم، نهر النيل وأثره في الحياة المصرية في عصر سلاطين المماليك، رسالة ماجستير (منشورة) قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة القاهرة 1972م، ص10.

 

(16) محمد محمود أبو زيد، أثر النيل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مصر من الفتح العربي حتى منتصف القرن الرابع الهجري، رسالة ماجستير (غير منشورة)، قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة القاهرة 1979م.

 

(17) أحمد عبد الكريم سليمان، الحياة الزراعية في مصر في العصر المملوكي، رسالة ماجستير، قسم التاريخ  كلية الآداب، جامعة القاهرة 1972م ص45.

 

(18) المقريزي، السلوك ج4، ق2، ص711.

 

(19) محمد عوض، نهر النيل، الطبعة الخامسة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1962م، ص13: 14.

 

(20) جمال مرسي، نهر النيل في تاريخ الفكر الجغرافي، ص42: 43.

 

(21) ابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان، ص94.

 

(22) أحمد يوسف، النيل، الطبعة الأولى، الشركة العربية للطباعة، القاهرة 1958م، ص20.

 

(23) ناصر خسرو سفر نامة، ص96.

 

(24) محمد عوض محمد، نهر النيل، ص22.

 

(25) عبد العظيم محمد سعودي، تاريخ تطور الري في مصر، ص58، 114.

 

(26) علي إبراهيم عبده، المنافسة الدولية في أعالي النيل 1880: 1906م، ط1، مكتبة الأنجلو، القاهرة 1958م، ص 96: 97، 190.

 

(27) عبد العظيم محمد سعودي، تاريخ تطور الري في مصر، ص 120.

---------------

 دكتوراه في الآثار الإسلامية.