بعد صراع طويل مع الرقابة على المصنفات الفنية خرج للنور فيلم أحمد حلمي الجديد، فقد كان اسمه في بادئ الأمر "جواز سفر مصري" فاعترضت الرقابة فتم تغييره إلى "مصر هي أوضتي" فاعترضت الرقابة مرَّة أخرى؛ حتى تمت الموافقة على الاسم النهائي للفيلم وهو (عسل أسود) فالرقابة دائمًا تسمح بمرور الأفلام الواقعة، ولا تسمح للأعمال التي من الممكن أن تناقش قضايا مهمة دون محاولةٍ لتجميل وجه النظام الحاكم.
الفيلم ينتمي للكوميديا السوداء التي تضحك عليها وقلبك يعتصر من الحزن والألم على ما يحدث، ولكنه اعتمد على كوميديا الموقف التي تضحك عليها لحدوثها أمام عينيك لا على كوميديا اللفظ التي تضحك عليها لسماعها؛ لاستخدامها الألفاظ الخارجة و"الإفيهات" الرخيصة التي أصبح يعتمد عليها الكثير من كومديانات مصر الكبار بعد إفلاسهم الفني.
لا توجد في الأحداث الحبيبة المعتادة في الأفلام المصرية التي يعود إليها البطل بعد طول غياب، ولكن الحبيبة هنا هي مصر التي يعود إليها البطل بعد طول اشتياق، فهو مصري عاش في أمريكا 20 عامًا عاد يحمل جنسيتها وقد أحب مصر من كلام والده عنها، فقرَّر العودة إليها ليرتبط بها، فيفاجأ بقسوتها وقبحها، فيتمرد عليها ثم عاد إليها وخطبها بلبس دبلتها- خاتم مرسوم عليه علم مصر- وقرَّر أن يُكمل بقية حياته معها والفيلم مليء بالشخصيات التي عندما نُمعن النظر فيها نجدها تنتشر من حولنا، فهناك الموظف الذي يتلقى الرشاوى في رمضان، والمعلمة الفاشلة التي توضح لنا مشاكل التعليم، وما ينتجه من خريجين، والأم الحنونة التي تضع عائلتها تحت جناحها لتربيتهم ومساعدتهم على تحمل مصاعب الحياة، والشاب المُحْبَط اليائس من المستقبل، فيجد في الصلاة ما يعينه على تحمل ما يواجهه، وزوج وزوجة حديثا الزواج يجسدان ما تعانيه الأسر المصرية من مشكلات في بداية الحياة، والمواطن الممتهنة كرامته لمجرد أنه مصري، وسائق التاكسي المُسْتَغِل لعدم معرفتك، والمجتمع المصري الذي استسلم للمذلة وانتظار الفرج على يد الساحر الأمريكي الذي سوف يخرجهم من أزماتهم.
وأعطى صورةً لما يمكن أن يقوله الأجانب عند زيارتهم لمصر بعد شربهم لمياه النيل، ومشاهدة أكوام القمامة، وهي تحيط بالشوارع، وحتى أرقى أحياء القاهرة، وإلقاء الناس للقمامة من نوافذ منازلهم، واستغلال الناس لهم منذ أن تطأ أقدامهم أرض مصر إلى أن يغادروها.
الفيلم يضرب في جذور المجتمع المصري ويعري واقعنا الذي نعيش فيه، وعكس حالةً صادقةً عن واقعنا المؤلم دون تجميل أو إخفاء للحقائق المرة.
لم يكن الفيلم سوداويًّا تمامًا فقد أظهر بعض الأشياء المضيئة في المجتمع المصري التي بدأت في الاختفاء شيئًا فشيئًا، فهناك الطبق الدوار الذي يظل ممتلئًا صعودًا ونزولاً، وطلب الجيران المساعدة من بعضهم البعض دون تردد، ومساعدة الغريب دون وجود أيِّ مقابل لذلك، ومجدعة أولاد البلد، والموظف الذي لا يرتشي رغم فقره.
استطاع أحمد حلمي أن يجسِّد شخصية المصري مزدوج الجنسية الذي يعود إلى مصر، فيصطدم بواقع مرير، وكرَّس لهذا الدور إمكانياته بدءًا من الشكل الخارجي بترك شعره طويلاً والفعل الخارجي بإلقائه جواز سفره المصري من نافذة الفندق، بعد أن امتهنت كرامته كمواطن، نهايةً بأسلوب الكلام الذي يصل إلى حد التهتهة في نطق الكلمات المصرية، كما وظَّف الأغاني التي نسمعها باستمرار عن مصر للتمهيد للحدث، فاستخدم أغنية "حلوة يا بلدي" ليدلل على اشتياقه لمصر، وأغنية "ما شربتش من نيلها" عندما شرب من المياه وأحس بحالة تسمم، وأغنية "أنا مصري وأبويا مصري" لتتقاطع مع المواقف محدثةً فعل الكوميديا.
بعد مشاهدتي للفيلم وجدت إجابةً واضحةً للأسئلة التي فجَّرها الفيلم داخلي.. لماذا نحب مصر؟ لماذا نحبها رغم قسوتها علينا؟ لماذا نغضب عندما يذكرها أحد بسوء؟ لماذا نعمل من أجل مستقبل أفضل رغم أن حاضرنا سيئ؟ وجدت الإجابة: لأننا مثلها نحمل تناقضاتها وهمومها، تُمتهن فيها كرامتنا وعندما نسافر خارجها، فإنها تسكننا وتملك قلوبنا إنها حبيبتنا مصر.. العسل الأسود.