إن ما نقدمه من أعمال مسرحية في أنشطتنا المختلفة ليس سوى نوعٍ من أنواع المسرح الفقير، ولكن ينقصنا التنظير وفهم ما يحويه هذا النوع من المسرح، فقد فكَّر في هذا النوع المخرج "كروتوفسكي" أحد أشهر المخرجين العالميين بعد الحرب العالمية الثانية، وقام بعمل الكثير من الأبحاث، وخلص إلى أن المسرح لا يمكن أن يستغنى عن الممثل، ويمكن أن يستغني عن الكثير من العناصر الأخرى، فخرَّج تعريفه للمسرح الفقير الذي له صبغة خاصة ومميزة، ويحقق أهدافه من تطويع جسد الممثل لشتى أنواع التمثيل، والمسرح الفقير مسرح دون موسيقى وأزياء فاخرة وديكورات فنية ومؤثرات صوتية، وربما دون خشبة عرض.
في المسرح الفقير لا توجد موسيقى؛ لأن أصوات الممثلين تمثل البديل؛ حيث تخلق الجو المسرحي المطلوب واللازم للعرض المسرحي عبر العويل والصراخ وضرب الأقدام على الأرض، وفي الإضاءة اقتصر على أضواء الشموع و"البروجيكتورات" المثبتة على الأرض، وفي عنصر "الماكياج" يقول "كروتوفسكي": لقد تنازلنا عن "الماكياج" عن الأنوف المعدَّلة وعن البطون المنتفخة وبكلمات أخرى تنازلنا عن كل شيء يعد له الممثل في غرفة الملابس قبل خروجه منها والدخول في مجال رؤية المتفرج له، أن الممثل قادر عبر عضلات وجهه وقسمات محياه التعبير ببلاغة، وإذا كان الديكور هو مجموع العناصر التي تؤثث لفضاء المسرحي وغايتها خلق الجو العام للمسرحية، فإنه لَفظ هذا المدلول وتلك الغاية؛ لأن الممثل بحركاته يقوم بتحويل الأرض إلى بحر أو مائدة أو منضدة.
وبمتابعة العروض التي قامت بتطبيق هذا المنهج نجد أنها حاولت تعويض مساحة قلة الإمكانيات بأشياء دلالية تدل على الفكرة، كما أنها عُولت على المخرج والممثل في إيجاد حلول بديلة لباقي العناصر، التي يتم فقدها، كما أن المخرج أصبح يجد البديل عن التغيير الدائم للديكور بحلول أكثر مرونةً، فجعل مُعد النص الأصلي يحصر الأحداث في مكان واحد أو ديكور وحيد، كما أن الأغاني المسجلة تم الاستعاضة عنها بالأغاني الحية، كما أن الممثلين من الممكن أن يغنوا عوضًا عن فرق الغناء أو الأغاني المسجلة.
فضعف الإمكانيات وزحف العديد من وسائل الإعلام الجديدة من سينما وتليفزيون جعل المخرج ينتج نوعًا خاصًا وجديدًا من أنواع المسرح؛ تتيح له تقديم أفكاره دون أن تقيده الإمكانيات سواء المادية والمكانية، فهو يستطيع أن يؤدي عروضه داخل قاعات صغيرة تسمح بمشاهدة عدد قليل من المتفرجين، وربما دون خشبة للمسرح؛ ليصبح المتفرج في نفس مستوى الممثلين وفي بعض الأحيان ينظر في عيونهم مباشرة، ما يتيح تواصلاً أكبر بين المتفرج والممثلين ومساحة أكبر من توصيل الفكرة بسهولة ويسر.
وعلى سبيل المثال عرض "عودة" الذي قدَّم اللقاء الأول لمسرح الشباب "نحو مسح فقير" كانت أحداثه جميعها تدور في ديكور واحد في وسطه شاشة "بروجيكتور" لعرض بعض المشاهد التي من الممكن أن تخدم العرض، أما مسرحية "عروسة" فكانت تعتمد على حكاية مجموعة من البنات عن أحلامهن حول فستان الفرح، من خلال ديكور عبارة عن شادر فرح وعلى أحد الجانبين توجد إشارة مرور دلالة على المحذورات التي نعيشها في المجتمع، وفي الأمام توجد العديد من طفايات الحريق دلالة على الخطر القادم الذي من الممكن أن نواجهه، ومجموعة من الكراسي عليها أقمشة بيضاء دلالة على الكرسي الذي تجلس عليه العروسة في الكوشة أما مسرحية "هذه ليلتي" فقد كان ديكورًا ثابتًا لجراج يقوم فيه بعض الشخصيات بأداء بعض الصور المجمعة عن المجتمع التي تكون في مجموعها صورةً كاملةً لما يعيشه المجتمع من مأساة، وفي عرض "صالون" كان المكان الوحيد الذي يضم النساء فقط ولا يمكن أن يدخله الرجال؛ لكي تبوح فيه النساء عن أسرارهن بحرية؛ هو صالون التجميل المكون من كراسي ومرايا مكسورة وستائر بيضاء مسدلة، وحتى حين تم تقديم "هاملت" التي تتطلب تغيير الديكور كثيرًا لتعدد الأماكن، فإن معالجة المسرح الفقير للبناء الدرامي تم من خلال مجموعة من الأصدقاء يقررون تمثيل مسرحية "هاملت"، وبالتالي فإن تغيير الديكور يكون غريبًا، فهم يمثلون أنهم يمثلون والمكان الذي يمثلون به مكان ثابت.
وهناك ملاحظة مهمة أنه من الممكن عبر المسرح الفقير أن تخرج عروض للنور، ويكون جميع ممثليها إما رجالاً أو نساءً، ولكن بشرط أن يكون هناك نص كُتب بطريقة جيدة دون الإخلال بالدراما والأحداث، وبه الكثير من الحلول لتلافي وجود الطرف الآخر في العرض على خشبة المسرح، فعندما نرى عرضي "عروسة" و"صالون" نجد أن مَن قدَّم العرضين هن من الممثلات، لكن عنصر الرجل موجود بصفة دائمة في العرض من خلال الحوار بين الشخصيات، وممكن أن يقدم مجموعة من الممثلين عرضًا لا يوجد به العنصر النسائي حاضرًا على خشبة المسرح، ولكن يكون حاضرًا في الحوار بين الشخصيات، فهي الأم والأخت والزوجة والقريبة.