تُوفي إلى رحمة الله تعالى الدكتور عبد الرحمن بارود (شاعر فلسطين والحركة الإسلامية) في منتصف أبريل الماضي، وترك تراثًا من الشعر.. بدأ منذ كان صبيًّا في العاشرة، وظل طوال حياته إلى أن لقي ربه راضيًا مرضيًّا.

 

وتجود قريحته بالشعر في مجالات متعددة، على رأسها وفي الذؤابة منها "فلسطين" محبوبته ومعشوقته ومصدر إلهامه وبؤرة شعوره واهتمامه.

 

 

 

يقول- رحمه الله- في أولى قصائده في سنِّه المبكرة وهو في التعليم الابتدائي مخاطبًا بلده "فلسطين":

لا تغضبي يا أمّنا وتمهَّلي          فبنوكِ سوف يُطهروك ويُسرفُوا

نحن الحمى لكِ والفدا قلنا مُري          نسعى إلى الموت الزؤامِ ونشْرفُوا

نمـشي بعونِ الله نحو العُلا                لا تحْزني إنَّ البلاءَ مُخفّفُ

 

والدكتور الشاعر عبد الرحمن بارود قد تأثَّر بقضية بلاده فلسطين أشدَّ ما يكون التأثر، وكانت هي شغله الشاغل.. ورأى أن العودة إلى الإسلام.. كفيلة- بإذن الله- بعودة فلسطين إلى أهلها أو عودة أهلها إليها، يقول في قصيدةٍ له نظمها عام 1967م (ويبدو أنه نظمها في السجن مع الإخوان؛ حيث أُفرج عنه في عام 1972م).. يقول في قصيدته موجهًا اللوم الشديد لهذه الأمة على ما آل إليه مآلها ووصل إليه حالها، ومدافعًا عن الإسلام العظيم:

زَمْجِرِي يَا رَايَةَ اللهِ ارجعي           واخْفَقِي فَوْقَ صَحَارَانَا الحَبِيْبَةْ

واجْمَعِي أَشْتَاتَنَا في حَيِّنَا           واقْذِفِي المَوْتَ بِنَا وامْضِيْ مَهِيْبَةْ

وأعِيدِيْنَا إلَى أيَّامِنَا               حَيْثُ جِبْرِيْلُ علَى رَأْسِ الكَتِيْبَةْ

زَعَمَتْ شِرْذِمَةٌ مَنْبُوذَةٌ             مِنْ صَعَالِيْكَ وأبْوَاقٍ كَذُوبَةْ

أنَّ قُرْآنَ الهُدَى مَاتَتْ علَى               دِفَّتَيْهِ كُلُّ آمَالِ العُرُوبَةْ

فانْبَرَتْ مَكَّتُنَا شَامِخَةً               تَصْهَلُ الخَيْلُ حَوَالَيْهَا غَضُوبَةْ

وغَدَا اليَرْمُوكُ مَوْجًا مُرْعِبًا            ورُؤىً حُمْرًا وألْحانًا طَروبَةْ

نَحْنُ رِبِّيُّونَ ذَا مُصْحًفُنا             يَعْرِفُ التَّارِيْخُ رَيَّاهُ وطِيْبَهْ

 

والشاعر هنا يمجِّد الإسلام ويرد على مهاجميه الأقزام.. وهو على يقين أن راية الإسلام عند رجوعها؛ أي عند عودتنا إليها عودًا حميدًا.. نُقيم أمره عقيدةً وخلقًا ومنهاجًا وسلوكًا.. عند ذلك يستكمل المسلمون عناصر قوتهم ويجتمع شملهم وتتوحد إرادتهم، وتعود لهم العزة والأنفة والمهابة بعدما يكون جبريل (عليه السلام) على رأس الكتيبة، وهنا يرمز الشاعر إلى أن القتال هنا تحت راية الله عز وجل.. أي للإسلام وبالإسلام، وعلى منهج الإسلام، ويومها يفرح المؤمنون بنصر الله.

 

الشاعر قد ظلم نفسه

يقول د. أسامة جمعة الأشقر، وهو الذي عُني- مع غيره- بجمع أعمال الشاعر وحررها وعلَّق عليها، ونشرها في مجلدٍ ضخم- جزاه الله خيرًا- يقول: إن الدكتور عبد الرحمن بارود قد ظلم نفسه؛ من حيث أراد بتأخير تقديم فنه وشعره وأدبه للنخب الثقافية.. فقد كان محيطه الشعري محدودًا مقصورًا على جملةٍ من أصدقائه وإخوانه في دائرة علاقاته.. بل إن كثيرًا مما نُشر في الشبكة العنكبوتية وبعض الدواوين المحتوية على بعض قصائده كان الفضل في نشرها لهؤلاء بإصرارهم.. ويذكر الناشر الكريم أنه حاول مرارًا إقناعه بنشر أعماله الكاملة فكان يزهد ويتمنع كثيرًا؛ وذلك لتواضعه الجم وزهده الواضح، كما كان يشغله ويمنعه من النشر خشيته أن يُخرج أشعاره قوم لا فقهَ لهم في الشعر واللغة الجزلة التي يكتب بها شعره.

 

وكان من سمات شعره- رحمه الله- أنه كان مُتمكنًا من العربية الفصحى، واسعَ المعرفة، واثقَ الأداء، قويَّ الحضور، صاحبَ رأى وقضية منافحًا عنها، مجاهدًا في سبيلها، مقاتلاً صبورًا يذبُّ عن حياضها كل معتدٍّ مارقٍ أو دخيلٍ غاصب.

 

وجديرٌ بالذكر أن الشاعر كان يُحلِّق في أجواء شعرية جاهلية أو أموية أو عباسية؛ من حيث الأسلوب واللغة الجزلة وتحري الفصحى غير أنه كان يُخرجها في معانٍ وصور حديثة معاصرة ويعالج قضايا الواقع الحي المعاش وبالأخص قضية فلسطين، وما ذلك إلا لتمكنه من نواصي اللغة.. وتجذّرها في وجدانه ولرغبته في إحياء هذا المنحى من الكتابة، بعدما جافاه كثير من الكتاب والمبدعين.

 

الشاعر له رؤية فكرية

ويذكر ناشر مجموعة الأعمال الكاملة للشاعر أن المعاني التي تصدر عن أي أديب إنما تصدر عن رؤية فكرية يلتزم بها ويعتقدها.. وهو ما نلمسه في شاعرنا د. عبد الرحمن بارود فهو يمثل رؤيةً فكريةً ملتزمةً، تُشكِّل مرجعيتها الإسلامية الحركية المنظومة الأوسع في تشكيله الأدبي.. وهو بلا شك شخصية تربوية ودعوية تعالج المستوى الشعوري النفسي والمستوى السلوكي العملي في مخرجاتها الأدبية، كما أنه يمثل شخصيةً ذات رؤية سياسية تستند إلى منظومتها الفكرية في معالجة القضايا السياسية.

 

لذلك نرى شاعرنا شديدَ الاعتزاز بدينه وفكرته، عظيمَ التعصب لها، كما أنه شديد الانحياز والتعاطف لكل مسلم باعتبار ديانته لا جنسه، وهذا ما تربَّى عليه جيله وجيلي في أحضان مدرسة الإخوان المسلمين، عندما كنا نردد في طفولتنا في الأربعينات من القرن الماضي:

وطني الإسلام لا أبغي سواه       وبنوه أينما كانوا إخوتي

مصر والشام ونجد ورباه         مـع بغداد جميعًا أمتي

 

والشاعر.. مع هذه الجذور المؤثرة في وجدانه، ينتصر لكل قضيةٍ تمسُّ أية أمة إسلامية؛ حيث كانت في كل بلد من بلاد الإسلام.. ويعتبر- بحق- أن مصابهم مصابه، وآلمهم آلمه، وهو لا ينسى المصائب الكبيرة الأولى التي جعل فيها الأندلس المفقودة مصيبة الأمة التاريخية الكبيرة التي ينبغي ألا تغيبَ عن الأذهان.

 

الشاعر وقضية "السلام"

يتناول الدكتور عبد الرحمن في شعره قضايا كثيرة منها "التائهون على الدروب والمجاهدين والشيخ أحمد ياسين.. وعن العابثين الذين يتخذون من (هجوم السلام) طريقًا لحل القضية، فيرد عليهم بقصيدة تحمل نفس العنوان (هجوم السلام)، وهي بتاريخ 5/ 7/ 1989م يقول فيها- رحمه الله-:

يَا حَمَامَ السَّلاَمِ عُدْ يَا حَمَامُ           لاَ يَفُلُّ الحُسَامَ إلاَّ الحُسَامُ

في زَمَانِ الصُّقُورِ صِرْتُمْ حَمَامًا        كَيْفَ يَحْيَى مَعَ الصُّقُورِ الحَمَامُ ؟!

أَيُّ عُرْسٍ هَذَا تَزُفُّونَ مَاذَا؟!                ولِمَاذَا يُطَبِّلُ الإعْلاَمُ؟!

أَيُّهَا البَائِعُونَ حَيْفَا ويَافَا              أَهُجُومٌ هَذَا أَمِ اسْتِسْلاَمُ ؟!

      ثَكِلَتْ أُمُّكُمْ أَلَيْسَ لَدَيْكُمْ                غَيْرُ )عَاشَ السَّلاَمُ- يَحْيَا السَّلاَمُ)؟!

أَوَ غَيْرَ السَّاطُورِ يُبْصِرُ شَيْئًا           تَاجِرُ البُنْدُقِيَّةِ اللَّحَّامُ

 

حب الشاعر للشهادة والاستشهاديين

يقول- رحمه الله- على لسان الشهيد سعيد الحوتري "أحد الاستشهاديين" (يونيو عام 2001م):

أَمُحَرِّقِي بِشُوَاظِ نَارِكَ   خُذ نَصِيْبَكَ مِنْ حُرُوقِي

   خُذْ هَذِهِ الأقْسَاطَ    واخْصُمْهَا مِنَ الدَّيْنِ العَتِيْقِ

سَجِّلْ لَدَيْكَ اسْمِي سَعِيْدٌ   والأُلُوفُ علَى الطَّرِيْقِ

 

وفي موقف آخر يقول على لسان (سعيد) وقد جعل البرلمان الصهيوني (الكنيست) رمزًا لما أقام الصهاينة من أبنية على أرض فلسطين يقول:

شُدُّوا علَيَّ حِزَامَيَ   المَحْشُوَّ بالمَوْتِ الزُّؤَامِ

 زِيْدُوهُ عَشْرَ قَنَابِلٍ          فاليَوْمَ يَوْمُ الانْتِقَامِ

 أَشْوِي بِهِ في النَّارِ مَنْ         بَنَوُا (الكِنِيْسِتَ) مِنْ عِظَامِي

 

آثار شاعرنا على أبنائه وأحفاده

يطول الحديث إذا تتبعنا آثار الدكتور عبد الرحمن الاجتماعية والتربوية على المحيطين به من زوجة وبنين وبنات وأحفاد، وأكتفي هنا من باب الاختصار بنقلي شهادتين من أحفاده، نقلتهما زوجتي عندما سافرت إلى جدة لعزاء أختها والأسرة الكريمة في مصابهم الأليم:

الشهادة الأولى: من (أمل محمد غالي) صف ثاني إعدادي، وهي بنت ابنتنا الفاضلة خديجة عبد الرحمن بارود.. تقول أمل (مع بعض التصرف): (جدي كان محبوبًا من الجميع ومن كل الفصائل الفلسطينية.. ويعاملهم أحسن معاملة.. ويكرم ضيوفه.. وكان عند سماع الآذان ينادي على الأحفاد للذهاب إلى المسجد.. وكان يحب إكرام أهله.. ويشتري لهم ما لذَّ وطاب من الحلوى والفاكهة.. وكان يذهب لعزاء جيراننا عند وفاة أحد منهم حتى إذا كان لا يعرفهم.. وحكى لنا عن المعاناة في حياته سواء عن الهجرة أو السجن الحربي في مصر.

 

وحكى لنا عن أول قصيدة شعر له وهو صغير، وأنه ألقاها في مدرسته الابتدائية، وحصل على جائزة (قليل من الزبيب) وفرح بذلك كثيرًا.

 

وكان يجمع أسرته كلها (بنين وبنات وأزواج وأحفاد) ويوزّع على الصغار خرجية (مبلغ من المال)، وكان يحب المزاح ويحكي النكت الظريفة.. وكان يتمنى أن يذهب مرة أخرى إلى قريته (بيت دراس) في فلسطين والصلاة في المسجد الأقصى).

 

الشهادة الثانية: يحكي الحفيد (همام محمد غالي) شقيق أمل.. وهو أصغر منها.. يقول كنت أحب جدي.. وكان حريصًا على أداء الصلاة في المسجد ويأخذنا معه.. وكان يقول لي (يا همام يا أبا محمد لا تفكر في الحرام.. ولا تفعل الحرام ولا تنظر إلى الحرام، وقد أثّر في جدي بالتقوى وعمله الصالح.. وكان يمنعني من إيذاء أي شيء ولو كانت قطة.. ويقول (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) وكان يقول: إنه سيموت فكنت أحزن وأبكي.. وكان طيبًا مع الطيب وطيبًا مع الفاسد.. وآخر ما قاله في لقاء الأربعاء الذي يجمع الأسرة كلها (اللهم اجمعنا في جنات الفردوس)، وكان كثيرًا ما يحكي لنا عن فلسطين وحماس.. وكان يملأ أوقات فراغه بالاستغفار.

 

هذه بعض آثار الدكتور عبد الرحمن بارود في محيطه العام الواسع (فلسطين والعالم الإسلامي) ومحيطه الخاص العائلي.. أذكرها لما فيها من عبرة وعظة.

تقبَّله الله في الصالحين وأنزله منازل الصديقين.