في أول زيارة لي إلى بيروت بعد انتهاء الحرب الأهلية المدمرة لحضور ندوة عقدها "مركز دراسات الوحدة العربية"، سعدت بلقاء مع فضيلة المرجع الشيعي المشهور "محمد حسين فضل الله" ورتّب الزيارة وقتها الصحفي الشاب "قاسم قصير" الذي بات الآن مرجعًا صحفيًّا وسياسيًّا شهيرًا.
لم تتوقف لقاءاتي وزياراتي للمرجع الكبير مع كل زيارة إلى بيروت، وكانت إحداها برفقة الأخ الحبيب أ. د. محمد حبيب.
وأمس فقدنا جميعًا العلاّمة الفقيه المرجع الكبير بعد مرض طويل ونزيف داخلي عن عمر ناهز الـ75 عامًا، قضاها بين العلم والسياسة، وداعيةً للتقريب بين السنة والشيعة.
كان العلامة "فضل الله" مستهدفًا من الإدارات الأمريكية المتتالية منذ اتهمته أمريكا برعاية "حزب الله" كمرشد روحي، وأنه كان وراء التفجير الشهير الذي دمّر مقر المخابرات الأمريكية في بيروت عام 1983م، وقد قصفت القوات الأمريكية الضاحية الجنوبية 1985م مستهدفة ما توهمته موكبًا له، فقتلت العشرات من الأبرياء، ونجا العلاّمة من الموت.
كان قويًّا في الحق، صارخًا ضد الظلم، داعيًا إلى السلم الأهلي في لبنان مجاهدًا ضد العدوان الصهيوني والعدوان الأمريكي، حاضنًا للمقاومة في كل مكان.
كان من القلائل من المراجع الشيعية الذي أقام صلاة الجمعة في اجتهاد جديد، وقد حضرت بمسجده الجامع في الضاحية في خطبة له لم تختلف كثيرًا عن خطب ولا صلاة أهل السنة، ركّز في الخطبة الثانية على قضايا وأحداث الساعة، وتعوّد الإعلام اللبناني والعالمي على متابعة خطبته الأسبوعية؛ لينقل عنه آراءه في الأحداث الجارية.
كان سمته وقورًا هادئًا متبسمًا، وكان حديثه طليًّا عذبًا له مؤلفات عديدة، وله مقلدون كثيرون، خاصةً في دول الخليج ولبنان.
باعدت المواقف والأحداث بينه وبين الحكومات الإيرانية المتعاقبة، ما جعله هدفًا لحملات مسيئة، لكنه كان حكيمًا شجاعًا مجتهدًا في المذهب الشيعي، مصححًا لبعض المرويات المغلوطة، ومبينًا لآراء فقهية تقرّب بين السنة والشيعة.
كان مؤسسًا لمرجعية شيعية عربية جديدة بعيدًا عن المرجعية الأساسية في النجب الأشرف الذي درس وتعلم فيه، وعن مرجعية "قم" التي ازدهرت بعد الثورة الإسلامية في إيران.
ضعفت صلته بحزب الله في لبنان في السنوات الأخيرة، لكنه ظل رمزًا للشجاعة والبطولة والتصدي للباطل.
فقدنا برحيله علمًا من الأعلام، وداعية للتقريب، ومجتهدًا متميزًا وخطيبًا مفوهًا، نسأل الله أن يتغمده بواسع الرحمة، وأن يعوض الأمة عنه خيرًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.