فقد الأب وعيه، ومن طول رقاده أُصيب جسده بتقرحات الفراش، وصار في حالٍ يُرثى لها بعد أن تسلَّل الدود لينهش لحمه، وهو يتألم صامتًا، لكنه كما يقولون: "لا يهش ولا ينش".

 

أدرك الأبناء خطورة الحال التي وصل إليها والدهم على حياته وحياتهم أيضًا؛ فتحركوا لإنقاذه، وإعادته إلى وعيه كي يتخلص من القرح والدود.

 

خرج بعضهم إلى الصحف، وكتبوا المقالات النارية يدعون فيها أباهم إلى اليقظة والانتباه؛ لكنهم نسوا أن أباهم أميٌّ لا يقرأ، وحتى لو كان يقرأ، فهو لا يملك فضل مال يشتري به الصحف.

 

اتجه بعضهم إلى مقاهي الإنترنت، ودونوا المدونات، وكوَّنوا المجموعات، وسودوا ملايين الصفحات، لكنهم نسوا أن أباهم لا يستخدم الكمبيوتر، وحتى لو كان يستخدمه فهناك ما يشغله عن مطالعة ما يجري.

 

نزل بعضهم إلى الشارع، وقادوا المسيرات والمظاهرات، وهتفوا الهتافات، لكنهم نسوا أن الأب لطول رقاده يخاف عاقبة هذه الأصوات، وينفر منها.

 

ظهر بعضهم في الفضائيات، وارتفع صوته مؤيدًا وداعمًا ومؤيدًا، ومطالبًا ومنددًا وشاجبًا ومستنكرًا، لكنهم نسوا أن الأب لا يتابع هذه القنوات.

 

أطلق بعضهم النكات، وأخذ يلقي الأشعار والزجل والقصص والحكايات، لكن الأب ظل في سباته العميق بين الحياة والممات.  

 

كان الابن الأكبر حكيمًا، فأحسن تشخيص حالة الأب، وعرف سبب البلاء الذي هو فيه، وبحث؛ فوجد علاجه الشافي في الكتاب، ولم يخرج من البيت، بل جلس بجوار والده يؤنسه، ويعطيه الدواء جرعةً وراء جرعة، ويربت على كفيه، ويبتسم في وجهه، وينظر إليه نظرات حانية، يستعطفه بها كي يفيق؛ ليصلح من حاله، ويستعيد دوره في الحياة.

 

ونظرًا لاستمرار مرض الأب، اشتبك بعض الأبناء مع بعضهم، وتبادلوا الاتهامات بالمسئولية عن تواصل التدهور في حالة الأب، واتهموا الابن الأكبر بالعجز والجبن لأنه لا يفعل مثلهم.

 

التفت إليهم أخوهم الأكبر قائلاً: لا تجعلوا همكم هو إثبات فشل الآخرين، فمشكلتنا هي والدنا الذي فقد وعيه فأصابه ما أصابه، فإن كنتم صادقين في حبكم له، تعالوا نتفق على الطريقة التي نعيد بها الوعي إلى والدنا، ونوحِّد جهودنا حتى تثمر ثمرتها المرجوة، فإن أبيتم؛ فها هو والدنا أمامكم، فليجعل كل واحد منا همه الأكبر العمل على إيقاظ والده، ولا تلتفتوا عن هذا الهدف.