"انتفض الجسد المترهل الساكن من على كرسيه المتحرك، قام بعد أن استجمع كل قواه وكأنه ابن العشرين، مدَّ يده إلى معوله وكسر الأسورة الحديدية الصلبة، بعدما عجز زمرة من الشباب أن يكسروها مجتمعين، أحسَّ بعدها هذا الجسد أن حِملاً قد وقع من عليه، وأن همًّا ممتدًا لازمه طيلة أربعين عامًا قد سقط من على ظهره".
هذا مقطع من رواية للأديب النيجيري "وول سونيكا" دار بخلدي وأنا أقرأ روايته بعدما حدث في الأسابيع الأخيرة في مصر، وأن الذي حدث لهذا الجسد المترهل الساكن، حدث مع الجماهير الصامتة دون إرادتها المغلوبة على أمرها، كأن شيئًا ما هزَّ هذا الجسد بعنف، وكأنها كانت تنتظر من يوقظها من هذه الغفلة، وينادي عليها بأعلى صوت.. متى تفيق؟.. متى تستيقظ؟.. انظر من حولك الكل تغيَّر وتحرَّر وتمرَّد على البطش، انهض قبل أن يفوت قطار العصيان، فينظر إلى من حوله فلا يجد إلا عبوس وجه، وسخط شعوب، وهزات ريختر تدفع بعنف إلى حيث يريدون، فيقف برهة ويفكِّر أفعل أو لا أفعل، وإذا فعلت فما مصير بناتي اللواتي لم يتزوجن؛ هل سيطولهن طابور العنوسة؟، وإذا فعلت هل أكون تحت رحمة بطش أمناء الشرطة والمخبرين؟، أو فعلت هل أُحرم من راتبي الهزيل الذي ينتهي وقت أن أتسلمه؟! وإذا بشرارة توقد وإذا بالثورة تشتعل وبدلاً من العجز يصبح القوة إلهامه، وينقلب الصمت الخافت إلى نداء استغاثة يملأ الدنيا.
كل هذا حدث في يوم وليلة، وها هو نموذج شهدته الإسكندرية متمثلة في حادثة شاب في ريعان شبابه، طريقه وردي، يتمتع بكامل قواه البدنية والعقلية، يناديه المستقبل المشرق أن الدنيا أمامك، تمتع بها، واصنع منها نجاحاتك؛ لكن يبدو أن إرادة الله لم تدم كثيرًا؛ فقد تغيَّر الوضع وأصبح خالد سعيد مجرد ماضٍ وتبدلت الشمس الذهبية إلى لون السواد المثقوب، يظهر من بين ثناياه صوت صراخ صّم الآذان وهيَّج مشاعرها المتأججة.
مصر كلها وقفت تلبي نداء الحرية فعلت ما كانت ترغب فيه أن يكون منذ عشرات السنين، خرجت وقد أدمت بكل طوائفها دمع البائسين أعلنوا خلالها صغارًا وشيوخًا رجالاً ونساءً أن لا قهر بعد اليوم ولا سكون سيمر على مصر من الآن فصاعدًا.
كل القوى الوطنية أعلنت الحداد واتشحت بالسواد من الإخوان المسلمين إلى الحركات الشعبية ممن لهم تواجد وممن انكسف، كلهم خرجوا لا يبغون إلا نصرة الحق ولا شيء سواه، كلهم قالوا إن شيئًا من الخوف قد زال، أما الآن فلا تراجع.
ظلت الشعوب تصرخ.. ألم يكفكم مئات الضحايا؟.. ألم يكفكم ما فعلتموه في حمادة عبد اللطيف من قبل؟.. ألم يكفكم قتل أكرم زهيري وهو في عربة الترحيلات؟.. ألم يكفكم ما فعلتموه في عم صابر من جلد وتعذيب؟.. والقائمة تطول.. آخرها خالد سعيد.
حتى الشريف سجنتموه والمرتشي تركتموه.. ألم.. ألم، إنها بداية انهيار الحكم السلطوي المستبد الفرعوني، وبداية حياة جديدة تقف بالمرصاد من الآن فصاعدًا بكل قوة ضد أي ظلم أو عدوان مهما كانت قوته وعنفوانه وسلطانه.. كثيرًا ما كنت أحاور نفسي بخصوص تلك المشكلة، وأنتهي بنفس السؤال: هل كل واجبي أن أدفع الناس للذهاب إلى صناديق الانتخابات وتعريفهم بأن صوتهم حقٌّ تامٌّ لا تفريط فيه، فإذا بكل الجماهير تخرج إلى الصناديق، فذهبوا وانتخبوا دون تفكير وماذا بعد! وكان السؤال الأهم هو أن أذكرهم بأنه مهما بلغ الظلم أشدٍٍٍه فلا بد وأن ينتهي ويزول حتى ولو انتظرنا سنين طوال.
أستطيع أن أتفهم ما ستقولونه عن أن هذا مستحيل، وأنه من باب الأفلام الأبيض والأسود لكن هي الحقيقة.. إن الإيمان بالله ومعرفتنا بأن الرجل الواحد يبني أمة إذا صحت رجولته مهما كان حجمه أمام الناس لكنه عند الله كبير!
إن الحقيقة التي نحن بصددها هي مشروع انتفاضة شعب كان جسدًا مترهلاً ساكنًا أصبح الآن في ليلة أو ضحاها يفعل ما قاله الأديب النيجيري "وول سونيكا" يستجمع كل قواه ويضرب بالمعول ليكسر حاجز الخوف وحتى وإن كان قلبه خائفًا لا يراه إلا الله.