دعا فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، القادة والرؤساء والزعماء أن يتخذوا من رمضان فرصة ليحرِّروا إرادتهم، ويتحلَّوا بأخلاق الصيام وشمائله، وينحازوا إلى مصالح أمتهم وشعوبهم؛ كي ينالوا رضا ربهم وثقة شعوبهم وأمتهم، مشيرًا إلى أن ما عليه الأمة من ذلٍّ وهوان هو نتاج سياساتهم البعيدة عن مصالح شعوبهم والمؤْثرة للمصالح الخاصة على العامة.

 

وقال فضيلته- في رسالته الأسبوعية التي حملت اسم "رمضان.. شهر بناء الإرادة وتحريرها"-: إن الباعث الحقيقي للتغيير داخلي؛ فمن انهزم داخل نفسه كان أعجز من أن ينتصر على غيره، داعيًا إلى أن نجعل من رمضان فرصةً حقيقيةً للتغيير والانطلاق الجادِّ نحو تحرير إرادتنا على كلِّ الأصعدة، والتمسك التامِّ بما يأمرنا الله به، والعمل الجادِّ لتحقيق أوامره وتطبيقها على أنفسنا.

 

وشدَّد على أن تحرير إرادتنا هو سرُّ قوتنا ونصرنا وعدم تحكم أي قوة فينا، وهو الدافع الحقيقي لرفض الإهانة والذلِّ والهوان الذي قد يرضى به بعض ضعاف النفوس ممن لا يَحيون صوم رمضان واقعًا معيشًا، مشيرًا إلى أن أول الهم إرادة، وآخر الهم همة.

 

ودعا فضيلته الأمة الإسلامية قائلاً: "لنتحركْ ولندعُ إلى الله في كلِّ وقت وحين، ولا نهدأ ولا نملّ، ولنجعل من التربية الرمضانية زادًا روحيًّا لنا؛ لتحقيق مستهدفاتنا، ولنبذل أقصى وُسع لنا في تحقيق ذلك، وليكن شعارنا كما قال بعض السلف: "أعظم الناس وسعًا أعظمهم إيمانًا"، واعلموا أن أولى الخطوات على طريق النصر هي تحرير الإرادة من كلِّ الجواذب الأرضية".

 

وأضاف د. بديع: "فلنجعل من رمضان فرصةً لتقوية الإرادة والاستعلاء على الشهوات والمألوفات، والتحرُّر من أسر العادات، حتى نكون ممن أدركهم الله برحمته فوفِّقوا لصيام رمضان وقيامه إيمانًا واحتسابًا فغُفر لهم"، مشيرًا إلى أن قوة العزيمة والإرادة التي يرسِّخها الصوم في نفوسنا هي ما تحتاجه الأمة في مواجهة الأهواء والشهوات والفتن والتحديات، وتحتاجها لمواجهة ميل النفوس إلى الدعة والراحة وإيثار السلامة على الجهاد والتضحية والبذل والعطاء.

 

وأوضح أن التغيير الذي يحدثه رمضان في النفوس ليس فرديًّا وحسب، ولكنه تغيير جماعي على كلِّ المستويات، ويشمل الأمة بجميع عناصرها، وأن الأمة في أمسِّ الحاجة إلى تحرير إرادتها، وفي المقدمة منها رؤساؤها وزعماؤها، فهم مطالبون بتحرير إرادتهم من تأثير كل تبعية خارجية لا ترجو الخير للأمة ولا لمستقبلها، فهم لا يملكون لهم نفعًا ولا ضرًّا ولا عزًّا.

 

وأشار إلى أن الصيام يربي الإنسان على أن يكون حرًّا في حياته كلها؛ كما أنه ينمي استقلال الإرادة، ويمرِّن الصائم على اعتياد التحرر ليواجه التحديات والصعاب بمزيد من الثبات والعزم والجلد، وأنه إذا استفاد المسلم من هذا الشهر المبارك قويت عزيمته وإرادته، وطالت مدة التغيير فاستوعبت الشهر كله، موضحًا أن العبادات في الإسلام تستهدف دعم العنصر الروحي في الإنسان حتى تتمَّ له الغلبة على العنصر المادي.

 

وأضاف: "تلك التجربة العظيمة في ترويض النفس بالجوع وتحرير الإرادة بالحرمان وتقوية العزيمة بالصيام جديرةٌ في ذاتها بالتقدير والاعتبار؛ لما لها من أثر بالغ في تربية شخصية المسلم الصائم، وصقلها، وتنقيتها من شوائب الضعف والوهن والخمول، وبهذا يتحقق فينا "المسلم القوي الأمين" الذي هو أحب إلى الله جلَّ جلاله، كما أخبر عن ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله: "المؤمن القويُّ خيرٌ وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف".

 

واختتم فضيلته رسالته مخاطبًا الأحباب خلف الأسوار قائلاً: "لقد ضربتم بثباتكم وصبركم- ومعكم أسركم وأبناؤكم- أعظم المثل في تحرير إرادتكم، وعدم تحكُّم أحد- أيًّا كان- فيكم، وواجهتم جميعًا ما أنتم فيه بعزم لا يعرف العجز ولا الهزيمة، فاعلموا أن المنهزم هو الذي لم يستطع أن ينال من إيمانكم وفكركم، وهؤلاء هم من ستخور إرادتهم إن لم يفيئوا إلى رشدهم، ويعودوا إلى طريق ربهم.. أعانكم الله على طاعته وبرِّه، وعجَّل لكم بفرجه القريب عاجلاً غير آجل، وخَلَفَكم في دعوتكم وأمتكم وأهليكم وأبنائكم وأموالكم بخير ما يخلف به عباده الصالحين".

 

طالع نص الرسالة