وفي رسالة الجهاد، يواصل الإمام الشهيد منهجه التربوي في شرح حقيقة الجهاد، ومن ملامح ما قدَّم:
1- ردَّ الشبهات التي يُثيرها أعداء الإسلام ضد الجهاد ودواعيه.
2- الإكثار من الشواهد القرآنية، والأحاديث النبوية خُلوصًا إلى الإقناع.
3- الحرص على توثيق الروايات المختلفة للأحاديث النبوية والأخبار.
4- الربط بين ماضينا القوي المنتصر وحاضرنا المستضعَف المنكسر.
فلنواصل مسيرتنا مع "رسالة الجهاد" للإمام الشهيد:
لماذا يقاتل المسلم؟
أتى على الناس حين من الدهر، وهم يغمزون الإسلام بفرضية الجهاد وإباحته، حتى تحقَّقت الآية الكريمة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: من الآية 53)، فها هم الآن يعترفون بأن الاستعداد هو أضمن طريق للسلام.
فرض الله الجهاد على المسلمين لا أداةً للعدوان، ولا وسيلةً للمطامع الشخصية، ولكن حمايةً للدعوة، وضمانًا للسلام، وأداءً للرسالة الكبرى التي حمل عبأها المسلمون، رسالة هداية الناس إلى الحق والعدل، وإن الإسلام كما فرض القتال أشاد بالسلام، فقال تبارك وتعالى:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ (الأنفال: من الآية 61).
كان المسلم يخرج إلى القتال وفي نفسه أمر واحد: أن يجاهد؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وقد فرض دينه عليه ألاَّ يخلط بهذا المقصد غاية أخرى: فحب الجاه عليه حرام، وحب الظهور عليه حرام، وحب المال عليه حرام، والغلول من الغنيمة عليه حرام، وقصد الغلب بغير الحق عليه حرام، والحلال أمر واحد أن يُقدِّم دماءه وروحه فداءً لعقيدته وهداية الناس.
عن الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فلما بلغنا المغار استحثثت فرسي فسبقتُ أصحابي، فتلقَّاني أهل الحي بالرنين، فقلت لهم: قولوا لا إله إلا الله تحرزوا، فقالوها، فلامني أصحابي، وقالوا: حرمتنا الغنيمة، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه بالذي صنعتُ، فدعاني فحسَّن لي ما صنعت، ثم قال لي: "ألا إن الله تعالي قد كتب لك بكل إنسان كذا وكذا من الأجر"، وقال: "أمَّا إني سأكتب لك بالوصاية بعدي"، ففعل وختم عليه ودفعه إليَّ". (أخرجه أبو داوود).
وعن شداد بن الهادي رضي الله عنه: أن رجلاً من الأعراب جاء فآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكانت غزاة غنم فيها النبي صلى الله علية وسلم شيئًا، فقسَّم وقسَّم له، فقال: ما هذا؟ فقال: "قسمته لك"، فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على إن أُرمى إلى ههنا- وأشار بيده إلى حلقه- بسهمٍ فأموت فأدخل الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن تصدق الله يصدقك".. فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به إلى النبي محمولاً قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهو هو؟" قالوا: نعم، قال: "صدق الله فصدقه", ثم كُفِّن في جبَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدَّمه فصلى عليه.. فكان مما ظهر من صلاته: "اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقُتل شهيدًا، وأنا شهيدٌ على ذلك" (أخرجه أبو داوود).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن رجلاً قال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضًا من الدنيا، فقال: "لا أجر له".. فأعادها عليه ثلاثًا كل ذلك يقول: "لا أجرَ له" (أخرجه أبو داوود).
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: "سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يُقاتل شجاعةً ويقاتل حميةً ويقاتل رياءً.. أي ذلك في سبيل الله؟ قال: "مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". (أخرجه الخمسة).
وأنت إذا قرأت وقائع الصحابة رضوان الله عليهم، ومسالكهم في البلاد التي فتحوها، رأيت مبلغ عزوفهم عن المطامع والأهواء، وانصرافهم لغايتهم الأساسية الأصلية؛ وهي إرشاد الخلق إلى الحق حتى تكون كلمة الله هي العليا، ورأيت مبلغ الخطأ في اتهامهم رضوان الله عليهم بأنهم إنما كانوا يريدون الغلب على الشعوب، والاستبداد بالأمم، والحصول على الأرزاق.
*****
الرحمة في الجهاد الإسلامي
لمَّا كانت الغاية في الجهاد الإسلامي أنبل الغايات، كانت وسيلته كذلك أفضل الوسائل فقد حرَّم الله العدوان، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: من الآية 190), وأمر بالعدل حتى مع الخصوم، فقال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8), وأرشد المسلمين إلى منتهى الرحمة.
فهم حينما يقاتلون لا يعتدون، ولا يفجرون، ولا يمثِّلون، ولا يسرقون ولا ينهبون الأموال، ولا ينتهكون الحرمات، ولا يتقدمون بالأذى، فهم في حربهم خير محاربين، كما أنهم في سلمهم أفضل مسالمين.
عن بريدة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر الأمير على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى ومَن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا مَن كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا ولا تقتلوا وليدًا" (رواه مسلم).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه" (أخرجه الشيخان).
كما ورد النهي عن قتل النساء والصبيان والشيوخ، والإجهاز على الجرحى، وإهاجة الرهبان والمنعزلين، ومَن لا يقاتل من الآمنين، فأين هذه الرحمة من غارات المتمدنين الخانقة وفظائعهم الشنيعة؟ وأين قانونهم الدولي من هذا العدل الرباني الشامل؟
اللهم فقِّه المسلمين في دينهم، وأنقذ العالم من هذه الظلمات بأنوار الإسلام.
*****
ما يلحق بالجهاد
شاع بين كثيرٍ من المسلمين أن قتال العدو هو الجهاد الأصغر، وأن هناك جهادًا أكبر هو جهاد النفس، وكثير منهم يستدل لذلك بما يروى: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، قالوا وما الجهاد الأكبر؟ قال: "جهاد القلب أو جهاد النفس".
وبعضهم يحاول بهذا أن يصرف الناس عن أهمية القتال والاستعداد له ونية الجهاد والأخذ في سبيله، فأمَّا هذا الأثر فليس بحديث على الصحيح، قال أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر في تسديد القوس: هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن عبلة.
وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر، ورواه الخطيب في تاريخه عن جابر؛ على أنه لو صحَّ فليس يعطي أبدًا الانصراف عن الجهاد والاستعداد لإنقاذ بلاد المسلمين، ورد عادية أهل الكفر عنها، وإنما يكون معناه وجوب مجاهدة النفس حتى تخلص لله في كل عملها، فليعلم، وهناك أمور تلحق بالجهاد منها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد جاء في الحديث: "إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
ولكن شيئًا منها لا يوجب لصاحبه الشهادة الكبرى وثواب المجاهدين إلا أن يَقتل أو يُقتل في سبيل الله.
-------------