يهل علينا هلال رمضان هذا العام والملايين من المسلمين في شتى بقاع الأرض يمرون بكوارث شديدة جدًّا، فيضانات بباكستان والسودان، فضلاً عن الحرائق التي سببت الذعر في روسيا؛ حيث يعيش ملايين المسلمين، كما تسببت الانزلاقات والانهيارات الطينية بالصين في موت الآلاف بغرب الصين؛ حيث يكثر المسلمون، كل هؤلاء يأتي عليهم رمضان في تلك الظروف القاسية، بينما نهتم نحن بأسعار السلع وارتفاع الأسعار والمسلسلات والصراع بين الفنانين والفضائيات؛ وكأن رمضان لا يحرِّك فينا المشاعر، وكأن العبادات في الإسلام ليس لها دور أخلاقي ولا اجتماعي.
العبادة في الإسلام هي كمال الحب مع كمال الذل لله.
العبادة في الإسلام هي مظهر الخضوع التام والاستسلام لله تعالى.
ولكن للعبادة في الإسلام آثارًا أخرى لا تقل أهمية في تحقيق قيم معينة يريد الله من العباد أن يتمثلوا بها في حياتهم، كما تعمل العبادات على تحلية المؤمنين بأخلاق نبيلة وصفات عظيمة.
وتكرار العبادات بصورة منتظمة يؤدي بالعبد إلى التأمل في تلك المقاصد والتحقق بتلك الأخلاق حتى لا تتحول إلى عملية آلية ميكانيكية.
وفي شهر الصوم الذي أخبر الله تعالى في الحديث القدسي أنه له وهو يجزي به، وأعلن في آية فرض الصيام أنه لتحقيق التقوى في العباد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة).
الشهر العظيم الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أن "أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار"، في هذا الشهر نقف اليوم وقفة لنتأمل في أهم الأخلاق التي يجدر بنا أن نرسخها في حياتنا، وأن نتمثل بها عامًا بعد عام حتى تتمكن من نفوسنا، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم "إنما الصبر بالتصبر، والحلم بالتحلم"، فالأخلاق منها ما وهبه الله للعباد، في أصل خلقتهم، ومنها أخلاق مكتسبة يكتسبها العبد بالمران والتعود.
ورمضان يجمع جميع العبادات الأصلية، فهو أساسًا شهر الصوم، وفيه يحافظ المسلم على صلاته بانتظام، ويؤدي النوافل بخشوع، خاصة صلاتي التراويح والتهجد، وفيه يخرج المسلم زكاة الفطر ويحرص على إخراج زكاة ماله حتى يحصل الثواب المضاعف للفريضة، وعمرة في رمضان بمثابة حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا توقفنا مع كل عبادة نجد أن الله تعالى يُحيي بالصلاة المفروضة التي نؤديها جماعة قيمة "النظام" في حياة المسلم، واحترام الوقت.
فللصلاة مواقيت محددة، وللجماعة إمام يتقدمهم، وللمصلين صفوف متراصة منتظمة، ولا يجوز مخالفة الإمام بالتقدم أو التأخر.
وهذه الصلاة هي التي أخبر الله عنها ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: من الآية 103)، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (العنكبوت: من الآية 45).
أما الزكاة وصدقة الفطر فإن الله تعالى يعظم بها قيمة التضامن الاجتماعي والتكافل بين أبناء المجتمع جميعًا؛ لإحياء التماسك الاجتماعي في المجتمع المسلم، وهي أيضًا تحقق في النفس البشرية خلق الرحمة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: من الآية 103).
أما الحج والعمرة فمن أبرز القيم التي ترسخها بين المسلمين قيمة المساواة، فالجميع في ملابس الإحرام وهتاف التلبية والطواف والسعي متساوون أمام الله.
وإذا عدنا إلى الصوم، مدرسة الثلاثين يومًا، هذا الشهر الفضيل الذي يتكرر معنا كل عام، ويصومه المسلم تقريبًا من 50 إلى 60 مرةً في العمر؛ فإنه يعمل على تقوية الإرادة البشرية لكسر العادات والمألوفات بالامتناع عن الشهوات، ويعمل على إحياء قيمة "حفظ السر" بينك وبين الله من الصغر حتى تتعود على ذلك في الكبر.
أما الأخلاق التي على المسلم أن يتحلى بها في رمضان؛ ليكمل بها مسيرته في بقية شهور العام طوال عمره، فأهمها أخلاق الرحمة والصبر والتسامح.
فالجوع الذي يمارسه الصائم كل يوم، خاصةً إذا صام صومًا جادًّا وليس صوم المتلهف على الطعام والشراب الذي يملأ بطنه طوال الليل لينام طوال النهار، هذا الجوع والعطش يحقق في نفس الصائم الرحمة بالجائعين طوال العام، ويدفع الصائم دفعًا إلى تقديم العون للبائسين من عباد الله، ليس في شهر رمضان فقط بل طوال العام.
لذلك كانت صدقة الفطر أيضًا طهرة للصائم وطعمة للمساكين، ولذلك يحرص الكثيرون على إخراج زكاة أموالهم كل عام في رمضان، ليجنبوها بعيدًا عن مالهم، أو يقدموها للقائمين على رعاية الفقراء؛ بحيث يتم صرفها لهم طوال العام، إما لأسر اليتامى أو لطلاب العلم الفقراء أو لتزويج الفتيات الفقيرات أو لتشغيل الشباب المساكين في مشاريع منتجة تمنعهم بعد ذلك من ذل السؤال.
والصوم لساعات طوال من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس كل يوم لمدة شهر كامل يعوّد الصغار والكبار على خلق الصبر.
فإذا استطاع المسلم أن يصبر على الحلال المباح استجابةً لأمر الله تعالى؛ فإنه قادر على الصبر على المكروهات والامتناع عن المحرمات طوال العمر بمشيئة الله وعونه.
فالصوم نصف الصبر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
ونحن بحاجة ماسة إلى تعلم خلق الصبر الذي مدح الله به عباده المؤمنين في 90 آية من القرآن الكريم، وأخبر ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: من الآية 10)، وهو ليس صبر العاجزين، بل صبر العاملين المجاهدين، المؤمِلين في نصر الله تعالى لهم.
هو صبر الذين لا يعجلون لعجلة الناس، ولا يهتزون أمام بطش الجبارين، ولا يقعدون عن الجهاد الصحيح المثمر، صبر الآملين المتفائلين القادرين على إنفاذ وعودهم وبيان قدرتهم، ولكنهم يملكون أنفسهم عند الغضب وعند اليأس وعند التهور والاندفاع.
والصوم يعوِّد المسلم على خلق التسامح والمروءة، فهو لا يقابل السيئة بالسيئة ولكن يقابل السيئة بالحسنة كما أمر الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)﴾ (فصلت)، وكما قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)﴾ (لأعراف)، وكما قال ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (الفرقان: من الآية 63)، وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96)﴾ (المؤمنون).
وقد علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أدب الصائم في رمضان كما قال: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وإن سابه أحد أو شاتمه، فليقل إني صائم.. إني صائم".
نعم الصائم يتخلق بخلق التسامح ولا يقابل الشتم بمثله، ولا السب بمثله، بل يحجزه الصوم عن الاندفاع أو العصبية.
نحن في حاجة قوية إلى أن نستفيد بهذه الدروس الرمضانية، وأن نتحلى بتلك الأخلاق النبوية، وأن نعود أنفسنا في رمضان على تغيير أخلاقنا حتى يتغير سلوكنا، فالخلق الباطن يظهر في السلوك الظاهر.
وليراجع كل منا نفسه من رمضان إلى رمضان؛ ليرى هل غيَّر من نفسه أم أنه ما زال كما هو؟، لينظر هل اقترب من تحقيق غاية وهدف الصوم وهو تقوى الله؟، لأن التقوى كلمة جامعة لكل الأخلاق الفاضلة الحميدة التي تعني في النهاية أنك تخاف الله، وتعمل ليوم ستعرض فيه على الله ومعك صحائف أعمالك بحسناتها وسيئاتها، ولا يثقل في الميزان يوم القيامة أفضل من حسن الخلق؛ كما أخبر الصادق المعصوم صلى الله عليه وسلم.
رمضان أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار؛ ماذا في ثلث الرحمة، فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
وهذه الرحمة تشمل الجميع من أفراد ومسئولين وحكام، ابدأ بنفسك فارحم القريبين منك، ثم ادع غيرك ليكون رحيمًا بالعباد، ثم انضم إلى قافلة المنادين للحكام بأن يتحلوا بالرحمة في هذا الشهر الفضيل، فقد التهبت الأسعار وعمَّ الغلاء، وأصبح المستور من العباد لا يجد قوت يومه، فهلا رحمتنا الحكومة عسى أن يرحمها الله.