وصلتني عدة رسائل تتمحور حول مشروعية عمل المرأة وضوابطه؛ لذا خصصت هذا المقال لمعالجة ذلك الأمر، وذلك بالرد على رسالتين من هذه الرسائل:
الرسالة الأولى
يقول صاحب هذه الرسالة: أنا موظف بسيط، وأحد الوافدين الذي يعملون بدولة الكويت، وراتبي لا يكفي إعالة أسرتي، وقد أتيحت فرصة عمل لزوجتي، من شأنها أن تزيد دخلنا، وتحسِّن مستوى معيشتنا، وتخفِّف عني أعباء الحياة وضغوطها، بما ينعكس على سعادة أسرتي، ويُسهم في قضاء ديوني المتراكمة.
ولكني أخشى على زوجتي الفتنة، فزوجتي آتاها الله حسنًا وجمالاً، وقد شاهدت بنفسي بعض النساء اللائي فتنَّ بسبب العمل والاختلاط بالرجال، وهؤلاء النساء لسْن مطلقات أو أرامل فحسب، بل للأسف منهن المتزوجات اللائي يعشْنَ مع أزواجهن، ومع ذلك نشأت بينهن وبين بعض الرجال ممن يحتكُّون بهن في العمل علاقة؛ فمنهن من أقامت علاقةً غير شرعية مع مديرها في العمل، ومنهن سكرتيرة لمدير إحدى الشركات، ومنهن من أقام معها أحد العملاء تلك العلاقة الآثمة؛ لذا فقد أرسلت إليكم هذه الرسالة، طالبًا منكم النصح السديد، والرأي الرشيد في موضوعي هذا، كما أرجو إجابتي عن سؤالين مهمين، هما: هل يباح العمل للمرأة؟ وإذا كان عمل المرأة مباحًا فما ضوابطه؟!
لعله من الأنسب أخي الكريم أن أضع بين يديك في صدارة إجابتي إجابة الشيخ العلاَّمة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي وفتواه في هذا الصدد؛ حيث سئل: ما حكم المرأة التي تعمل مع الرجل في مكان واحد؟ فأجاب فضيلة الشيخ بقوله: إن اللقاء بين الرجال والنساء في حدِّ ذاته ليس محرمًا، بل هو جائز، أو مطلوب إذا كان القصد منه المشاركة في هدف نبيل، من علم نافع، أو عمل صالح، أو مشروع خيري، أو جهد لازم، أو غير ذلك؛ مما يتطلب جهودًا متضافرةً من الجنسين، ويتطلب تعاونًا مشتركًا بينهما في التخطيط والتنفيذ والتوجيه.
ولا يعني ذلك أن تذوب الحدود بينهما، وتُنسَى القيود الشرعية الضابطة لكل لقاء بين الطرفين، ويزعم قوم أنهم ملائكة مطهَّرون، لا يُخشى منهم ولا عليهم، يريدون أن ينقلوا مجتمع الغرب إلينا، وإنما الواجب في ذلك هو الاشتراك في الخير والتعاون على البر والتقوى في إطار الحدود التي رسمها الإسلام.
حدود ضوابط عمل المرأة في الإسلام
أولاً: الالتزام بغضِّ البصر من الفريقين، فلا ينظر إلى عورة، ولا ينظر بشهوة، ولا يطيل النظر في غير حاجة، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور).
ثانيا: التزام المرأة بالزي الشرعي المحتشم قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: من الآية 31).
وقال تعالى في تعليل الأمر بالزي الشرعي والاحتشام: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾؛ أي أن هذا الزيَّ يميز المرأة الحرة العفيفة الجادَّة من المرأة اللعوب المستهترة، فلا يعترض أحد للعفيفة بأذى؛ لأن زيَّها وأدبها يفرضان على كل من يراها احترامها.
ثالثًا: الالتزام بأدب المسلمة في كل شيء، وخصوصًا في التعامل مع الرجال، ومن ذلك:
أ- الكلام: بحيث يكون بعيدًا عن الإغراء والإثارة، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (الأحزاب: من الآية 32).
ب- في المشي: فتكون مثل ابنة شعيب التي جاءت موسى عليه السلام على استحياء كما وصفها القرآن الكريم: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (القصص: من الآية 25).
ج- في الحركة: فلا تنكسر ولا تتمايل، كأولئك اللائي وصفهن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف بقوله: "المميلات المائلات".
رابعًا: تجنُّب كل ما يثير ويغري، كالعطر والزينة.
خامسًا: تجنُّب الخلوة مع رجل أجنبي، فذلك بمثابة وضع الحطب بجوار النار، وخصوصًا إذا كانت الخلوة مع أحد أقارب الزوج، فمنه جاء تحذير الحديث الشريف: "إياكم والدخول على النساء" قالوا يا رسول الله: أرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت"؛ أي هو سبب الهلاك لأنه يجلس ويطيل وفي هذا خطر شديد.
سادسًا: أن يكون اللقاء في حدود ما تفرضه الحاجة، وما يوجبه العمل المشترك، دون إسراف أو توسُّع يُخرج المرأة عن فطرتها الأنثوية، أو يُعرِّضها للقيل والقال، أو يعطِّلها عن واجبها المقدس في رعاية البيت وتربية الأولاد.
وفي ضوء ما سبق.. أستطيع أن أقول لهذا السائل: إن قبولك فرصة العمل هذه لزوجتك تتوقف على أمرين أساسيين، الأول: أن تضمن أن يكون مكان عملها مأمونًا، لا يؤدي بها إلى الاختلاط المؤدي على الفتنة، سواء أكان هذا الاختلاط بزملاء رجال في العمل، أم بعملاء أو زبائن يتردَّدون على مكان العمل، والأمر الثاني يرتبط بمعرفتك لزوجتك ومدى التزامها بضوابط العمل التي ذكرتها أنا آنفًا، نقلاً عن عالم من الثقات، هو فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي.
الرسالة الثانية
أتت هذه الرسالة شفاهةً؛ حيث جمعني لقاء بأحد رجال الأعمال المتحمِّسين لعمل المرأة، وهو يبالغ في ذلك؛ لدرجة أنه يعتبر العمل حقًّا أصيلاً من حقوق المرأة، فمن حرمها هذا الحق فقد اعتدى على حقوق المرأة، وكذلك يعتبر المرأة التي لا تعمل مقصرةً في حق وطنها وحق نفسها؛ لأنها فرَّطت في حق من حقوقها، ولم تُسهم في تنمية المجتمع، تلك قناعة الرجل؛ لذا سألني عن رأيي في تولِّي المرأة أعمالاً يمكن أن يقوم بها الرجال، وتأتي توليتها هذه الأعمال لإيجاد مجالات عمل لها، كي تأخذ حقها في العمل.
قلت للرجل: الأصل في الشرع أن تستقر المرأة في بيتها، وأن تؤدي رسالتها في خدمة زوجها وتربية أولادها، ولكن إذا وجدت أعمال يكون إسنادها للمرأة أفضل من إسنادها للرجل، كمعلمة للطالبات مثلاً، أو طبيبة للنساء، فهنا يستحب أن تعمل المرأة، شريطةَ أن يكون مكان العمل بعيدًا عن الفتن والشبهات، ولا تتعرَّض فيه لضرر، وألا يؤثر عملها- سلبًا- في أداء رسالتها الكبرى وهي خدمة زوجها وتربية أولادها.
وقد تضطر المرأة إلى العمل لتربية أولادها بعد أن ترمَّلت ورحل عنها زوجها، وهنالك ينبغي أن تختار من الأعمال ما يناسبها كامرأة، وما يحفظ عليها دينها ودنياها، ولا تنافس الرجال في الأعمال التي خلقهم الله لها، ويسَّرها لهم، وجعلها من اختصاصهم، ففي ذلك إضرارٌّ بها وبالرجال والنساء، على مستوى الفرد والمجتمع، فقد يؤدي ذلك إلى قلة فرص العمل المتاحة للرجال، وقد يعرِّض المرأة للاختلاط المهلك للرجال، فيضرُّ بها وبهم في آن واحد، بل ويضرُّ بزوجها وأهلها والمجتمع، ويشيع الفتن والانحرافات في المجتمع، ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، كما يسفر ذلك عن ضعف الإنتاج؛ بسبب عدم إتقانها أعمالاً خلق الله لها الرجال، ومناسبةً لطبيعتهم، ناهيك عن استجلاب الخدم لتعويض غيابها عن البيت، وفي ذلك إضرار بأولادنا؛ من حيث التنشئة والقيم والأخلاقيات، واللغة، والهوية، والجوانب الاجتماعية والنفسية والدينية والصحية المرتبطة بالأولاد.
لقد جاء في نتائج استطلاع رأي أجرته مجلة "كلير" في باريس حول مبدأ مساواة المرأة بالرجل: أن مليونين ونصف المليون من النساء الفرنسيات مللْنَ الحياة العصرية، ويرفضْن المساواة بالرجل، ويؤرقهنَّ توتر العمل، وطول ساعاته، والاستيقاظ باكرًا خشية التأخر عن العمل، وذكرْن أنهن غير سعيدات في حياتهن الزوجية؛ بسبب أنهن لا يلتقين بأزواجهن إلا في أثناء العطلات، أو عند النوم، كما أنهن يشعرْن بتأنيب الضمير؛ بسبب تقصيرهن في مسئولياتهن الكبرى، ومن أهمها تربية أطفالهن؛ حيث لا يراهن الأطفال سوى لحظات خاطفة، تكون الواحدة منهن مرهقةً من عناء العمل، ومتوترة الأعصاب ومنهكة القوى.
لا شك أن المرأة هي نصف المجتمع، وأن دورها عظيم، فهي الأم، والبنت، والأخت، والخالة، والعمة، والزوجة، ورسالتها في المجتمع سامية، بيد أن قضية عمل المرأة غدت من أعقد القضايا التي طُرحت للمناقشة والحوار، وكتب عنها كثيرون، وخاصةً منذ أن غزا المحتلون بلادنا العربية والإسلامية، ومن هناك جاءت محاولات أعداء الأمة لخلع المرأة المسلمة من منهاجها الرباني، والجنوح بها عن أداء رسالتها الأصلية، فرفعوا شعار تحرير المرأة المزيف، ودعوا إلى إعطائها حقوقها، فنظموا لذلك مؤتمرات ومناهج تغريبية، عادت بالمرأة إلى الجاهلية الأولى، أو ما يشابهها، فاستجابت لهم كثير من النساء، وأضحى العمل من تطلُّعاتهنَّ، واقتنع كثيرٌ بأنه حقٌّ حتميٌّ؛ حتى إن لم يوافق الزوج عليه، حتى صار ذلك سببًا في كثير من حالات الطلاق، بيد أن الأمر يقدَّر بقدره على النحو الذي أوضحته.
حفظ الله بناتنا ونساءنا، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.