- المواطنون: فرحة العيد لا تكتمل إلا في دور الأيتام
- د. المهدي: يجب أن تكون زياراتنا إنسانية وليست إحسانية
- د. أبو ليلة: احتواء الجزء المتألم من الأمة ضرورة
- د. ماجدة إمام: الظاهرة تعبير عن تماسك الأمة
تحقيق: هبة عبد الحفيظ
فرحة كبيرة تغمر جنبات قلب كل مسلم مع قدوم العيد خاصة مع تجمع الأحباب والأقارب الذين تشغلهم أعباء الحياة المختلفة كثيرًا طوال العام حتى عن رؤية أقرب الناس إليهم، ومع التزاور واللهو المباح فإن بعض الناس لا تكتمل فرحتهم إلا بعد مد أيديهم إلى يتيم أو معاق أو مريض يعاني من فرحة منقوصة لا تكتمل إلا عندما يشعر بأن من حوله يقفون بجواره ولو بابتسامة رقيقة أو نظرة حانية.
ونحن في هذه السطور نتساءل: هل زيارة الملاجئ والمستشفيات وعيادة المرضى والأيتام يمكن أن تزيد من بهجة العيد أم تنقص منها؟!
(إخوان أون لاين) قام بجولة سريعة التقى خلالها عددًا كبيرًا من المواطنين ورصد تجاربهم على الطبيعة وهو ما نقدمه من خلال التحقيق التالي:
أسماء محمد (أم لثلاثة أبناء) أكدت أنها تصحب أولادها عقب صلاة العيد مباشرة وهم يحملون مجموعة من الهدايا البسيطة والحلوى حيث يتوجهون إلى عدد من الملاجئ والمستشفيات، وأضافت أنها تريد أن يعتاد أبناؤها منذ الصغر على أن إدخال البهجة والسرور على الغير من أحب الأعمال إلى الله تعالى، ولهذا تصر على أن يسبق هذا العمل التزاور مع الأهالي والجيران لتبادل التهاني.
وتشاركها الرأي إيمان محمود (طالبة جامعية) قائلة: إنها تذهب مع عدد من زميلاتها لزيارة المرضى والأيتام فور انتهاء صلاة العيد وشددت على أن هذا الأمر يشعرها ببهجة العيد كما يجعلها تكثر من شكر الله على نعمه العديدة التي منحها لها في الوقت الذي حرم فيه منها الكثيرون من خلقه.
أما مروة علام (جامعية حديثة التخرج) فترى أن علينا أن ننظر للمسلمين بصورة مختلفة فهم العائلة الكبيرة التي لا بد من صلتها والسؤال عنها والاهتمام بأمرها كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"، فإذا تحقق هذا لن يمر العيد على أحد دون أن يؤدي صلة رحمه الكبيرة كما يقوم بحق رحمه الصغيرة تمامًا.
وأرجعت التقصير في حق ذوي الحاجة في العيد إلى الكثير من المفاهيم الخاطئة حيث يزعم البعض أن قيامه بزيارتهم ربما يجعله يشعر بالضعف وقلة القيمة. وقالت إن هذا الكلام عارٍ من الصحة تمامًا حيث يجب علينا أن نقوم بمد الأيدي إليهم والتخفيف عنهم ولو بنظرة.
وشدَّدت على أنه لا تعارض علي الإطلاق بين الذهاب إلى الملاجئ والمستشفيات وبين الاستمتاع بفرحة العيد فنحن عندما نقوم بهذا الأمر لا نفعله من أجل الاستعاظ أو التدبر وإنما هو مجرد سلوك بسيط نقوم به كي يشاركونا الفرحة رغم ظروفهم الصعبة.
نزهة نيلية
وكشف أحمد عبد الله (مهندس) أنه يخصص أول أيام العيد لزيارة الأهل والأقارب وتهنئة الجيران، أما اليوم الثاني فيقضيه بصحبة أبنائه وعدد كبير من الأطفال اليتامى في مدينة ترفيهية أو في رحلة نيلية ولا ينسى أن يصطحب معه البالونات والحلوى والهدايا والأناشيد الإسلامية التي تسعد قلوب الصغار وتنسيهم آلام اليتم وقسوة الحرمان، فعيون الأطفال التي تلمع بالسعادة والرضا هي أكبر فرحة ينتظرها في العيد على حد قوله.
هدايا متبادلة
وتنفي عائشة إبراهيم (موظفة) أن تكون هذه الزيارات مفسدة لبهجة العيد، وأضافت أنه بدون زيارات الأيتام لا يكون هناك عيد، وذكرت أنها منذ عشر سنوات وهي تصلي العيد مع جاراتها ثم يذهبن لإحدى دور الأيتام ليقضين معهم اليوم الذي يعوضها كثيرًا عن عدم الإنجاب.
وتصف إحساسها قائلة: إن تواجدنا مع هؤلاء المحرومين يشعرنا كأنهم هم من يعطوننا الهدية وليس نحن الذين نقوم بذلك وذكرت أن المسح على رأس يتيم ورسم ابتسامة على وجهه البريء أفضل ما نحياه في العيد حيث نربح قصرًا بجوار قصر النبي صلى الله عليه وسلم وننال رضا الرحمن بأحب الأعمال إليه قال صلى الله عليه وسلم "أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على قلب مسلم".
أما عن الأيتام أنفسهم فهم ينتظروننا من العام إلى العام ويكونون في أشد حالات السعادة والتي يعبرون عنها بقولهم (لا أحد يتذكرنا غيركم).
رسالة العيد
ومن جانبه أوضح أحمد يسري (مسئول الزيارات بجمعية رسالة الخيرية) أن الزيارات التي تنظمها الجمعية تستمر طوال العام وتغطي معظم المستشفيات ودور الأيتام والمسنين ومعاهد الأورام، مشيرًا إلى أن عدد المتطوعين يزيد في شهر رمضان وأيام العيد عن باقي العام حيث يتضاعف الثواب ويزيد البر والإحسان.
وقال: تخيل أنك مكان هذا المريض أو اليتيم أو المسن كم ستكون سعادتك وفرحتك إذا دخل على أحدهم بهدية وابتسامة ليعيد عليك.. ستكون فرحتك كبيرة بالطبع ولهذا لا تحرم نفسك من هذا الأجر.
مواسم الخير
المعنى نفسه تحدثت عنه هبة عطية مسئول بنك الدم بالجمعية نفسها قائلة: إن توزيع الهدايا على المرضى في العيد لا يقل كثيرًا عن الدم الذي نتبرع به من أجل إنقاذ حياتهم فكلاهم يمدهم بالراحة والسعادة ولو لبعض الوقت.
وشددت على أن الخير ليس له مواسم معينة ولهذا يجب أن يكون لدينا جميعًا أكبر قدر من الحرص على مد الأيدي بالمساعدة للمحتاجين والضعفاء في كل وقت ولا نبخل بها عليهم.
وأكدت أن التعامل معهم خاصة في الأعياد يجب أن يتسم بأكبر قدر من الحكمة حتى لا نشعرهم بالعجز والشفقة فالدافع الأساسي لهذا التصرف هو إدخال السرور والبهجة.
تخفيف الآلام
ويضيف أحمد علام (رئيس مجلس إدارة جمعية أصدقاء معهد الأورام) أن مرضى الأورام على وجه الخصوص والمرضى بشكل عام من أكثر الأشياء التي تسعدهم أن يأتي أحد ليزورهم ويخفف من آلامهم خاصة في الأعياد.
مشيرًا إلى أنه ما أصعب أن يقضي أحد العيد على سرير المرض أو يذكره هذا اليوم بفقدان والديه وحرمانه من العطف والحنان مثل ما يشعر به اليتيم، وأوضح أن مرضى معهد الأورام يخرجون لأسرهم في أول أيام العيد ثم يعودون في اليوم الثاني أو الثالث ليبدأوا في استقبال أعداد كبيرة من الزائرين.
وقال إن طرق تخفيف الآلام وإدخال السرور على قلوب الغير بسيطة وجميلة فلا نبخل بها على غيرنا ممن ابتلاهم الله عز وجل علنا نرى في عيونهم الابتسامة التي تملأ وجوهنا جميعًا في العيد.
السعادة المنشودة
بدوره رأى د. محمد أبو ليلة (رئيس قسم الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية جامعة الأزهر وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية) أن بهجة العيد تزيد بالسؤال عن الأيتام ممن حرموا الأب والأم ووُضعوا في الملاجئ، والمرضى الذين منعوا من قضاء هذا اليوم مع أسرهم وأضاف عندما نسعد هؤلاء نكون قد أدخلنا الفرح على أنفسنا، فالسعادة تكمن في فعل الخير وإسعاد الغير وتحقيق البر وكما قال تعالي: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ (177)﴾ (البقرة).
وأشار إلى أن الكثيرين يبحثون عن راحة البال دون أن يجدوها ويكثرون من الشكوى من هذا، والحقيقة أن الأمر يعود إلى أنهم اكتفوا باللهاث خلف الأسباب المادية فقط ويجب أن يعلم هؤلاء الأثر الكبير الذي يترتب على فعل الخير بمختلف أنواعه خاصة في العيد.
وأكد أن النبي كان يفعل ذلك قائلاً: إنه- صلى الله عليه وسلم- كان في طريق العودة من صلاة العيد فرأى طفلاً متنحيًا بعيدًا عن باقي الأطفال فأتي إليه النبي وسأله ما الذي أبعدك فقال الطفل: أنا يتيم لا أب لي ولا أم وليس لي لبس جديد، فما كان من النبي صلي الله عليه وسلم إلا أن قبل رأسه وربت على ظهره وقال له "أما ترضى أن يكون محمد أباك وفاطمة أختك وعائشة أمك" رضي الله عنهم أجمعين وصلى وسلم على الرحمة المهداة والسراج المنير.
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى".
وفي الحديث القدسي "عبدي مرضت فلم تعدني فيقول العبد كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول الله مرض عبدي فلان ولم تعده ولو عدته لوجدتني عنده".
وقال الدكتور أبو ليلة إنه علينا معشر المسلمين أن نكون كالجسد الواحد صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". مؤكدًا أن هذا الجزء من المجتمع الذي يسكن الملاجئ والمستشفيات أخوة لنا في الدين علينا أن نرعاهم ولا نتركهم فيضمرون ونحن على قيد الحياة وعلينا في الأعياد أن نزيد من تلك الرعاية له فيقوى بها ويسعد معنا.
زيارة غير متوقعة
بدوره ذكر د. محمد المهدي رئيس قسم الطب النفسي بجامعة الأزهر أن زيارات الأقارب أو المعارف تكون متوقعة وينتظرها المريض أو اليتيم ويعتبرها أحد حقوقه أما إذا كان الزائر غير معروف له فيكون لذلك أكبر الأثر من الناحية النفسية، ويؤكد أن عمل الخير ومساعدة المحتاج من أبرع الطرق التي تؤدي للتوازن والصحة النفسية.
وشدد على أن زيارة اليتيم أو المريض ليست مجرد هدية نوصلها ثم ننصرف فبهذا نكون قد أدينا الجانب الإحساني فقط من الزيارة فأين الجانب الإنساني في الموضوع؟ ودعا كافة من يقومون بهذه الزيارات للجلوس مع المريض أو اليتيم لفترة مناسبة من الوقت يحرصون خلالها على التحدث إليه والاستماع إلى مشاكله وأوجاعه ويتعرفون فيها على أحواله.
كما يستحب، بحسبه، أن نقوم بإسداء خدمة يحتاجه أثناء الجلسة فيمكن اصطحاب المريض إذا أراد ليتمشى في طرقة المستشفى أو تلاوة جزء من القرآن معه أو قراءة الجرائد والمجلات الهادفة له.
وقال علينا أن نستمر في الاهتمام بهؤلاء ليس فقط في وقت الزيارة فقط وإنما بعدها أيضًا فيمكن أن نتبادل أرقام الهواتف حتى نكون على اتصال دائم معهم كما يمكن أن نقدم لهم مساعدات ما بعد الزيارة كالتبرع بالدم لمن يحتاج منهم أو الذهاب لقضاء مصلحة حكومية معطلة لهم، فبهذا تحقق الزيارة مستوى أعلى من الإنسانية ونوصل بها رسالة حب واهتمام بهم ونصبح بالنسبة لهم كأقاربهم وعائلاتهم.
الزيارات العابرة
وكشف عن سلبيات الزيارات العابرة لأنها تتيح الفرصة للمتسولين ومدعي المرض بأن يتوجهوا إلى المستشفيات في مواسم الإحسان كرمضان والأعياد مما يؤدي إلى منع بعض المؤسسات لتلك الزيارات نظرًا لقيام بعض قاطنيها بتسول الزائرين وهذا لا يصح حتى وإن أخذ شكلاً خيريًّا.
وأعلن أنه لا مانع من اصطحاب الأطفال إلى هذه الأماكن حتى يتعلم الطفل منذ الصغر منافذ ومسارات وطرق فعل الخير فهو لا يدرك المعاني المجردة ولا يعرفها فإذا أردنا غرس قيمة لديه علينا أن نستخدم الأشياء الملموسة فإذا تحدثنا إليه عن الإحسان للآخرين بشكل نظري معرفي فلن يؤتي ذلك ثماره أما إذا قام الطفل بنفسه بالمشاركة في أدائه سيكون لذلك أثر نفسي إيجابي عنده ويرتبط القول بالعمل.
وقال إن من أبرع الطرق النفسية التي نحبب الطفل بها في عمل الخير في العيد تنظيم اليوم فنجعل مثلاً زيارة دار أيتام أو مستشفى من المستشفيات ظهرًا وبعدها مباشرة نذهب إلى أحد المتنزهات أو المدن الترفيهية مثلاً ونخبر الطفل بذلك فيرتبط عنده عمل الخير بالذهاب للتنزه فيحدث ارتباط شرطي بين الأمرين.
زكاة اجتماعية
وأشارت د. ماجدة إمام (أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية) إلى أن بذل الفرد جزءًا من وقته ومجهوده للفئات المحتاجة يعد زكاة اجتماعية لا بد من أدائها. وقالت إن هذه الزيارات في أيام العيد قد تكون عبئًا ماديًّا على الزائر إلا أن العائد الذي يحصل عليه الفرد منها يزيل لديه الإحساس بهذا العبء.
وأضافت أن المرضى والأيتام في احتياج شديد للمساندة المجتمعية وخصوصًا في أيام رمضان والعيد، فالجميع يسعد فيه ويظلون هم في انتظار يد العون من المجتمع الذي يعيشون فيه كي يشعروا أنهم جزء منه وهو ما يجعلهم يستمتعون ببهجة العيد كغيرهم من الأصحاء.
وأفادت بأن التحام أبناء المجتمع بهذا الشكل الجميل هي بلا شك دعائم المجتمع السليم والتي بها تتحقق قوته وتستمر نهضته.
فكما أن التحام أفراد الأسرة الصغيرة دليل على تماسك المجتمع فإن تشابك باقي أفراده وتعاطفهم وتراحمهم فيما بينهم هو طريق النصرة والريادة وبرهان لخيرية الأمة المحمدية.