معيار قوة أي أمة وتقدمها ورضاء مواطنيها لم يعد معتمدًا بما تملكه هذه الأمة من ثروات طبيعية فقط، أو من السلاح والعتاد، بل بما يتاح لها من قدرات على تملك رأس المال المعرفي لدى الأمم الأخرى، ومما تولده وتنتجه قوتها البشرية توليدًا وإنتاجًا ذاتيًّا.

 

والمتأمل لحال الفكر والثقافة في العالم العربي يجد أنه محشورٌ بين الثقافة التقليدية وثقافة الكوكبية (العولمة)، وهذا يعني أنه يقع بين شقي الرحى إن صحَّ التشبيه، فحجر الرحى الأسفل ما تراكم من الأفكار والممارسات بعضها فوق بعض في مسيرتنا الثقافية، وحجرها الأعلى تحديات الكوكبية وثوراتها المعرفية وضغوطها السياسية والاقتصادية والثقافية.

 

وفي الحجر التقليدي الأسفل من الرحى أفكار ومؤسسات تقليدية نمطية، إلى جانب التردد في عمليات التطوير، والتي حين تحدث فبمقدار معلوم محدد تخوفًا من زعزعتها للأوضاع الراهنة، وركوناً إلى آليات السلامة والعافية وخشية المجهول.

 

أما الشق الأعلى للرحى فهو ما يكثر الحديث فيه عن ظواهر الكوكبية (العولمة) ومتغيراتها المختلفة بفرصها ومشكلاتها، وبخاصة ما تموج به ثورات معرفية لها مصادرها العلمية والتكنولوجية والاتصالية.

 

ولا بد لنا في هذا المقام أن نؤكد أن علينا ألا نقف موقف الذي تجرفه تلك الآليات والتيارات للسوق الطليق؛ حيث نستطيع أن نُعمل العقل والإرادة الجماعية- أمةً وأفكارًا- نضبطها والتحكم فيها وفق مصالحنا.

 

والواقع أننا في حاجة إلى تطوير ما في ثقافتنا من أخلاط بدوية أو ريفية زراعية وتوجهات العقلية الميكانيكية النمطية، لنتجاوزها إلى عقلية ثقافية مرنة تطورية نسبية التوجه متعددة الرؤى والمناظير، منفتحة للبدائل والامتداد إلى ما بعد معطيات الواقع وتجاوزها إلى آفاق أرحب وأخصب في التفاعل مع الحضارات الأخرى شمالية وجنوبية.

 

والكوكبية أو العالمية أو العولمة يمكن أن يستفاد بها في إطار الفكر العربي الحديث، واستخلاص ما يناسب مع هويتنا وثقافتنا، وهذا ما دعا إليه الإسلام وحثَّ عليه "الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها".

 

أما إذا كان الهدف من العولمة هو محو ثقافتنا وهويتنا، فبلا شك نرفض هذه العولمة، طالما أنها تصطدم معنا، وتفرض علينا ما لا يتناسب مع ظروفنا وحياتنا.

 

مفهوم العولمة

من الطبيعي أن يتفاوت فهم الأفراد للعولمة ومضامينها المختلفة؛ فالاقتصادي يفهم العولمة بخلاف عالم السياسة، كما أن عالم الاجتماع يفهمها فهمًا قد يختلف فيه عن المهتم بالشئون الثقافية.

 

والعولمة لغويًّا: "هي اشتقاق من العالم ومن العالمية".

 

ولا شك أن هناك فرقًا بين العالمية والعولمة؛ لأن الأولى ترتبط بالانتشار، أم الثانية فقد ترتبط بالهيمنة.

 

واصطلاحيًا: هي مرحلة من مراحل التفكير الإنساني في العالم المعاصر، بدأت بالحداثة، ما بعد الحداثة، العالمية، ثم العولمة، ونحن الآن في مرحلة الأمركة، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الكوكبة- نسبة إلى كوكب الأرض- ثم يتطلعون بعد ذلك إلى مرحلة الكونية.

 

وعلماء الغرب يعرفون العولمة بأنها: "تداخل بين الاتجاهات المختلفة في العالم، ولها صبغاتها المختلفة، صبغات اقتصادية- في أغلب الأحيان- صبغات سياسية، صبغات ثقافية، صبغات حضارية، كما يصفونها بأنها اتجاه كاسح لا بد من ملاقاته سواء رضينا أم أبينا، ويشبهونها بالموت".

 

ويعرف الدكتور إسماعيل صبري عبد الله العولمة بقوله: "الكوكبة أو العولمة هي: التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو الانتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة، ودون الحاجة إلى إجراءات حكومية".

 

ويعرف محمد إبراهيم مبروك العولمة بقوله: "إنها تناظم شيوع نمط الحياة الاستهلاكي الغربي، وتناظم آليات فرضه سياسيًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا وعسكريًّا بعد التداعيات التي نجمت عن انهيار الاتحاد السوفيتي، وسقوط المعسكر الشرقي".

 

من هنا يمكن القول إن العولمة نسق معين سياسي، اقتصادي، ثقافي، عسكري، ينتقل من بيئة إلى أخرى، وغالبًا ما يكون الانتقال من بيئة حضارية متقدمة إلى بيئة حضارية من دول العالم الثالث؛ فالمستعمرون يقلدون المستعمرين، وهذا ما تفرضه العولمة الآن.

 

والعولمة عملية سيادة وتعميم يصاحبه عملية إلغاء وتعتيم، فالعولمة: سيادة الأقوى، وتعميم مصطلحاته ومقولاته، وسياساته، مع إلغاء الآخر والتعتيم على أدواره وفعالياته في غالب الأحيان.

 

ولعل التركيز على البعد الاقتصادي في تعريف العولمة نابع من كونها نتاجًا لتطور النظام الرأسمالي وحاجته إلى التوسع المستمر في الأسواق، وعلى الرغم من غلبة البعد الاقتصادي على أغلب تعريفات العولمة، إلا أن دلالة المصطلح في تطورها استقرت على أنها: ظاهرة تتداخل فيها أمور الاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع والسلوك، ويكون الانتماء فيها للعالم كله عبر الحدود السياسية الدولية، ويحدث فيها تحولات على مختلف الصور تؤثر في حياة الإنسان في كوكب الأرض أينما كان.

 

هذه التعريفات تتباين في درجة قبولها وخطورتها، حيث نجد أن أكثر المفكرين المسلمين ينبه على خطورته مع التركيز على الاقتصادي كما فعل د. سعد البازعى حيث يقول: "العولمة هي الاستعمار بثوب جديد، ثوب تشكله المصالح الاقتصادية، ويحمل قيمًا تدعم انتشار تلك المصالح وترسخها، إنها الاستعمار بلا هيمنة سياسية مباشرة أو مخالب عسكرية واضحة.. إنها بكل بساطة عملية يدفعها الجشع الإنساني للهيمنة على الاقتصاديات المحلية والأسواق وربطها بأنظمة أكبر والحصول على أكبر قدر من المستهلكين، وإذا كان البحث عن الأسواق والسعي للتسويق مطلبًا إنسانيًّا قديمًا وحيويًّا ومشروعًا، فإن ما يحدث هنا يختلف في أنه بحث يمارس منافسة غير متكافئة وربما غير شريفة من ناحية، ويؤدي من ناحية أخرى إلى إضعاف كل ما قد يقف في طريقه من قيم وممارسات اقتصادية وثقافية".

-------

* المراجع:

- العولمة السياسية انعكاستها، وكيفية التعامل معها، د. فضل الله محمد إسماعيل، بستان المعرفة، الطبعة الأولى، 1999.

 

- نحن والعولمة من يربى الآخر، بحث للأستاذ سعد البازعى بعنوان المثقفون والعولمة والضرورة، ضمن سلسلة عالم المعرفة (7)، الطبعة الأولى 1420 هـ - 1999م.

--------------

** nassareg2000@gmail.com