من البديهيات الثابتة في دعوتنا، أن الإسلام نظام شامل يشتمل على كل شأن من شئون الحياة، ويفتي في هذه الشئون جميعها، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.

 

هذا الشمول نؤمن به ونعمل لتحقيقه وإقامته في أنفسنا، وفي واقع حياتنا ومع الناس جميعًا، بالحكمة والموعظة الحسنة، وبكل الوسائل الممكنة والمتاحة، بما فيها القدوة والأسوة الحسنة والتطبيق العملي الحياتي لكل محاسن وفضائل الإسلام على النفس وعلى المجتمع.

 

ومن هنا كانت أهمية أن يعيش الفرد المسلم المتخلق بأخلاق الإسلام، في مجتمع يتفاعل مع كل دوائره، من أول دائرة أسرته الصغيرة المحيطة به من زوجة وأولاد وأقارب، إلى دوائر أوسع من ذلك، مثل الصحبة ورفقة العمل وغير ذلك من الدوائر بحيث يعم الخير وينتشر المعروف ويحاصر المنكر بكل أشكاله.

 

وليست هذه المهمة بالأمر البسيط أو السهل، إنما هي تحتاج إلى مجاهدة مع النفس، وانضباط وتعوُّد، ثم هي أولاً وأخيرًا، تنطلق من قاعدة الإخلاص لله في السر والعلن، ومراقبته في كل ما نقول ونعمل، وفي كل ما نأتي من أعمال أو نترك، واتساقًا مع مبدأ أن تكون حياة المسلم لله، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام).

 

إذًا مهمةُ أن يعيش الفرد المسلم بدينه وخلقه في مجتمعه مؤثرًا فيه بالعمل أكثر من القول، وبالتعايش والمخالطة أكثر من التنظير والكلام، وبالاندماج الإيجابي لا بالإطلال على الآخرين من برج عالٍ، وبالصبر على الأذى أو سوء الفهم، لا بالنفور، والهروب من مواجهة أعباء الدعوة، وإيثار السلامة بالركون والدعة "فالمسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".

 

الأخلاق ركيزة في البناء

من الأهمية بمكان أن تستقر قضية "متين الخلق" لدى الفرد والمجتمع، وأن يسعى الفرد إلى تمثل كل قيم الإسلام وأخلاقه في حياته الخاصة والعامة، وأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قدوةً وأسوةً في ذلك، وهو صلى الله عليه وسلم منْ وصفه القرآن الكريم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾ (القلم)، وما أُثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (كان خلقه القرآن).

 

وهذا ما حدا بأبنائنا الطلاب بأن يتحركوا بين زملائهم بشعار (راقي بأخلاقي)، وفيه تذكير بالعودة الحميدة إلى قيم الإسلام وأخلاقه، والعمل بمقتضى أوامر الله عزَّ وجلَّ، والابتعاد عن نواهيه، وأن الرقي بالأخلاق هو الرقي الحقيقي، وأن حال الأمة الآن، يدعو كل محب لها حريص على قوتها وتماسكها، إلى أن يعود بالناس إلى أخلاق الإسلام وقيمه وفضائله، وأن يبتعد بهم عن كل ما يروجه الفاسدون المفسدون دعاة الابتذال والتحلل والإباحية والمجون والفسق والفجور، والعري والخلاعة، وإشاعة الفاحشة بين الناس والمبالغة في تصوير وتجسيد كل عوامل الضعف البشري بدعوى أن ذلك يمثل "الواقعية" فأي "واقعية" تلك التي تمجد الهبوط والسقوط والضعف والخسة والنذالة؟! أي "واقعية" تلك التي لا ترى في الإنسان إلا قبضة الطين التي خلقه الله منها، بما فيها من إبراز للذة والشهوة والمتعة العابرة، يقترفها بأي وجه وعلى أي وجه، دون رادع من ضمير أو يقظة من قلب؟!

 

إن شعار "راقي بأخلاقي" إنما يذِّكر المجتمع الطلابي، بل المجتمع بأسره بالعودة إلى الأخلاق التي سرقها منا أهل النخاسة وعبدة المتع والشهوات، والجيش الجرار من الكتاب والمؤلفين وأصحاب المراقص ودور اللهو والمجون، وأصحاب الصحف والفضائيات التي تروج للرذيلة وإفساد الشباب بكل عوامل الهبوط وألوان الشرود عن الجادة والصواب.

 

ولا تقتصر الدعوة إلى الارتقاء بالأخلاق على مسائل اللباس والموضة والأزياء، ومظاهر البذخ والترف والانبهار بزينة الدنيا، بل تشتمل الدعوة كذلك على محاربة كل ألوان الفساد مثل الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، والرشوة والثروة الحرام التي تنتج عن الاحتكار والغش والخداع واكتناز الأموال وتزوير إرادة الأمة في الانتخابات، وعدم إخراج حق الفقراء وذوي الحاجة منها، بحيث لا يزداد الفقراء فقرًا كما لا تتورم ثروات الأغنياء.

 

إن شعار "راقي بأخلاقي" يجب أن يستصحبه كل من عرفه ورفعه، وذاق حقيقته، ويدعو إليه في كل أحيانه وأوقاته، ولا يقتصر على وقت معين أو موسم دراسي، ثم سرعان ما يسدل عليه ستار النسيان، فنحن بحاجة إلى التذكير دومًا بالتزام الأخلاق قولاً وقدوةً وأسوةً، بحيث يشعر الناس أنهم باستجابتهم لعوامل الانحلال والفساد إنما يخسرون أنفسهم، ويفقدون أغلى ما أكرمهم الله به، وهو العزة والكرامة، واحترام الذات والارتفاع إلى معالي الأمور وعدم الهبوط إلى السفاسف ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)﴾ (الأعراف).

 

الأخلاق في أدبيات الجماعة

فالإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله عندما ذكر مقومات الفرد المسلم، قال: إن يكون "متين الخلق" ولعله يقصد أن تصبح الأخلاق الإسلامية جزءًا أساسيًّا في بناء شخصيته لا تتعرض للتغيير أو النقص بتغير الزمان أو المكان أو الأشخاص، فهو يلتزم بها طاعةً لله ورغبةً في ثوابه والله رقيب عليه في كل مكان وزمان.

 

والأستاذ سيد قطب رحمه الله وألحقنا به في الصالحين يذكر وهو يعيش في ظلال ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾ (القلم)، يذكر أن الناظر في العقيدة الإسلامية كالناظر في سيرة رسولها يجد أن العنصر الأخلاقي بارزًا أصيلاً فيها، تقوم عليه أصولها التشريعية وأصولها التهذيبية على السواء، الدعوة الكبرى في هذه العقيدة إلى الطهارة والنظافة والأمانة والصدق والعدل والرحمة والبر وحفظ العهد، ومطابقة القول للفعل ومطابقتهما معًا للنية والضمير، والنهي عن الجور والظلم والخداع والغش وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء على الحرمات والأعراض وإشاعة الفاحشة بأية صورة من الصور.

 

أما الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله فيرى أن الأخلاق الفاضلة من الثوابت التي لا تتغير واللازمة لكل الناس في كل الأزمان وفي أي مكان؛ لتحقق للناس الحياة الطيبة الفاضلة، وبالإضافة إلى ما تحققه الأخلاق الإسلامية من خير للمسلمين، فقد جعل الله امتثالها طاعةً له وعبادةً نؤجر ونثاب عليها كذلك، ويرى رحمه الله أن امتثال الأخلاق الفاضلة واجتناب السيئة لا تتحقق بمجرد القراءة عنها، وعن فضل هذه وثوابها وعن سوء الأخرى وعقابها، ولكن لا بد من التمرس على امتثال الفاضلة واجتناب السيئة، وهذا يحتاج إلى مجاهدة النفس وترويضها.

 

ويذكر الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه (ملامح المجتمع المسلم) أن مهمة المجتمع بالنظر إلى الأخلاق والفضائل كمهمته بالنظر إلى العقيدة والمفاهيم والشعائر والعواطف، أنها مهمة ذات ثلاث شعب 1- التوجيه. 2- التثبيت. 3- الحماية.

 

فالتوجيه يكون بالنشر والدعاية ومخلتف وسائل الإعلام والتثقيف والدعوة.

 

والتثبيت يكون بالتعليم طويل المدى والتربية العميقة الجذور على مستوى الأسرة والمدرسة والجامعة، والحماية تكون بأمرين:

 1- رقابة الرأي العام اليقظ الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويكره الفساد وينفر من الانحراف. 2- وبالتشريع الذي يمنع الفساد قبل وقوعه ويعاقب عليه بعد وقوعه زجرًا للمنحرف وتأديبًا للمستهتر وتطهيرًا لجو الجماعة من التلوث.

 

وبعد..

فهل أدرك الجميع السابق واللاحق والكبير والصغير والرجل والمرأة أهمية الأخلاق في دعوة الإسلام، وعند الله سبحانه وتعالى، وهل آن لنا أن نشمر عن ساعد الجد، وننفر خفافًا وثقالاً لنحمي أمتنا من عوامل الانهيار الأخلاقي والدمار النفسي والسحق الفكري، الذي تريده جيوش الغزو الثقافي وجنود الأبالسة والشياطين، وهل نقف سدًّا منيعًا لوقاية أمتنا مما يتهددها من أخطار.

 

أرجو ذلك ولنبدأ من الآن.

والله المستعان..