مرَّ رجل على أعمى مجزوم مبتور الأطراف، فسمعه يقول الحمد لله على نعمه وآلائه، فقال له: يا هذا علام، تحمد الله وقد وصلت إلى ما أنت فيه؟! فردَّ عليه بقوله: انظر إلى أهل هذه المدينة، أفلا أحمد الله أن ليس فيها أحد يحمده غيري.

 

من الظواهر التي انتشرت في حياتنا كثرة الشكوى بين الناس في جميع المجالات، وعلى كل المستويات، حتى من هم في رغد من العيش، وأصبحنا نتنفس هواءً مملوءًا بالفساد الأخلاقي، ونتغذَّى بغذاء ملوَّث بالمعاصي والذنوب، ونشرب الماء الممزوج بسوء الأخلاق وضعف الإيمان، فكانت هذه الوقفات والتذكرة ببعض الكلمات:

اعلم أن فعل الشكر وترك الكفر لا يتمُّ إلا بمعرفة ما يحبه الله تعالى، وأن الشاكرين هم القليل ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: من الآية 13)، ولكن من رحمة الله عز وجل أن قال: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: من الآية 7)، وقال تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (النساء: 147).

 

عرف إبليس قدر الشكر فقال في الطعن على بني آدم ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: 17)، وعن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تتَفَطَّرَ رِجْلَاهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! فَقَالَ يَا عَائِشَةُ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا (متفق عليه)، وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ يَوْمًا ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ، قَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" (رواه أحمد).

 

والشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح:

أما بالقلب فهو أن يقصد الخير ويضمره للخلق كافةً.

أما باللسان فإظهار الشكر بالتحميد.

أما بالجوارح فهو استعمال نعم الله في طاعته، والحذر من الاستعانة بها على معصيته، فمن رزقه الله صحة وعافية، فليبذل ذلك في طاعة الله وتسخيرها لنفع نفسه وأقاربه ومجتمعه والعالم بأسره، يسخرها لنفع الإنسان لا لإيذائه، وهذه هي إحدى سمات فترة الشباب الذي يجب أن ينهض بنفسه وبالأمة، لا أن يضيِّع صحته في المعاصي والشهوات وتتدمر الأمة بفساد شبابها وينهار البنيان بضعف لبناته القوية الشابة.

 

ومن نعم الله عز وجل على الإنسان العلم والمال، وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطريقة المثلى لشكر هذه النعم وحسن توجيهها لنفع صاحبها وأمته؛ فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ صلى الله عليه وسلم: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا" (متفق عليه).

 

وينبغي أن يكون العلم النافع في الميادين كافة وعلى جميع الأصعدة هو قائدنا في رحلة إعادة الهوية للأمة الإسلامية، وفي مرحلة إعادة الانتصار بعد فترة الانكسار، ونحن في أمسِّ الحاجة إلى الأخذ بأسباب العلم النافع المُحلَّىَ بالأخلاق والقيم لتعود الريادة والحضارة التي افتقدناها، وما هي عنا ببعيد!.

 

ومن شكر نعمة المال، أداء حق الله فيه، وكسبه من حلال، وإنفاقه في الحلال، والنظر بعين الاعتبار في سلَّم فقه الأولويات في بذل المال؛ بما يحقق المنفعة العامة قبل المصلحة الشخصية؛ امتثالاً بالدواء الفعَّال الذي يعالج كثيرًا من العلل في جسم الإنسان وليس مرضًا واحدًا، ولا بد أن نأخذ بأيدي أصحاب الأموال وندلَّهم على طرق الخير التي تعود بالنفع على الجميع، وفي ذلك الثواب العظيم، مثال: مشاريع الإنتاج التي تعالج مشكلة البطالة، وبناء المستشفيات التي تعالج الضعفاء والفقراء، بعد أن رفعت الدولة يدها عن دعم الصحة ورعاية الأرامل والأيتام والمساكين، وأيضًا توفير فرص مناسبة لهم للإنتاج وليس للاستهلاك، ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة في الرجل الفقير الذي أتى إليه، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عِنْدَكَ شَيْءٌ؟ فَأَتَاهُ بِحِلْسٍ وَقَدَحٍ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَقَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، قَالَ: "هُمَا لَكَ"، ثُمَّ قَال: "إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثٍ ذِي دَمٍ مُوجِعٍ أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ" (رواه أحمد).

 

أما على المستوى العربي والإسلامي فنحن نتطلع إلى آفاق بعيدة حين تعود هوية الأمة وتتخلص من التبعية للغرب؛ بإقامة السوق العربية والإسلامية المشتركة، والتكامل بين البلدان في الزراعة والصناعة والتجارة، وبذلك يعم الخير على الجميع، ولن يبقى فقيرُ واحدٌ في الأمة، وما ذلك على الله ببعيد!.

 

وشكر النعم يكون من جنس النعمة كما أوضحنا، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: من الآية 13)، وأنت أخي المسلم الداعي إلى الله، لا بد أن تقدم شكر نعمة الهداية والإيمان والإسلام واصطفاء الله لك أن تكون داعيًا له على بصيرة، وتكون في صف المؤمنين الصادقين وفي خندق العاملين لرفعة الدين في مواجهة أهل الباطل أجمعين.

 

فيا ترى هل أدينا شكر نعمة الدعوة بنشرها في ربوع الأوطان وبين الأهل والجيران، أم ما زال بعضنا يشتكي وينتقد ويدخل له الشيطان من أبواب كثيرة ليقعده عن العمل والسعي لرفعة الإسلام، ولكني أردد معكم قول الشاعر:

في سبيل الله قمنا         نبتغي رفع اللواء

لا لدنيا قد عملنا         نحن للدين فداء

فليعد للدين مجده         أو تُرَقْ من الدماء

 

ويا من تشتكي سوء الأحوال وأنت لم تلحق بعد بقافلة الدعوة، أقول لك بكل حب إن الدنيا ما خُلقت إلا للابتلاء وهي دار ممر لا مستقر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ" (رواه مسلم)، وأذكرك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ" (رواه مسلم).

 

فهيا للمبادرة إلى العمل الجاد والسعي الدءوب؛ لنحمل الخير لكل المصريين ونصلح الدنيا بالدين.

 

وأما عن الرضا فلنا معه وقفة إيمانية بإذن رب البرية، إن كان في العمر بقية، والحمد لله رب العالمين.