قد نجد بعض المشكلات في حقل الدعوة يصل عمرها إلى عامين أو أكثر، وقد تتحول المشاكل العادية إلى مشاكل مزمنة، تشيع روح الإحباط وتقتل الحماس، وتفقد الثقة في النفس، وتجعل الأمور تسير في عكس اتجاه الدعوة نفسها، التي قامت لتحيي الأمل في النفوس وتحارب اليأس، متسلحة في ذلك بالإيمان بالله والفهم الصحيح لدعوة الإسلام، والتخطيط الواعي الناضج لحل المشكلات وتجاوز الأزمات.

 

المثير للأسى عندما يصل الأمر إلى حالة من الاستسلام، وقبول الوضع القائم والنظر إليه بأسى وأسف، بعد أن تنزوي روح التحدي والإصرار، التي ينطق بها مشوار الرسول القائد محمد صلى الله عليه وسلم طيلة 23 عامًا، هي عمر تاريخ الرسالة التي أنارت العالم، وأنارت حياتنا وقلوبنا وعقولنا.

 

لكن كما خلق الله الداء والدواء، كان لكل مشكلة حل بإذن الله، إذا اتبعنا في ذلك عدة خطوات:

1- الإخلاص:

يجب أن أنظر لفكرة الإخلاص لله على أنها من روائع الإسلام التي تستحق التأمل، والشكر عليها والعمل لها: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (البينة: من الآية 5)، فالإخلاص ينقي القلب من حب النفس وتفضيلها على مصلحة العمل، والإخلاص يجعل النفس تترفع عن الصغائر وتتجاوز الضعائن وتطوي صفحات سيئة لتحل محلها صفحات بيضاء مشرقة، والإخلاص يذكر بالمفاهيم الأولى والمبادئ الأصيلة من نبعها الصافي ومنبعها الأمين، بعد أن يعزلها عن هوى النفس، وإسقاطات الغضب ونزعات الخلاف.

 

2- الأخوة والحب:

لا يمكن أن تحل مشكلة بدون تعاون، والتعاون لا يأتي إلا بالحب، ولذا كانت الأخوة أساسًا لقوة الصف المسلم، وأحد قوانين النصر الخالدة.

 

يقول صلى الله عليه وسلم: "ما أُعطي عبد بعد الاسلام خيرًا من أخ صالح".

 

ولذا كان وصف القرآن للمؤمنين بأنهم أخوة، تربط بينهم رابطة الأخوة التي تعلو على رابطة الدم، فالحب والأخوة قوتان دافعتان لحل المشكلات بصدق، دون أن يعرقل الطريق خلاف عابر، يعيد الأمور للمربع رقم صفر.

 

3- التخطيط:

كلنا يعلم أن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة كانت درسًا بليغًا في التخطيط، ورغم ذلك فإننا كثيرًا ما نبتعد عن التخطيط في حل المشكلات، ربما باعتباره أمرًا مجهدًا ذهنيًّا، والتخطيط ببساطة يبدأ بوضع الأهداف السليمة والمنطقية الملائمة للواقع المحيط بالمشكلة والمتناسبة مع الإمكانات المتاحة، بحيث تصاغ هذه الأهداف بناءً على معلومات تم الحصول عليها من جلسات مصارحة ومكاشفة، يعقبها جلسات عصف ذهني لتحليل المعلومات والوصول إلى الأسباب الحقيقية للمشكلات، ومن ثمِّ معرفة الطريق لعلاجها.

 

4- الاختيار السليم:

عملية اختيار الشخص المناسب لحل المشكلة عنصر هام وأساسي لحلها، فمن الممكن أن يتم تشخيص المشكلة جيدًّا، ووضع الخطة الملائمة لحلها، ولكن الشخص الموكل إليه المهمة، لم تتوفر فيه الكفاءة المناسبة أو الاقتناع الكافي، أو كانت ظروفه تحول دون توفير الوقت، وبذل الجهد الكافيين؛ ما يؤدي إلى فشل المهمة حتمًا، وغالبًا ما سيحدث بعدها نوع من الحيرة في معرفة سبب الفشل، هل هو تشخيص المشكلة والخطة، أم الشخص نفسه؟

 

5- وضوح المهمة:

يتم في هذه الجلسة شرح مهمة العمل بتفاصيلها، والوقوف على درجة اقتناع الشخص المكلَّف بالمهمة والتصريح بقبولها من عدمه.

 

6- التحفيز:

تلعب عملية تحفيز الشخص المكلَّف بالمهة دورًا هامًّا في استثارة الحماس لديه، حيث يتم فيها إشعاره بتقديره والثقة فيه لحل المشكلة، وتذكيره بالإخلاص وتجديد النية وبذل الجهد من أجل سد ثغرة أو تحقيق هدف، هذه الخطوة ترفع قدرات الشخص الذي وقع عليه الاختيار إلى أبعد درجة، بل تجعله يحاول ترقية نفسه بنفسه ذاتيًّا بالتدريب والقراءة، من أجل الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة.

 

7- الدعم:

من المفترض والطبيعي والمنطقي أن يقع الشخص المكلف بالمهمة في مشكلات إدارية، أو فنية، أو يتعرض لمشكلات خاصة به، أو تحدث أخطاء يكون هو السبب فيها أو مَن حوله، وهنا يجب أن يجد هذا الشخص الدعم الفني المتواصل أولاً، ثم الدعم المعنوي ثانيًا، ذلك الدعم الذي يقويه، ويجعله أكثر قوةً وصبرًا وتحملاًً حتى يجتاز مهمته بنجاح، وإذا لم يجد الشخص هذين الدعمين الفني والمعنوي، ستتزايد عليه المشكلات، وستضعف همته مع الوقت، وسيطل الإحباط برأسه الكئيب، حتى ينتهي الأمر باعتذاره عن العمل أو إعلان فشله وتبديله بآخر.

 

8- الدعاء

مهما كانت كفاءة ودقة الأخذ بالأسباب، لا ينبغي أبدًا أن ننسى التضرع إلى الله بالتوفيق في العمل، ولا ينبغي أبدًا أن يأخذنا التفكير العلمي والتخطيط بعيدًا عن مالك الأسباب ومقلِّب القلوب ومحرِّك النفوس، ينبغي أن تظل القلوب دومًا معلَّقة بالسماء، والأيادي مرفوعة للتضرع بالدعاء، ويفضل أن يكون في صلوات قيام ليل مخصصة لهذا الأمر، فنحن مهما بلغنا من نجاح، فلن ننجح إلا بإرادة الله ورعايته لنا، ولن يردَّ الله من يدعوه ويجتهد في سبيله لبلوغ هدفه قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: من الآية60).

 

ربما كانت الوسائل الثمانية السابقة كافية لحل أية مشكلة يتعرض لها العمل الدعوي بإذن الله، والخروج من أزمات دعوية طالما سببت الحيرة والألم، دون أن ندري ما السبيل لعلاجها.