استلم سيدنا عمر بن الخطاب رسالة سيدنا حذيفة يبشِّره بالنصر على الفرس، وبأن جزءًا جديدًا من الأرض قد لامس النور، وزال من على وجهه غبش المادة وسلطان القهر والإذلال.
فأول ما سأل سأل عن رجاله؟ فقال له مات فلان وفلان من (الأعلام)، وآخرون لا تعرفهم يا أمير المؤمنين، فقال الفاروق: "لا يضرهم ألا يعرفهم عمر، ولكن الله يعرفهم".
مات أخونا الدكتور مصطفى عادل أول أمس الإثنين؛ ذلك اليوم المبارك الذي وُلد فيه الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ومات بعد صراع قصير مع المرض، ولعل الله يتبقل منه صبره وجهاده، فقد كانت آخر كلماته: "الحمد الله على الثبات".
مخلصًا كان.. عفيف النفس.. حلو اللسان.. صاحب عزة نفس وإباء وترفُّع عن الصغائر.. كان يعمل في صمت وبدون صخب أو ضجيج.. يحب أن يكون من الأخفياء.
كان يمتلك إحساسًا عميقًا بالآخرين، ويتحسَّس ظروفهم، ويسارع في نجدتهم، رغم بساطته فإنه كان يمتلك رصيدًا ضخمًا من حب الناس وثقتهم في أمانته ورأيه.
تحبه من أول ما تقع عيناك عليه، تكسو الابتسامة وجهه الأبيض المشرق، الذي تعلوه حمرة خفيفة تزداد وهو يحدثك بأدبه وتواضعه وحيائه، فتشرق ابتسامته الدافئة الصادقة فيحتويك ويأسرك..
فتح بيته هو وزوجته الكريمة رزقها الله الثبات والصبر للأخوات والزهراوات في كل وقت وحين، نصحًا في الدين وتعليمًا وتوجيهًا، بل وحلاًّ لمشكلات البيوت بمنتهى الحكمة والعقل والأمانة، وهذه هي واحدة من أهم صفاته التي كانت محل ثقة إخوانه الكبار.
لما دخلنا بيتهم أنا وزوجتي من عدة سنوات عادت زوجتي مطمئنةً سعيدةً، قائلةً: هل تتذكر بيت فلان وفلان من علماء ودعاة المدينة المنورة عليها وعلى ساكنها السلام؟! قلت لها هكذا هم.. فأردفت من علامات نجاح الأبوين وتقواهما أن تجد الأولاد ملتزمين بشرع الله، معظِّمين حرمات الله، ومقبلين على كتاب الله حفظًا ودراسةً وتعليمًا، فهكذا وجدت بيته الكريم.
قدِّر لي أن أعمل معه في إحدى الشركات الصغيرة بعد خروجه على المعاش، ورغم قصر المدة فقد لمست فيه كل معاني الأبوَّة وطيبة القلب والإيثار وطهارة اليد والخوف من الله.
لم أعجب وأنا أرى كوكبةً من علماء الإسلام ورجال الدعوة يتقدمون صلاة الجنازة: أ.د/ جمال عبد الهادي و أ.د/ حسين شحاتة، وغيرهما من علماء الأزهر الشريف، وكذلك رأيت الجليلين أ.د/ محمود عزت وأ.د/ محمد مرسي عضوي مكتب الإرشاد وغيرهما من رجالات الدعوة ومئات الشباب، وحتى الأشبال خرجوا من مدارسهم لأداء واجب العزاء والدعاء لأخ كريم على الله.
نعم.. أيقنت بأن من صحَّت بدايته صحَّت نهايته.
اللهم ارحمه واعف عنه، وتقبله في الصالحين.. وارزق أولاده وزوجته الصبر والسلوان.