كمسلمين نحن الأقوى من كل الأمم في التجمع إيمانيًّا أثناء أداء الحج، وفي التفرق عمليًّا في كل مجالات الحياة، سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا؛ ذلك أننا نعاني من الانفصام بين شقي الإسلام والإيمان والعمل، وكذلك بين العقيدة والشريعة؛ ما أدَّى إلى أن نكون أضعف من كل الأمم، وباعتبار الأحداث الطائفية الأخيرة، مصريًّا وموقف الكيان الصهيوني من القدس والمقدسات إقليميًّا، ثم عالميًّا أزمات مآذن المساجد بسويسرا، والحجاب بفرنسا، وحرق القرآن بأمريكا، نجد أنه لا سبيل لنا إلا أن نعترف ثم نحترف.
الاعتراف:
(إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) (الإسراء)، نحن دون غيرنا نمتلك المنهج الأقوم والأشمل والأقوى؛ لتحقيق القوة والنهضة الدنيوية، بالرغم من أننا عالميًّا الأجهل علميًّا، الأفقر اقتصاديًّا، الأضعف سياسيًّا وعسكريًّا، نمتلك كل مقومات القوة الفكرية والروحية، ثم المادية؛ حيث الثروات البشرية والطبيعية، وما زلنا نتراجع في حين أن اليابان مثلاً لا تمتلك أيًّا من ذلك، ووصلت إلى مستوى عال من النهضة.
الاحتراف:
أولاً: تحديد الداء، ثانيًا: توصيف الدواء
أولاً: عندنا أزمات كبيرة، مثل التعليم، الإدارة، الفقر، كل ذلك لا يمثل الإشكالية، بل نتائج حتمية للإشكالية، ألا وهي الازدواج الحضاري بين الإسلام والعلمانية (الداء)، ولا يوجد دولة واحدة متقدمة في العالم تعيش كذلك، ويستحيل أن نحقق أي إصلاح أو نهضة في ظل هذا الازدواج، ولا بعد مئات السنين.
ثانيًا: الوعي بالإسلام الحضاري هو التوصيف الوحيد للدواء؛ حيث المدخل الأكيد لاحتراف مجالات الحياة العملية وفقًا للمنهج الإسلامي (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)) (القصص)؛ حيث الواجب شرعًا هو استثمار النعم الإلهية، والإمكانات الشخصية والفكرية والمادية والمكانة الاجتماعية باتجاه الآخرة بتفعيل النشاط الخاص والعام المهنى والتطوعي على مستوى الفرد، المؤسسة، المجتمع، الدولة، الأمة، في إطار التكليف الحضاري لتحقيق التقدم والنهضة لإعمار الأرض.
وتؤكد الآية الكريمة أن عدم الالتزام بذلك يعني بالضرورة الفساد في الأرض؛ أي أن احتراف الحياة فريضة دينية وحتمية دنيوية، فهل هناك أي منهج لاحتراف الحياة يقترب من منهجنا الإسلامي؟ منهج احتراف ممارسة عبادة الحج كعقيدة إيمانية روحية أخروية، وممارسة ثقافة الحج كشريعة عملية مادية دنيوية، أن نتجمع ونتوحد في كل مجالات الحياة، السبيل الوحيد للإصلاح والنهضة.
------------
* رئيس جمعية المقطم للثقافه والحوار.