ونحن في بداية العشر الأوائل من ذي الحجة وما لها من فضل عظيم ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ" يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ" رواه أبو داود.
أعتقد أن على رأس وقمة هرم الأعمال الصالحة الآن في هذه الأيام إصلاح الأوطان وأحوال العباد والبلاد وهذا واجب الوقت ويضاعف ثواب العمل في هذه الأيام المباركة التي تفضل الله على عباده فجعل لهم مواسم للطاعات في رحاب العبادات ومنها عبادة الحج، وها نحن نحج بقلوبنا إلى بيت الله الحرام ونعيش مع الحجيج في بذلهم وجهادهم وتجردهم وتقواهم وامتثالهم لأوامر الله بأواصر الأخوة الإسلامية في أعظم المؤتمرات السنوية التي عرفتها البشرية، والتي تؤكد أن لهذا الدين القيادة والريادة وأستاذية العالم التي ينبغي أن تعود من جديد.
وفي غضون هذه الأسابيع نعيش في مصر انتخابات مجلس الشعب، ويرفع الإخوان شعار "الإسلام هو الحل" من منطلق عقائدي وتعبدي ومنهاج حياة، نبذل في سبيله الغالي والنفيس، ونقدم أرواحنا وأموالنا وكل ما نملك لعودة دين الله في كافة ربوع الأرض؛ لتعود الخلافة الراشدة على منهج النبوة، وهى الأمل الذي نسعى لتحقيقه في حلقات التغيير السلمي والنضال الدستوري الذي هو منهج الإخوان في التغيير.
إننا نرفع شعار الإصلاح مع الصلاح بعد أن وصل الفساد إلى مستوى غير مسبوق ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾ (الروم).
إن المشاركة بجدية وفاعلية في الانتخابات هي من خطوات الإصلاح المنشود، وذلك حتى لا نترك الساحة للعابثين المفسدين المنتفعين الذين باعوا مصلحة الوطن بـأبخس الأثمان، وكانوا الأداة التي تخطط وتعمل للسيطرة على مقدرات بلاد المسلمين وتنفيذ المشروع الصهيوأمريكي، لذلك وجب علينا جميعًا أن نهب لتحريك المجتمع لانتزاع حقوقه المسلوبة، وللوقوف ضد الظلم والظالمين، ولبعث الأمل في نفوس المحبطين اليائسين من منطلق إيماني ووطني وإحساس عميق بالمسئولية أمام الله.
والإصلاح هو رسالة الأنبياء قال الله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)﴾ (هود)، ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم تميزت بالإصلاح فقال في دعائه: "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ" رواه مسلم، وأشار القرآن أن بَذل أقصى الجهد ونهاية الاستطاعة هو سبيل الأنبياء والمصلحين والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، بل إن توجيه سيدنا موسى لأخيه هارون ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)﴾ (الأعراف).
- إن الإصلاح الحقيقي هو شرط لعدم التعرض للهلاك ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾ (هود)، وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ والتواصي بالحق هو القيام بعملية الإصلاح.
- يجب على الصالحين أن يكونوا مصلحين ذو تأثير في المجتمع ويتحلوا بالإيجابية، ولا ينكمشوا وراء جدار السلبية؛ لأن الله سوف يسألهم عن دورهم في المجتمع، وهل أدوا شكر نعمة الله تعالى أن جعلهم من الصالحين، وإذا أرادوا أن تستمر نعمة الصلاح فعليهم بالعمل من جنس النعمة ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)﴾ (سبأ).
إن سفينة الأمة تمر الآن بفترة عصيبة وهي تبحر في بحار متلاطمة الأمواج ورياح الفتن تأتي من كل مكان، والخطر يحدق بالجميع، وظلام المعاصي والفساد يحجب الرؤى ويطمس الفكرة، فلا بد لأهل الصلاح المصلحين أن يقودوا الأمة إلى الإيجابية وإلى الحركة الهادفة الراشدة، مقتدين بإمام الأنبياء صلى الله عليه وسلم متمثلين الحديث الذي رواه النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا" رواه البخاري.
فبادروا أيها الأحباب أصحاب الدعوة وكل محبي ومؤيدي الإسلام إلى انتشال الناس من اليأس إلى الأمل ومن الانكسار إلى الانتصار، ومن القعود إلى الحركة، ومن الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية، ومن الخوف إلى الأقدام ومواجهة الباطل بسلاح الحق وعدة الإيمان واليقين.
إن تحرير إرادة الأمة والتصدي للتزوير لهي فريضة الوقت التي ينبغي أن نتكاتف جميعًا على قلب رجل واحد منَّا للوصول لتحقيقها، والتعاون على البر والتقوى والوقوف في وجه الباطل وإقامة الحق والعدل بين الناس ولن يتأتى ذلك إلا من نفوس وهبت نفسها لله، وأخلصت في بيعتها لدين الله، وأدركت رسالتها في الحياة وهدفها العظيم الذي تسعى إليه في ظلال الإسلام الحنيف الذي هو دومًا الحل والنجاة.
وفي هذه الأيام الكريمة نشحن بطاريات الإيمان، ونزداد من الأعمال الصالحة وعلى قمتها الإصلاح والتغيير المنشود... والله أسأل أن يوفقنا لما يحب ويرضى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.