يوجد الشيطان حيث يوجد الإنسان، بل حيث يوجد الأنبياء والرسل، وحيث يوجد العلماء والمصلحون، يوجد الشياطين المتخصصون في أنواع الإفساد، وحيث يجدون منافذ الترويج للمفاسد، وبث الجرائم والوساوس، والصد عن سبيل الله.
لما فرِغ النبي صلى الله عليه وسلم من عقد بيعة العقبة الثانية؛ بيعة إقامة الدولة الإسلامية مع وفد "يثرب"، إذا بالشيطان يصرخ بالليل، يصرخ صراخًا سمعه أهل "منى": يا أهل الجباجب (منازل منى)، هل لكم من مُذمَّم والصُّباة معه قد اجتمعوا على حربكم؟".
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا أزْب العقبة، هذا ابن أُزيب، أما والله يا عدو الله لأتفرغَّن لك" (رواه ابن اسحق بإسناد حسن).
تبادر إلى تفكيري هذا السؤال: لماذا صرخ الشيطان؟ ولماذا لم يكتفِ بالوسوسة من بعيد؟
ثم تبادرت هذه الإجابة: لأنه وبحكم هذه البيعة ونتائجها ستقوم دولة الإسلام، ويعلم الملعون أن قيام دولة الإسلام يهدد عرشه القائم على الباطل، ويعلم الملعون أن زعامته صارت مهددةً بقيام هذا الكيان الإسلامي الجديد، فماذا يفعل؟ هل يصمت ويكتفي بترديد يا ويلي؟ فصرخ محذرًا الحجاج المشركين، ووظف مصطلحات إعلامية يستخدمها المشركون في حربهم ضد النبي والمؤمنين الأوائل:
مُذمَّم: بدلاً من اسمه- صلى الله عليه وسلم- الذي سماه الله به "مُحمّد".
الصُّباة: المتحولون من دين إلى دين، وهم المسلمون المتحولون من الشرك إلى التوحيد.
بل ظهر بنفسه!، وقد سبق أن ظهر الشيطان في "مكة" في دار الندوة، حين اجتمع المشركون لاتخاذ القرار الأخير بشأن الدعوة والداعية.. ظهر بين الزعماء العرب ليضع لهم الخطة المحكمة للقضاء على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة تحالف يضمُّ أربعين "بلطجيًّا" عربيًّا بلغة العصر!.
وسبق أن ظهر الشيطان لأم إسماعيل "هاجر" رضي الله عنها ولابنها إسماعيل، ولزوجها إبراهيم عليهما السلام في مكة وفي منى!.
لقد فشل إبليس صارخًا في "منى" بعد بيعة العقبة، مثلما فشل ظاهرًا متحدثًا مخطّطًا "دار الندوة"، ومثلما فشل سابقًا مع هاجر وإسماعيل وإبراهيم ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: من الآية 76).
فليذهب الشيطان الآن إلى "منى" أو إلى "عرفة"، وليحشد شياطين الجن والإنس هناك أو هنالك، فماذا فعلت حشود كثيرة احتشدت لحرب الأمة على مدار التاريخ؟ نالت حشودهم من نفوس صعدت شهيدة، نالت من ديار تلاشت مهدومة أو محروقة، ثم عادت شامخة! ثم ماذا؟
عادت أمة الإسلام بعد كل حشد ترفع راية التوحيد، وتمارس التخصُّر المادي والنفسي في المشرق والمغرب!.
ويصرخون الآن:
الآن تتوافد جموع الرحمن إلى مواضع المناسك في مكة المكرمة، فتتسلل شياطين من الإنس مثل الجن ظاهرة ومستخفية، تبث وساوسها، وقد يعلو صراخها الآن، وقد علا سابقًا، صراخ مجرد، أو بواسطة أبواق الإعلام، عالية الصوت، مجهزة للمعركة الفاصلة بين وثنية العصر "العلمانية" (secularism) والإسلام.
فليصرخ أولاد وأحفاد "أزْب بن أُزيْب" المعاصرون، ومعهم أتباعهم المحشودون- سابقًا أو لاحقًا- في "منى" أو في المشاعر، ليحشدوا أنفسهم وأتباعهم خلف الصليبيين والوثنيين والصهاينة، وليوظفوا جميع ما لديهم من أموال وليمارسوا كل وسائل إعلامهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال).
ولكن أين الفئة الغالبة بأوصافها، لتنال شرف النصر القادم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: من الآية 47)؟!