الصداقة هي الكنز الذي عز وندر وجوده في هذا الزمان، فكما يقولون من المستحيلات الأربع (الخل الوفي)، ويقول أرسطو عندما سئل عن الصديق: "إنسان هو أنت.. إلا أنه بالشخص غيرك". والصداقة ليست كالزمالة، فالزمالة تعني اشتراك أكثر من شخص في ظروف مشتركة معينة (كالدراسة، أو العمل)، وتقل تلك الزمالة، أو تختفي إذا تغيرت، أو انتهت تلك الظروف.
على عكس منها هي الصداقة، فالصداقة تعني وجود علاقة قوية بين أكثر من شخص يجمعهم رابط فكري ووجداني واحد، ونوع من الثقة المتبادلة والتفاهم والانفتاح. ويقول البعض بأن تميز كلا من الصديقين عن الآخر بصفات معينة، تجعل منهما نصفين يكمل كل منهما الآخر، مما يزيد من أواصر تلك الصداقة ويدعمها ولا يفرقها.
وكما قال علماء الاجتماع بأن الإنسان كائن اجتماعي يبحث عن العلاقات، فالصداقة مهمة جدًّا في حياة أي إنسان، فأي منا يريد أن يشعر بأنه مرغوب فيه مجتمعيًّا، وأنه موجود في جماعة إنسانية تقدره، وتقدر فكره وجهده.
لا تلعب الصداقة دورًا هامًّا في الثلاث سنوات الأولى من حياة الفرد باعتباره يبقى متعلقًا بأمه وأبيه والعائلة، وبعد ذلك يتجه لتكوين جماعة رفاق اللعب، والصداقات التي تتكون في مرحلة الطفولة تنفصل لأتفه الأسباب حيث إن صديق الطفولة لا يخرج عن كونه رفيقًا من رفاق اللعب.
ثم تأت مرحلة المراهقة معلنة عن هبوب رياح المشاعر، ومنذرة بعاصفة من الأحاسيس المرهفة، لذا يلجأ المراهق إلى الصديق ليجد فيه الملاذ وجزيرة السكينة التي يبحث عنها تائهًا.
وتتميز الصداقة في مرحلة المراهقة بعدة مميزات أهمها:
- لا يسمح المراهق لأهله بالتدخل في تكوينه للصداقات أو قطعها، فالصداقة عند المراهق ركن ركين في شعوره بذاته وباستقلاليته عن الأسرة، ونظرًا لأن المراهق لا يمتلك الخبرة الكافية، وكذلك المرحلة التي يمر بها تتسم بسيطرة العواطف على العقل، فإن كثيرًا من تلك الصداقات تنهار، ويثبت للمراهق بعد التعامل أن كثيرين من أصدقائه هؤلاء غير جديرين بتلك الصداقة، فيبدأ في التدقيق في اختياراته المستقبلية، مما يكسبه خبرات تؤهله لمرحلة نضج الصداقة.
- الصداقة في تلك المرحلة علاقة غير حقيقية، فالمراهق يبحث عن ذاته في العاطفة ويسقط احتياجاته على من يقابله، ويبوح بأدق أسراره لصديقه لكي يبرهن له على إخلاصه وثقته فيه. على عكس الصداقة الناضجة القائمة على الفهم والثقة، فالعلاقة متبادلة، فيقف بعضنا بجانب بعض، ويحترم كل منا الآخر، ونساند بعضنا البعض في الأزمات، ولا نطّلع على الأسرار إلا في حدود ضيقة للغاية.
- تساعد الصداقة المراهق على اكتشاف نفسه، ففي البيت احتكاكه بالآخرين محدود، على عكس جماعة الرفاق، فهم يطلبون رأيه، ويشارك في وضع الجماعة ويعملون على تنفيذها مع بعضهم البعض، مما يسهم في تكوين شخصية المراهق.
- في الصداقة يتعلم المراهق العطاء للجماعة، وكيفية التكَيف مع من يختلفون عنه في الرأي والفكر، فيقبل الآخرين كما هم، ليقبله الآخرون كما هو.
- تتميز الصداقة في مرحلة المراهقة بعدم التوازن بين احتياج المراهق للصداقة، واحتياجه لإنماء ذاته، فمن الممكن أن يتحول المراهق إلى تابع أو "إمعة" لأصدقائه، فيكون بذلك متسولاً للصداقة، فمن الضروري أن يدرك المراهق أن الصداقة تكامل وتفاهم، وتبادل للخبرات الاجتماعية المرغوبة، مما يساعد على نمو وتطوير شخصيته.
- قد تتميز تلك المرحلة بنوع من التعلق الشديد لدى المراهق بصديق معين من نفس جنسه، ويظهر ذلك التعلق الشديد في علاقات البنات أكثر من البنين، ومن الممكن اعتبار ذلك التعلق مرحلة سوية من مراحل النمو، غير أنه توجد حالات معينة من هذا التعلق تحتاج إلى اهتمام جديّ من قبل المربين بسبب شدتها أو بسبب استمرارها وقتًا طويلاً، لا لكونها نشاطًا غير مرغوب فيه بل لأنها تعوق نمو العلاقات الاجتماعية نموًّا سويًّا سليمًا.
مميزات صديق المراهقة:
- التقارب في السن، فلكل مرحلة سنية صفاتها المميزة، فلكي يستطيع المراهق أن يقضي أوقاتًا ممتعةً مع أصدقائه يجب أن يتفقوا في الميول والطباع.
- التقارب الاجتماعي، حتى لا يتعرض المراهق لمواقف لا يستطيع فيها أن يجاري صديقه الذي يفوقه ماديًّا، أو تعليميًّا، ويجد أن الاتصال بينهم مستحيل.
- التقارب الفكري والعقلي، حتى لا نجد نزاعات مستمرة بين الأصدقاء تؤدي إلى إنهاء تلك العلاقة بشكل سريع.
ولكن كيف يواجه الوالدان الصداقات غير المرغوب فيها لابنهم المراهق؟:
تثار تلك المشكلة بشكل مستمر في معظم الأسر، وهي إحدى نقاط الخلاف الحيوية بين الوالدين والمراهق، فالمراهق لا يريد لأحد أن يتدخل في تكوين صداقته، ويرى بذلك أنه يدعم استقلاليته، وطبيعي أن يخشى الوالدان على ابنهم من الأصدقاء غير المرغوب فيهم وأصدقاء السوء، فذلك الصديق يسرق من الوالدين جهدهما في تربية ابنهما طوال السنوات الماضية، وكذا فصديق السوء يخدش سمعة صديقه وعائلته و(أولى الناس بالتهمة من جالس أهل التهمة)، و(يظن بالمرء ما يظن بخليله).
ولكن كيف يتعامل الوالدان بشكل سليم مع تلك الصداقات غير المرغوب فيها؟
- يجب على الوالدين التخلي عن كرسيهم العالي والنزول إلى أرض الواقع، والتعامل مع أبنائهما بأسلوب الناصح الصدوق، ويتركان أسلوب التعامل الفوقي وإصدار الأوامر والنواهي، فإذا وجد الابن من يفتح له قلبه داخل الأسرة فلن يحتاج إلى صديق غير مرغوب فيه يفضفض معه.
- في بعض الأحيان يكون للوالدين مبررات غير منطقية في رفضهما لصداقات الأبناء، لذا يجب أن يتسم الوالدان في هذا الأمر بالموضوعية والمنطقية، ليستطيعا أن يقنعا أبناءهما بما يريداه، فإذا فشلا في ذلك فالمشكلة عندهما وليست عند الأبناء، لأنهما لم يجدا ما يقنعوهم به.
- ينتقي الوالدان أسمى وأزكى وأنقى الوسائل عن طريق القصص والأدبيات ومختارات التراث للتعامل بين الأصدقاء ويبصرا بها أبناءهما، وفي الوقت نفسه يبنا لهم النماذج السيئة من الأصدقاء ليكونوا على بينة ووعي تام وحذر مستمر من التقرب إلى أمثالهم.
- يجب على الوالدين أن يكونا جزءًا من مجموعة الأصدقاء، فالأم تتعرف على صديقات ابنتها، وكذلك الحال مع الأب وابنه، ويكون ذلك من خلال دعوة لحفل أو رحلة ترفيهية أو مذاكرة مشتركة.. فيتعرفان على ميول وأفكار أصدقاء أبنائهما بحيث يكون رأيهما بعد ذلك مسموعًا لدى أبنائهما، لأنهما يتحدثان عن واقع وليس مجرد انطباعات شخصية.
أخيرًا فلنحاول توفير الصحبة السليمة الصالحة لأبنائنا، لكي تتحول تلك العلاقة من مجرد صداقة إلى أخوة في الله، تعمل على انطلاق آمن لأبنائنا نحو شخصية سوية ناضجة، بعيدًا عن مغريات هذا الزمان، فليس هناك أفضل من أخ في الله يدعو لك بالهداية وتدعو له بالرشاد، وكما قال الشاعر:
يا من أنت جزء من أجزائي!
يا من تبدو للجهال كأنك دائي!
إني أعلم أنك حتمًا فيك شفائي
قل لي: هل يأتيك ندائي؟
إنك مني
أنت كأني
لست أرائي
أنت كأني حين شقائي
حين جهلت طريق إلهي
من عند الألف إلى الياء
حين تصورت الدنيا
حسي وغذائي وكسائي
إنك مسلم تشهد أن إلهك واحد
إنك فيها من شركائي
لكنك دومًا تطعنني من خلفي
في كعب حذائي
حين أراك تقوم بهذا
يغرقني خجلي وحيائي
ووشاة القوم إذا بانوا
تشري الطعنة في أحشائي
قل لي هل يأتيك ندائي؟
العزة عند إلهي
ليس العز دمي وبكائي
وغدًا من قوَّاك يميتك
إن أنت أهملت ندائي...!