تزوَّج زوجي بأخرى أقل مني في كل شيء، وله مني بنتان جميلتان وولد، والأخرى لها اثنتان أيضًا، وهو لا يستطيع توفير مصاريف بناتي والولد، وأنا سيدة محترمة ومتعلمة، وأعلِّم أولادي في مدارس خاصة، ولكي أوفِّر ثمن الدروس أعطيهم أنا كلَّ الدروس حتى اللغات، ورغم هذا لا أعجبه!!، وتزوج بعد 20 سنة عذابًا وفقرًا، وأنا لست راضيةً عن هذا الوضع الذي فرضه عليَّ دون استئذان مني أو أخذ رأيي، وحتى في زاوجه لم يرسل إلي المأذون بإعلان زاوجه، ولا أدري ماذا أفعل؟ وأريد أن يطلِّق تلك السيدة فهي غير جديرة به ولا بالارتباط بعائلتي أو عائلته؛ دلوني ماذا أفعل لهذا الزوج الذي فقد عقله على كبر؟!
* يجيب عن الاستشارة فريق الاستشارات:
سيدتي الفاضلة:
يعلم الله كم نقدِّر ظرفك، ونستشعر ما ألمَّ بك، وما أنت فيه، ومهما كان لزوجك من مبرِّرات فلا خلاف على حقِّك في العلم قبل زواجه من أخرى..
ولكن دعيني أؤجِّل تعاطفي مع صدمتك وحزنك وأسألك عن زوجك: لن أسألك عن إن كنت اهتممت بأولادك ونسيتيه في خضمِّ ازدحام الحياة أم لا؟! ولن أسألك لماذا قلت عن سنوات حياتك معه "20 سنة عذابًا وفقرًا"؟! ولن أسألك إن كان يعرف رأيك هذا خلال الأعوام الماضية أم لا؟! ولكني أودُّ أن أسألك: متى فقدت زوجك؟! لأنك لم تفقديه حين تزوج، ولكنه تزوج لأنك فقدتيه، فقدت التواصل معه؛ عاطفةً واحتواءً وتبادلاً للمسئوليات وتفهمًا ومدحًا وتشجيعًا والتماسًا للأعذار.
أتعرفين ما أظنه حدث؟! أن زوجك لم يُرِدْ أن يستبدل بك أبدًا.. لا.. بل أظنه يبحث عن شيء افتقده منك فترةً ولم يجده.. أنت أقدر الناس على معرفته.. فتجاوزي الغضب، وتوقفي عن وصفها بأنها أقل منك ودون المستوى، فلا تنشغلي بإلقاء الاتهامات عليها وعلى زوجك، ولكن اهتمي بما يلزمك لاستعادة مكانك في قلب زوجك من جديد.
وقد يرى كثيرون- يا سيدتي- تسلطًا بعض الشيء في لغتك، وأنت تطالبين بطلاقه لها وتَصِفينه بالذي فقد عقله على كبر، إلا أنني أرى زوجةً تحب زوجها، وتودُّ الحفاظ على بيتها ولملمته، فاحذري أن تصل هذه المشاعر السلبية والكلام غير المقبول عن الأب لأبنائك فتضيِّعي ما صنعتيه معهم بجهد وحب خلال سنوات طوال، فهذا بالذات الخطأ الذي لن يُغتفر لكليكما، ولن تجدا أحدًا ما يبرِّره لكما.
طريقان يمكنك الاختيار بينهما: الأول شكواه للجميع، والاستمرار على سياسة الغضب واللوم، ومحاولة إجباره على طلاق زوجته، وما يصاحب ذلك من صراخ وشجار، واسترجاع أسوأ الذكريات، وإيذاء للجميع؛ بدايةً بك وبأبنائك، ودعينا نسميها سياسة "هدم المعبد على الجميع"، وهي أسهل في الوسائل والإجراءات، إلا أنها تحقق نتائجَ كارثيةً على الجميع، وفي مقدمتهم الأبناء الذين تختصم المشكلة من صحتهم النفسية والمجتمعية وحتى الوجدانية.
وهذه الطريقة إن لم نحدِّد وسائلها فهي كثيرة، ولكن يمكنك استدلال مؤشراتها وتبيُّن إن كنت تسيرين على نهجها أم لا، وفي مقدمة ذلك عدم الحيادية، والوقوع في أكبر خطأ تقع فيه النساء، وهو النظر لعُشر الكوب الفارغ، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يكفرن العشير"، وخطورة ذلك أننا لو لم نرَ ما عند نصفنا الآخر من مزايا وإيجابيات ولم نحتضن ونأوي ما نحمله معًا من ذكريات وعواطف؛ فلن يكون لدينا رغبة في الحل من الأصل، وستظل كل اجتهاداتنا- بما فيها محاولة استشارة الآخرين- هي الرغبة في احتلال موقع المظلوم والتشنيع بالآخر، ولكن الحل سيظل هو الأبعد.
ومن الدلالات أيضًا ألا تزكِّي نفسي للأطراف التي تتوسط للحل، بل قول إن لديَّ أخطاء، هذا أكيد، وأعترف بالتقصير، ولا شيء في ذلك، ولكني أؤكد رغبتي في التغيير وتحقيق الأنسب للجميع.
وعرض المشكلة من وجهة نظر واحدة مؤشر يؤكد سيرنا على نهج هدم المعبد، ومؤشرات أخرى لن نفصِّل فيها الآن، وأخشى يا سيدتي- وبعد قراءة استشارتك- أن لديك عددًا منها، وأرى ذلك في عدة نقاط: "هو لا يستطيع توفير مصاريف بناتي والولد- 20 سنة عذابًا وفقرًا- هذا الوضع الذي فرضه عليَّ دون استئذان مني- سيدة غير جديرة به ولا بالارتباط بعائلتي أو عائلته- هذا الزوج الذي فقد عقله على كبر"!!، ثم قولك: "أنا سيدة محترمة ومتعلمة، وأعلِّم أولادي في مدارس خاصة، ولكي أوفر ثمن الدروس أعطيهم أنا كل الدروس حتى اللغات".
وثالثًا: لم تقدمي أسبابه ودوافعه لأن يرتبط بمن هي أقل "أقل مني في كل شيء، وله منك بنتان جميلتان وولد"، خاصةً لو أضفنا عبارة "والأخرى لها اثنتان أيضًا"، وافترضنا أن تلك الأخرى لديها بنتان من غير زوجك، فهي إذن ليست فتاةً بكرًا؛ ما قد يدلل على رغبة زوجك في متعة إضافية من زواجه بأخرى.
وهذه الطريقة- كما قلت لك- وسائلها هي الأسهل، ولن تكلفك أكثر من شكواه باستمرار وإعلان عدم رضاك عن ذلك الزوج الذي لم يرعَ العشرة، ونسي أنه تزوج بنت الحسب والنسب؛ ليرتبط بمن دونها في كل شيء، إلا أنك عليك تحمُّل نتائجها كاملةً، وفي مقدمتها ما ستحمله بناتك وولدك.
وإليك نصيحتي إذا كنت ترغبين في الحل حقيقةً، واتباع طريق مختلف، وأوله اتخاذ قرار الآن بأنك ستنجحين في استعادة زوجك حقيقةً، وهو قرار ليس بسيطًا في تحقيقه؛ لما يتطلَّبه من تجاوز وصبر ومراجعة حقيقية مع نفسك لسنوات زواجك العشرين، ثم حوارات (وليس شجارات) طويلة وعديدة معه، تستمعين فيها لما لديه..
ولكن.. أرجوك.. استمعي إليه بغير لوم، فدائمًا ما يرى الأزواج بعيون مختلفة تمامًا، فاصبري وانظري بعينيه، ثم إذا انتهى من كلامه فاجعليه ينظر بعينيك، خاطبيه واحرصي على لغة الحوار التي لا تقطع التواصل بينكما، ولا تحمل من السخرية ولا التجريح مهما كان ألمك.
ونبدأ الآن باستحضار بعض التغافر والعفو عن زلات زوجك وخطئه- لو اعتبرنا من وجهة نظر واحدة أن ما فعله خطأ كبيرًا- ونتذكر كثيرًا من الذكريات وساعات الودّ والوصال والعشرة الطيبة التي كان من ثمارها بنتان جميلتان وولد.
ثم أمسكي بورقة وقلم واكتبي: خلال 20 عامًا ماذا لمس مني زوجي من إيجابيات؟ وما كان عندي من سلبيات وأخطاء؟ وأصارحك أنه ليس أحد أقدر على رؤية ذلك منك، وقرِّري حين عودته إليك سيجد منك الأفضل، وستغيرين ما لديك من سلبيات، وهي أكيد موجودة في كلٍّ منا، ولا بد أن تعرفي أن من يقول أنا هكذا ولن أتغيَّر هو الفاشل الأكبر؛ لأن قرار الزواج أصلاً قرار بالتغيير، فأن تتحول من شخص واحد إلى نصفين أمر يتطلب الكثير والكثير من التغيير.
وبعد ذلك فلتستدعي زوجك و"أبو أولادك"، وتطلبين حكمًا من أهلك وحكمًا من أهله من أصحاب الأحلام والنهى، ويكون نيتنا جميعًا أننا نريد إصلاحًا لذات البين حتى يوفق الله بيننا، وتبدئين الكلام بذكر ما لزوجك عليك من فضل ومن حقوق، وما تحملينه له من أطيب الذكريات والمشاعر، وأنك ترين ما لديك من عيوب وسلبيات وبعض التقصير في حقه، لكنك تعتبين عليه أنه لم يوجهْك للأفضل، ولم يأخذ بيدك نحو ما يحبه منك ويرضاه، وهجرَك إلى أخرى، برغم أنها لن تحبه مثلك، ولن ترعاه يومًا كرعايتك له وحنانك عليه.
وتؤكدي أنك اليوم تطلبين حلاًّ يرضي الجميع، ويراعي ظروف الأبناء وخصوصيات العائلتين، مع تعهُّدك بأنك ستبذلين كل الواجب عليك؛ للوصول إلى هذا الحل الأفضل للجميع.
وبعدها استمعي- بصبر- لما قد يذكره من كذا وكذا، وهذا واردٌ، خاصةً أن الأزواج أحيانًا لا يقدِّرون حجم المشكلة، ويندفعون بقوة وراء قراراتهم الخاطئة، وقد لا يكون راغبًا في الحل الأنسب؛ لأنه قد يكون حقَّق متعةً جزئيةً حاليًّا لا يريد التخلي عنها، فضلاً عن دعاوى "الكلمة التي لا تنزل الأرض"، وقبل ذلك أن الرجل في أغلب الأحول أقل اكتراثًا بما قد يصيب الأبناء من مشكلات نفسية وخلافه.
وبعد الاستماع لجميع الأطراف اقبلي بالحل الذي سيتفق عليه الجميع، حتى ولو كان أن يستمرَّ مع زوجته الثانية مع شرط العدل بينكما، فهذا يا سيدتي- ولو كان فيه جور عليك من وجهة نظرك- هو الأفضل لأبنائك الذين اتفقنا على أنك أكثر اهتمامًا بهم وحملاً لمسئوليتهم.
نسأل الله أن يمنَّ عليك بالصبر، ويفرِّج عنك ما أنت فيه، ويوفقك وزوجك إلى ما يحبه ويرضاه، ويملأ بيتكما بالمودة والرحمة والسكينة.