الهِجران- بكسر الهاء- هو مفارقة الإنسان غيره، إمَّا بالبدن، أو باللسان، أو بالقلب، جاء في الحديث الشريف "لا هجرة بعد ثلاث" يعني: لا قطيعة لذي رحم ولا لصاحب، لكن الهجرة واجبة لأهل البدع والأهواء إلا أن يثوبوا ويتوبوا.

 

وكذلك- الهجران- ترك الإخلاص ساعة ذكر الله عزَّ وجلَّ، وكأن قلب الذاكر قد هجر لسانه جاء في الحديث الشريف: "ومن الناس من لا يذكر الله إلا مهاجرًا".

 

ولأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مقوله طيبة: "هاجروا ولا تهجروا"؛ أي: أخلصوا الهجرة لله، ولا تتشبَّهوا بالمهاجرين، يعني: لا تكن هجرتكم نوعًا من التمثيل الخالي من الروح.

 

ولكلمة "هجرة" معان متعددة في القرآن الكريم:

منها: التحول من مكان إلى آخر، أو من حال إلى حال.. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (النساء: من الآية 97)؛ أي: فتحوَّلوا إليها.. ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: من الآية 97)، فالتحوُّل من بلد جُلُّ سكانه كفار ومشركون ويتعطَّل أداء الشعائر الإسلامية فيه؛ يكون واجبًا، وسبب تحوُّل الآية: بقاء بعض من أسلم بمكة دون هجرة، فلما وقعت غزوة بدر، وأصابتهم سهام البدريين، وقع اللوم عليهم بسبب قعودهم عن الهجرة.

 

- ومعنى ثان: من أساء سلوكه هجرناه لسوء سلوكه بلا عتاب، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً (10)﴾ (المزمل) يأمر الله نبيَّه بالصبر على ما يقوله المشركون، وأن يهجرهم هجرانًا لا عتاب معه؛ عسى أن تكون دعوةً إلى الحق تأتي بهم، فيجدوا صدور المؤمنين مفتوحةً لهم.

 

- ومعنى ثالث: الهجران هو ترك بالكلية، قال تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)﴾ (المدثر).

 

- والمعنى ترك عبادة الأصنام، والانقطاع عن ذلك البتَّة، والتباعد بل والكره لذلك.

 

- ونحن ننشد من الهجرة اليوم- مع مناسبتها- أن نترك المخالفات كلها؛ من التراخي في الواجبات الدعوية والفتور في الوسائل التربوية، وضعف السير مع قافلة الدعوة، فهذا كله يجافي الصواب.

 

وليكن معلومًا أن من صفات الربانيين ما ذكره الله جلَّ جلاله في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ (آل عمران: من الآية 147)، يطلبون غفران ذنوبهم؛ فقد تمنَّوا أن تتضاعف أعمارهم في الدنيا ليبذلوها في سبيل الله، وليس لهم ذلك على فعل الشهيد بعد أن يدخل الجنة ويرى ماله من الكرامة والأجر، يقول- كما جاء في الحديث الشريف-: "وددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل..".

 

وطلبوا إلى الله أن يتجاوز عن إسرافهم، وما كان إسرافهم سوى القعود عن الجماعات أحيانًا، أو إهمال بعض النوافل، أو تكاسلهم عن الإسلام في الواجبات الدعوية، أو الفتور في الأداء، راجع حديث "هاجروا ولا تهجروا".