- د. عباس الزعفراني: المالك يفضل انهيار العقار لا ترميمه
- د. علي السكري: الإهمال جريمة تقتل منَّا المئات سنويًّا
- د. سامح هلال: الجهل وانعدام الرقابة أهم الأسباب
تحقيق: يارا نجاتي
مصنع الإسكندرية يقتل 26 عاملاً تحت أنقاضه.. مصرع طفل وإصابة 4 آخرين بحادث سقوط عقار بالمحلة الكبرى.. انهيار منزلين بالإسكندرية ومصرع 3 وإصابة 11 آخرين.. استخراج 6 جثث من تحت أنقاض منزل في سوهاج.. ما سبق كان بعضًا من عناوين الأخبار التي تصدَّرت إعلامنا خلال أسبوعٍ واحدٍ، لتدلل على كارثة عقارية تهدد مصر، ومئات الآلاف من أهلها.
الصدمة الكبرى تضمنها خبر آخر نقل تصريحًا عن وزارة التنمية المحلية يؤكد وجود 112 ألف قرار إزالة لعقارات بمختلف المحافظات منذ العام الماضي، وأرقام الإزالات تتزايد يومًا بعد يوم، إلا أنها لا تجد مساحات في جهود التنفيذ.
وفي تقرير لمحافظة القاهرة احتلت أحياء وسط القاهرة النصيب الأكبر من قرارات الإزالة بعدد 2700 عقار، فيما بلغ إجمالي القرارات بالمحافظة 8800 عقار، وتلتها أحياء المنطقة الجنوبية 2500 عقار؛ حيث المناطق الشعبية بالسيدة زينب والخليفة ومصر القديمة، التي تشكِّل نسيج وروح القاهرة الشعبية، ثم 2000 عقار في أحياء المنطقة الشمالية شبرا والساحل وروض الفرج والزاوية والشرابية وحدائق القبة والزيتون.
عقارات الخطورة الداهمة- كما يطلق عليها المسئولون- في حي وسط القاهرة تضم مناطق الحسين والجمالية والدرب الأحمر والحمزاوي والأزهر والباطنية وباب الخلق، وهي تلك المناطق التي تشكل مصر الفاطمية، وتضم 38 ألف عقار، منها عقارات أثرية يقع أسفلها 55 ألف محل تمثل ثروة لسكانه وشاغليه، وهي أقدم عقارات أحياء القاهرة؛ حيث مرَّ على معظمها أكثر من 150 عامًا، وصنف منها 433 عقارًا تحت بند الخطورة الشديدة.
مدخل المنزل الآيل للسقوط منهار
وأكدت دراسة بجامعة القاهرة أن 90% من عقارات مصر مخالفة وأن 50% من تلك العقارات تحتاج للصيانة؛ بينما نعيش على قنبلة موقوتة اسمها العقارات الآيلة للسقوط، وفي محافظات الجمهورية 2 مليون عقار آيل للسقوط و132 ألف قرار إزالة مجمَّدة.. والأرقام في النهاية لا تكذب ولا تتجمل.

(إخوان أون لاين) استعرض أحوال بعض عقارات منطقتي الجمالية وشبرا، بعد وقوعها ضمن المناطق المهدَّدة بالخطر التي حددتها محافظة القاهرة.
نبدأ بالجمالية.. إحدى المناطق السياحية الشهيرة، عندما تطأها قدمك تشاهد محالاً أنيقةً تستقبل السائحين إلا أن ذلك المشهد الخارجي يتعارض مع شهادات الأهالي، ويؤكد محمد عبد الله (صاحب محل ألومنيوم) بشارع المعز أن تلك الألوان المبهرة ونظافة الشوارع وديكورات المحال المتناسقة ما هي إلا منظر خارجي، لا يعبِّر عن الهشاشة والضعف الذي تعاني منه المباني، قائلاً: إن شركات المقاولات تعطي منظرًا نظيفًا للأبنية، ولا تقترب من الشروخ والتصدعات التي ملأت مباني المنطقة القديمة جدًّا.
![]() |
|
عمارات الجمالية مالت وانحنت على بعضها |
وتضيف أن عمر (البلوك) لا يتعدى الستين عامًا على الرغم من ذلك أنهار كلُّ ما فيه، وأصبحت الحوائط تذوب في أيدينا بمجرد لمسها، وانهارت شبكة الصرف الصحي كاملاً.
ويقول بدر محمد "أحد السكان وصاحب دكان صغير بالمبنى": إن سلالم العقار بنيت من البداية بمواد هشة جدًّا؛ لذلك سقطت منذ سنوات طويلة، وهي بذلك تتكامل مع كلِّ المواد والخامات السيئة التي بني بها العقار، مؤكدًا أن مهندسي الحي يأتون كل عدة أشهر ردًّا على شكوانا، فيصورون السطح ويذهبون.
ويؤكد أن فساد مهندسي الحي جعلهم يتغاضون عن قرار الإزالة؛ بسبب معارف أحد السكان في المحافظة، واستبدلوا القرار بقرار آخر بالتنكيس، وجمعوا 1000 جنيه من كلِّ ساكن لعمل السلم بالرخام ودهان الواجهات!!، مهددين بالدفع في مقابل عدم هدم المنزل.
وتتساءل (حسنة محمد) تسكن عقارًا بحارة الجوانية عن مصيرها في حال تنفيذ الحي قرار الإزالة الصادر للعقار، الذي تسكنه منذ أكثر من 30 عامًا، بعدما تركها زوجها تعيش وحيدةً، وليس لها مصدر للدخل، موضحةً أنها طالما أرادت أن تنتقل من الأخطار التي تشعر بها دائمًا في المنزل من اهتزازات وشروخ وسقوط للسقف على رأسها، لكنها سريعًا ما تبعد ذلك التفكير عنها، وتؤكد أنها لا يمكن أن تخرج من منزلها أبدًا.
عند الموت فقط!
قرارت إزالة لبلوكات حوش عطا من الثمانينات
وفي حي شبرا تتكرر انهيارات العقارات باستمرار، فلا يكاد يمرُّ شهر دون وقوع حادثة انهيار جديدة في مختلف مناطقه، وما إن تسأل أحد الأهالي، أو أصحاب المحلات حتى يروي قصص أقاربه وعائلته مع العقارات.

وتقول أم يحيى "استيقظت على سقوط خرسانة السقف على رأسي، فعلى الرغم من ترميم المنزل أكثر من مرة على مدار السنوات العشر الماضية، لكنها تعود وتسقط من جديد على رءوسنا"، وأضافت أنها ذهبت إلى الحي وطلبت معاينة المهندسين إلا أن أحدًا لم يحضر بالرغم من تركها الخرسانة على السرير عدة أيام للمعاينة، مؤكدةً أنها لا تعرف مستقبلها الآن فلا قرار الإزالة يتم ولا قرار الترميم أيضًا.
وروت جارتها (فهيمة إسماعيل) نفس القصة، مؤكدةً أن الأسياخ الحديدية بدأت تخرج من الخرسانة وأوشكت على السقوط، وعندما حاولت إصلاحها طلب منها العامل 500 جنيه، فلم تستطع توفيرهم لإنقاذ عائلتها من الموت.
وفي شارع (حنا جرجس) المتفرِّع من شارع الترعة البولاقية، تجد عقارين متجاورين قد هجرهما ساكنوهما كاملين، بعد الميل والاهتزازات التي أصابتها من الحفر في الأرض المجاورة، ويقول (بطرس) "صاحب ورشة مجاورة للمنزلين": إن أقاربه كانوا يسكنون في ذلك العقار منذ أكثر من 20 عامًا، ثم جاء مقاول واشترى الأرض المجاورة، وبمجرد بدء الحفر ظهرت شروخ في المباني، ولم يكد يقفز طفل صغير حتى يشعر السكان بالفزع.
ويكمل: ما اضطرهم إلى الانتقال خارج المنزل في انتظار قرار مهندسي الحي من شهور طويلة، وتشتتوا ما بين منازل الأقارب؛ لأنهم لا يملكون ما يمكنهم من شراء منزلٍ جديدٍ.
"الحي لا يظهر إلا لمَّا نموت" هكذا عبَّر ياسر (عامل في ورشة نجارة) عن شكواه لكثرة عدد المنازل المتصدِّعة والمائلة بشكل ملحوظ في المنطقة، مضيفًا أن السكان لا ينطقون حتى بشكواهم بين بعض؛ لكي لا تصل إلى ملاك العمارات، فيطردوهم ويصيروا بلا مأوى.
الطمع
أسياخ الحديد خرجت من سقف المنزل
عرضنا المشاكل والأخطار التي يعيش فيها سكان أغلب المحافظات المصرية على عددٍ من الخبراء، فأرجع الدكتور عباس الزعفراني أستاذ التخطيط العمراني بجامعة القاهرة انهيار العقارات القديمة في مصر إلى سوء الصيانة وانعدامها في كثير من الأحيان من قِبَل ملاك العقار، نتيجة لتثبيت سعر الإيجار تبعًا لقوانين الإيجار التي لا تترك للمالك فرصةً للحصول على أموال كافية تمكِّنه من القيام بصيانة دورية، حيث لا تتعدى الإيجارات في المباني القديمة الجنيهات القليلة.

ويضيف: لذا يفضل مالك العقار تركه حتى ينهار؛ لينشئ مكانه مبنى آخر يحصل منه على الكثير من الأموال"، موضحًا أن فترة السبعينيات في مصر شهدت فوضى في البناء، فشيدت المباني بمواد مغشوشة، مع سوء في التنفيذ، كسرقة الحديد، والغش في الإسمنت.
ويتابع: كما يلعب الطمع في تعلية المباني دورًا كبيرًا، في سقوط العقارات القديمة، فنظرًا لغياب الرقابة على المباني في مصر، يقوم أصحاب العقارات ببناء أدوار إضافية، على أساسات لا تتحمل أي أوزان زائدة".
وحول تأثر العقارات بمجرد حدوث مشاكل بسيطة بالمباني المجاورة لها، يوضح د. الزعفراني أن مباني مصر قديمًا كانت تُبنَى بنظام الحوائط الحاملة، وفيها تستند العمارة بكاملها إلى المبنى المجاور لها، فعند حدوث حركة بسيطة في الموقع المجاور، تكون كالقشة التي قصمت ظهر البعير، وتسقط العمارات، أو تتصدع وتميل بعد سنوات طويلة من إنشائها.
ويشير إلى أن هناك بعض الأخطاء الهندسية التي تتسبب في انهيار العقارات إلا أنها نادرة الحدوث، وتكون غير متوقَّعة كأن يكون المبنى قريب من نهر أو بحر، فَمِن الطبيعي أن تحدث انزلاقات طفيفة في التربة، وتسقط المباني بسبب انزلاق لا يتعدى 6 سم.
ويؤكد أن سقوط العقارات الحديثة يخضع لمشاكل أخلاقية كالتحايل على القواعد الهندسية والارتفاعات، وسرقة المواد والإهمال في تنفيذ المعايير السليمة، كعدم القيام بتقرير جسِّ التربة والاكتفاء بتقارير الأراضي المجاورة، على الرغم من أنها غير مكلفة، لافتًا إلى أن الحلول الهندسية عديدة ومتوفرة، لكن المانع أمام الملاك دائمًا ما يكون التكلفة الاقتصادية للإصلاحات.
ويوضح أن 30% فقط من سكان مصر يعيشون في عقارات قديمة، فَمِن الممكن بكلِّ سهولة وضع خطة لإخراجهم من تلك الأزمة، كرفع تدريجي للإيجار حتى لا يهمل المالك العقار، ويضمن حقه، مؤكدًا أن الحل الرئيسي سيأتي من الالتزام بتطبيق القوانين، كما قام كمال الجنزوري بإصدار قرارات بحبس المقاول والمالك ومهندس ورئيس الحي في حالة وجود أية مخالفات، فندرت المخالفات في تلك الفترة، نظرًا لجدية تنفيذ القوانين.
أخطاء بشرية
أسقف منازل الجمالية تتساقط على رءوس السكان منذ عشرات السنين
ويقول الدكتور علي السكري الخبير الجيولوجي: إن الانهيارات الناشئة من مشاكل طبيعية في التربة قليلة بل نادرة الحدوث، إنما الأسباب الرئيسية تتلخص في الأخطاء البشرية من المشرفين على الإنشاء من البداية، كسوء الإنشاءات والخامات المستخدمة، التي تجعل أساسات المبنى غير سليمة، فتنهار مع أول اختبار تتعرض له.

ويشير إلى أن الاختبارات الطبيعية التي يتعرض لها المبنى، هي الزلازل كما حدث في زلزال أكتوبر 92 بمصر، والأمطار والسيول التي تهدم المباني ضعيفة الإنشاء، بجانب الأعاصير والرياح الشديدة التي يندر حدوثها في مصر، مضيفًا أن هبوط التربة الذي يتسبب في تصدُّع العقارات، يأتي لأن البناء تمَّ على تربة هشَّة (غير مدكوكة)، كأن تكون آثارًا لمبانٍ قديمة من مئات السنين تراكم خلالها التربة الطينية وتصبح فارغة.
ويضم إلى الاختبارات الطبيعية التي تتعرض لها المباني، طفح المياه الجوفية أو الصرف الصحي، الذي بات أمرًا طبيعيًّا ومنتشرًا في أغلب القرى المصرية، فنرى المياه ترتفع في القرى لأمتار فتتلف الحوائط السفلية، وتصبح غير قادرة على حمل ثقل المنزل، موضحًا أن تلك المشاكل لها حلول يمكن اللحاق بالأمر قبل استفحاله، كعمل خطوط مجاري للمياه الجوفية أو مشاريع الصرف الصحي.
ويتابع قائلاً: وكذلك مشاكل التربة التي تجعل المباني تميل شيئًا فشيئًا عن الخط الرأسي لها، وتحتاج عددًا من الإصلاحات الهندسية المؤقتة التي تطيل من عمر المبنى كتقوية التربة، بإضافة طبقات من الزلط المخلوط، إلا أنها تؤكد على قصور في عمل المهندس الذي أشرف على بناء العقار، ضاربًا مثلاً بأحد المشاريع الجديدة التي لم يتم تسكين الناس بها بعد الانتهاء منها، بسبب العيوب الإنشائية الخطيرة فيها، وهي مباني القطامية التي لا تزال مهجورة على الرغم من اكتمالها منذ عشر سنوات.
جهل وقلة ضمير
مواسير المياه ظهرت من الطابق العلوي بعد تآكل السطح
ويرجع الدكتور سامح هلال أستاذ بقسم الإنشاءات بكلية الهندسة جامعة القاهرة مشاكل انهيار العقارات في مصر إلى سوء الضمير للملاك، والجهل، وانعدم الرقابة الداخلية من قِبَل الأحياء والمحافظات، المفترض منها تطبيق القوانين على أي مخالف، ومراقبة أعمال البناء باستمرار، وليس الانتظار حتى يموت المواطنون تحت أنقاض العمارات، لنحاول البحث عن كبش فداء كمتهم في الإهمال الجسيم.

ويقول: جهل المقاولين والعمال بأسلوب الصناعة المطلوب، يجتمع مع سوء الضمير المتمثل في سرقة الخامات ومواد البناء، ويضاف إليهم انعدام رقابة الدولة على المخالفين، وترك المخالفات لسنوات طويلة"، مؤكدًا أن انهيار مبنى لظروف الطقس أو الزلازل أو القيام بأعمال حفر هو حدث غير طبيعي لمبنى خرساني.
ويطالب بوقف تلك السلسلة التي لا تنقطع من الانهيارات والتصدُّعات في المباني التي يتبعها خسائر في الأرواح والأموال، بمراعاة مراقبة الإنشاء بدءًا من مهندسي وروؤساء الأحياء، مرورًا بالمقاول ومالك العقار، ما يتطلب تطبيقًا صارمًا للقوانين ضد المخالفين، بعد توفير كلِّ الظروف الملائمة لهم وتوجيههم إلى الطريق الصحيحة، كرفع مرتبات المهندسين المشرفين على أعمال البناء، حتى نمنع أسلوب العمل بالرشى، ونضمن تنفيذ أعمال الإشراف على أكمل وجه، مع تطبيق العقوبات على المخالفين.
