منذ خمسة وثلاثين عامًا ذهبتُ لزيارة صديق بالمدرسة فأدخلني إلى صالون البيت، وكان به مكتبة فاخرة تخص والده.. وذهب صديقي لإحضار الشاي فقمتُ لأقلب في الكتب لحين عودته فلفت نظري كتابٌ لسيد قطب، وهو كتابه المشهور في ظلال القرآن، وتناولتُ الكتاب من باب الاستغراب والفضول؛ حيث إن اسم سيد قطب كان حينئذٍ مثارًا للرعب عندنا "فقد  كنا جيرانه في شارع حيدر بحلوان، وخالي هو ضابط المباحث الذي قبض عليه".

 

ولما سألنا عن جريمته وقد كنا أطفالاً قالوا هذا الرجل أنشأ تنظيمًا هدفه قتل أم كلثوم وشادية وعبد الحليم حافظ..!! المهم فتحتُ الكتابَ وبدأت أطالع المقدمة وأنا أتوجس منه خيفةً وأتربص به السوء فما كدت أقرأ بضعة أسطر حتى انتابتني رعدة ما زلتُ استشعر سريانها في جسدي بعد كل هذه السنوات، وما زلتُ من حينٍ لآخر أستعيد في ذاكرتي تلك الكلمات النورانية المتألقة التي تدبُّ فيها روح الإيمان وصدق اليقين وحرارة الأداء وإخلاص الطوية.
ترى الكلمات وكأنها تربَّت برفق وتؤدة على قلب القارئ بردًا وسلامًا وحُبًّا واطمئنانًا قبل أن تنفذ إلى عقله نورًا ويقينًا وفهمًا واقتناعًا.

 

ما السر الكامن في هذه الكلمات؟ وما مبعث قوتها ونضارتها وتجددها وبقائها؟ إنه إيمان الكاتب بما سطَّره ومن ثَمَّ استعداده أن يبذل دمه في سبيلها.. وهو ما وصفه الكاتب بنفسه عن الكلمات التي تُشبه عرائس الشمع حتى إذا بُذلت فيها الدماء وأزهقت من أجلها الروح دبَّت فيها الحياة.. والأهم أن الكاتب الشهيد لم يكتفِ بالوصف والإنشاء.. بل حقق ما كتبه واقعًا حيًّا فقدَّم نفسه بسخاء.. ليعلي قيمة المبدأ وينتصر للفكرة.. فتخلد إثر موته كتاباته.. وتعيش من مداد دمائه كلماته.. وتقتات من حشاشة فؤاده مبادئه وشعاراته.

 

وعندما أطالع مقالةً مثل التي سوَّد بها الكاتب الأستاذ أسامة سرايا صفحات (الأهرام) (عين على المستقبل) أشعر أنني أمام كاتبٍ يرصُّ الكلمات رصًا باردًا، ويحشر العبارات بعضها تلو الآخر وكأنه يؤدي مهمةً وظيفيةً تُثقل كاهله وقد أوكلت إليه مرغمًا، عملاً يدعو للسآمة والضجر إلا أنه يأكل منه خبزًا وشهدًا.. فما ضرها كلمات وتحفظ  مقعده الوثير لفترة إضافية.

 

مقال إذا قرأته لم تجده شيئًا، ووجدت الفراغ حياله؛ ذلك الفراغ الذي يُسلمك إلى فراغٍ أبعد منه.. سطور من سرابٍ غائم تؤدي بك إلى وادٍ سحيق وكأنك تهوى من شاهق.. وتشعر بعد قراءة موضوع الإنشاء العقيم.. فارغ المضمون.. المداهن في لزوجةٍ فجَّة.. فاتر الإيقاع.. رتيب السياق.. بأنك تتناول طعامًا لإنقاص الوزن (foodless food) طعامًا بلا غذاء وجسدًا بلا روح.

 

وتتذكر قول الحكماء قديمًا ليست النائحة كالثكلى (*).. ما أبعد الشقة بين الكاتب صاحب الرسالة الذي ضحَّى في سبيلها بدمائه وبين المستوظف المربوط على درجة رئيس تحرير.. يسترزق من كلماته ويقتات.

----------

(*) الثكلى: الأم التي فقدت ولدها، والنائحة: مَن تُستأجر لتندب الميت.