![]() |
|
د. السيد منجود |
في الحقيقة تصادفنا أثناء الحياة والحركة فيها مواقف كثيرة، منها ما هو جديد وما هو مكرر.. فالأمور المكررة تكون لدينا الخبرة السابقة للتغلُّب عليها أو حسن التعامل معها فلا نجد فيها مشقًّة.. أمَّا الأحداث الجديدة فلا نجد معينًا عليها إلا خبرة الآخرين، وخاصةً السابقين على نفس الطريق، وهذا ما يحدث معنا غالبًا، أمَّا الذي لا يعرف له أستاذًا أو سابقًا، ولم يتلقَ من غيره العلم والخبرة يخسر عند ذلك خسرانًا مبينًا، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله.
أمَّا أنا فقد علمني صاحبي:
- أن أفهم وأن أُعمل عقلي وفكري في كل ما أعلم وأعمل، فلا يكفي أن أعمل بما علمت حتى أفهمه فهمًا دقيقًا، وبغير ذلك أكون قد أضعت جهدي ووقتي.. ودائمًا ينسى المرء ما لم يفهم.
- علمني أن أستفيد من كلِّ مَن أرى عنده فائدة وعلمًا سواء كان أكبر أو أصغر مني أو مساويًّا لي في السن أو الرتبة، وأكثر مصاحبته، ولا أكثر مصاحبة الجاهل أو قليل العلم والخبرة ولو كان أكبر مني؛ لأن صحبته أن لم تزدني جهلاً فسوف تقلب مفاهيمي وأفكاري ولن تزدني إلا عجبًا وغرورًا.
* علمني أن الإسلام ليس سياسة ولا صلة له بالسياسة، ولكن السياسة هي التي تقحم نفسها في الإسلام، ولا ترى لها قيمة أو فائدة ولا شرف إلا بالانتساب إليه، فأنت إن طالبت الحاكم بحقك وحقوق الناس فأنت تأمره بالمعروف، وإن طالبته بعدم الظلم واضطهاد البشر فأنت تنهاه عن المنكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الإسلام.. وأن أمرته برصف طريق وإصلاحه فلأن "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، وهي من شعب الإسلام التي نصَّ عليها الحديث "الإسلام بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".
وهكذا في كلِّ ناحية من نواحي الحياة تجد أن السياسة مغموسة في الدين وذائبة فيه، وإن شارك في المجالس النيابية فليقل للحاكم كلمة حق ويعينه عليها وينهاه عن الباطل وينصح له فـ"الدين النصيحة.. قيل لمَن يا رسول الله؟ قال لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، ويفرج عن الناس كربةً من كرب الدنيا ليفرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، كما في الحديث، وعملاً بالحديث القدسي "وعزتي وجلالي لانتقمن من الظالم للمظلوم، ولانتقمن ممن رأى مظلومًا فقدر أن يعينه ولم يفعل".
* يقول إن التفكر في خلق الله فريضة.. ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية 269)، وهذا بشرط أن نرجع الأمر كله لله، فعندما نُفكِّر في التقدم العلمي الذي وصل إليه الإنسان فعليك أن تُثبت أن الله أكبر.. فإن قرأتَ أو علمتَ أن الإنسان غزا الفضاء بالآلات فأثبت أنهم حتى الآن لم يُحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء.
وإذا علمت أن الإنسان صعد فوق القمر فأثبت أن الله هو الذي خلق القمر وهم فقط صعدوا إليه، وإذا علمت أن الأطباء ابتكروا عقارًا مضادًا لمرض فاعلم أن الله هو الذي خلق المرض، وأثبت أن الله خلق الداء والدواء، وهم فقط اكتشفوا ذلك بعد عناء.. وهكذا.
* علمني أن الله واحد وإن تعددت أسماؤه، فلا بد أن نتعامل مع أسمائه على أنها أسماء الله الواحد ولا نُفرِّق بينها، فإن تعاملنا مع الله الغفور الرحيم بالطمع في رحمته ومغفرته دون الأخذ بالأسباب فلماذا نتعامل مع الله الشافي الرزاق بالأخذ بكل الأسباب وأصعبها وأخطرها؟ فإن تسابقنا وتسارعنا في السعي على الرزق وجمع المال فلا بد أن نتسارع ونتسابق بنفس القوة في الأخذ بأسباب التوبة والمغفرة؛ لأن الرزاق هو هو الغفار.. سبحان ربي.
فالأخذ بالأسباب من القدر، ومع ذلك لا يُغيِّر في القدر شيئًا، فمن قال إن كل مَن تداوى شُفي؟ ومَن قال إن كل مَن تسارع إلى الرزق أصبح غنيًّا؟ ومَن قال إن مَن قعد عن السعي على الرزق مات جوعًا؟ ومَن قال إن المنتحر قصَّر في عمره؟ لم يقل بذلك أحد.. ولكن ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاَ﴾ (الكهف: من الآية 30)، ومَن ظنَّ أن الأجر مال أو طعام؟.
* علمني طاعة الأمير؛ لأن لله عليه فيوضات ومنح وتجليات وتوفيق في فكره وفي رأيه مهما كان سنه أو علمه أو عمله أو خبرته.. فما دام تولَّى الأمر فالله حسيبه ومعينه ومسدده، ولن يضيَّع الله دعوته وجهد دعاته لمجرد أمير ضعيف.
* قال: لن تكون قائدًا ناجحًا إلا إذا كنت جنديًّا ناجحًا، ولن يسمع لك أحد أو يطيعك إلا إذا سمعت لغيرك وأطعته كثيًرا كثيرًا.. فمن أخفق في هذه فلن يفلح في تلك.
هذا صاحبي الذي كلما يممت يمينًا أو يسارًا وجدتُ له علامة أو موقف يُذكِّرني به.. فاللهم إني أشهدك أني أحبه وأعرف له قدره، والحمد لله رب العالمين.
------------
