حتى يصل الباحث إلى نتائج صحيحة شكلاً وموضوعًا، ويقيِّم الشخصيات والمعطيات الدينية والتاريخية والاجتماعية تقييمها الصحيح يجب أن يلزم نفسه بالقواعد الآتية:

1- التجرد من الهوى والإسراف والشطط.

2- شمولية البحث، فلا يكتفي بالقراءات الجزئية، والنظر إلى المادة المبحوثة من زاوية واحدة.

3- التواضع في استعمال ما يقدمه من أحكام، فلا يحمِّل ألفاظًا أكثر مما تحتمل، ويلتزم بالأداء الذي يدل على الأدب والتواضع، فلا يقول إن الإسلام يقول كذا، بل يقول: "وأنا أرى" أن الإسلام يقول كذا.

4- الرجوع إلى الحق إذا ما تبيَّن أنه قد جانب الصواب، فيعلنه على القُرَّاء، فالرجوع إلى الحقِّ خير من التمسك بالباطل.

5- ومن أهم هذه القواعد: أن تكون القراءة "في" لا "عن"، بمعنى أن يعالج الباحث مُعْطى المادة المبحوثة، مُعملاً فكره بأمانةٍ فيما يبحث مباشرةً، وهذا ما أعنيه بالقراءة "في".. غير معتمد على ما يكتبه الآخرون "عن" المادة المبحوثة، إلا على سبيل الاستعانة والاستدلال، ويأتي ذلك في المرتبة الثانية.

********

أقول هذا بعد أن فاجأنا شيخ اسمه محمود عامر- ويلقب نفسه بإمام أنصار السنة بدمنهور أو البحيرة- بقول يُكفِّر فيه مَن يخرج على ولي الأمر، وعقاب ذلك- كما يرى- ضرب عنقه، فهو يدعو إلى قتل الدكتور البرادعي، والدكتور يوسف القرضاوي، بعد أن حكم عليه وعلى جماعة الإخوان بأنهم من الخوارج.

 

وأبدى الشيخ استعداده وتحديه لمَن يعارضه في رأيه هذا.. مع أن الذين كفَّرهم الشيخ محمود لم يدعوا إلا للعصيان المدني، وهو مصطلح في الفقه السياسي قد يجهل الشيخ مفهومه، فالعصيان المدني هو أحد أشكال المقاومة السلبية المشروعة، التي تعني تحرك المجتمع المدني في كافةِ قطاعاته، وبمبادرةٍ من أحزاب المعارضة والمنظمات الأهلية؛ للتعبير عن المطالب الاجتماعية والسياسية، بعد أن تفاقمت وتراكمت عبر السنين، ولم يستطع النظام السياسي التعامل معها أو طرحها على الرأي العام بالمصارحة، وليس بالخداع عن طريق البيانات الحكومية وبعض الصحف وأجهزة الإعلام المرئية والمسموعة، فهو البديل المشروع للكفاح المسلح وإراقة الدماء، وواضح أن الشيخ قصد بفتواه الشهرة عن طريق الفضائيات، حتى لو كان ذلك على حساب حدود الله، وحساب دستور الدولة الذي يسمح بتعدد الآراء وبمعارضة الحكم معارضة سلمية حتى لو كان هذا السماح ظاهريًّا.

******

ورأي الشيخ هذا يترتب على الأخذ به نتائج بشعة، أهمها:

1- تعطيل قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأنه لم يقرأ ما قاله الإمام أبو حامد الغزالي: "إن الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه، وأُهمل علمه وعمله؛ لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمَّت الفترة (الضعف)، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلى يوم التناد". (إحياء علوم الدين 7/1186).

 

وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لََتَأمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهوُنَّ عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شرِارَكم، ثم يدعو خياركم فلا يُستجاب لهم"، وهذا معناه: تسقط مهابتهم من أعين الأشرار فلا يخافونهم، وقال أبو عبيدة بن الجراح- رضي الله عنه-: "قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله عزَّ وجلَّ؟ قال: "رجل قام إلى والٍ جائرٍ فأمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر فقتله... ".. والمسلم يجب أن يرفض الظلم بكل صوره بالوسيلة التي يراها. وكأن هذا "الإمام" (!!!!!) قد نسي أو تناسى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)﴾ (النساء).

 

2- استمراء الحكام الظالمين مواصلة تسلطهم وظلمهم للرعية، ما دام هناك "فتوى شرعية" (!!!!!) لإمام أنصار أهل السنة.

 

3- التهويل من شأن المعارضة، فهي من وجهة نظر الشيخ خروجٌ على الحاكم، وهنا نرى الشيخ قد جهل أو تجاهل وقائع السيرة النبوية وتاريخ الصحابة رضي الله عنهم، ومن هذه الوقائع: ما حدث قبل التحام المسلمين بالكفار في بدر، فقد قال النبي لأصحابه: "إني قد عرفتُ أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجوا كرهًا لا حاجةَ لهم بقتالنا، فمَن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومَن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث فلا يقتله، ومَن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهًا".. قال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتلُ آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس بن عبد المطلب؟! والله لئن لقيتهُ لألحمنه بالسيف!! فبلغَتْ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال لعمر: "يا أبا حفص: أيُضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟!"، ولم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، أو اعتقاله، أو إبعاده عن الجيش.

 

وكان يُقال له- كما جاء في حديث أبي أمية الشعباني-: "يا محمد اتقِ الله".. فكان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟"، وقد وُجه لعمر رضي الله عنه من الرعية مقولة: "يا عمر اتق الله"، فكان جوابه: "ألا فقولوها، فلا خيرَ فيكم إن لم تقولوها، ولا خيرَ فينا إن لم نستمع إليها".

 

4- الإساءة إلى سمعة الإسلام والمسلمين في الخارج، فينظرون إلى الإسلام على أنه دين (إرهابي دموي)، وأن المسلمين قوم من المتخلفين المتوحشين.

 

5- نشر النفاق اعتمادًا على رفع قيمة الحاكم الظالم ومجاملته، والتقرُّب إليه ولو بطريقةٍ غير مباشرة، حتى أصبح النفاق هو الأصل السلوكي والقولي في مصرنا المطحونة، ومن ذلك:

أ- ما قاله أحد أصحاب الحيثيات: من أن الله اختار الرئيس مبارك لحكم شعب مصر، فقد جاء في "الكتاب المقدس": "مباركُ شعبِي مصر" (أي أن الرئيس مبارك خصَّه الله بأن يكون حاكمًا لشعب مصر على أساس أن شعب مضاف إليه)، مع أن الصحيح هو "مباركٌ شعبي مصر" (أشعياء 19) (ومبارك هنا خبر مقدم مرفوع، وشعب مبتدأ مؤخر مرفوع؛ أي أن الله قد بارك شعب مصر).

ب- ما كتبه (د. نبيل بباوي- أخبار اليوم 9/5/2009م): "... ثم يسألون كيف يكون الحزب الوطني حزب الأغلبية؟ وهنا سؤال: أعطوني اسم حزب واحد في القارات الست في العالم أحد كوادره الحزبية يزور على الطبيعة القرى‮ ‬والنجوع في كل دولته، أظن لن تجدوا إلا واحدًا في العالم أول حرف من اسمه ج والثاني م والحروف الباقية يعرفها الرأي العام المصري... ". (وواضح أنه يعني جمال حسني مبارك).

 

6- وكتب واحد من الكتاب المنصفين ما يأتي: إن فتوى الشيخ سيكون تأثيرها سلبيًّا على تلاميذ المدارس، فمثلاً في الصفحة 71 في الوحدة الثانية في فصل "علم وتكنولوجيا" من كتاب الصف الخامس الابتدائي وُضعت صورة الدكتور البرادعي بين د. زويل ود. يعقوب في منهج اللغة العربية للصف الخامس بالمرحلة الابتدائية. الدكتور "أحمد زويل" والدكتور "مجدي يعقوب"، وهما مَن هما، فحينما يعلم طالب الصف الخامس الابتدائي أن هذا العالم الذي كرَّمته الدولة وقلَّدته أعلى وسام لديها نتيجة علمه وكفاءته المصرية والدولية، ووضعت صورته في مقررات المناهج التعليمية ليكون محفزًا للشباب ولتعريفهم بعلماء بلدهم حتى لو اختلفوا مع سياسة الحكم؛ ماذا يقولون حينما يعلمون أن هذا الدكتور قد أفتى شيخٌ بقتله؟.

******

فاسمح لي يا فضيلة الإمام أن أصف ما أفرزته بأنه نفاقٌ خالصٌ، وصدق الله سبحانه وتعالى إذ قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)﴾ (النساء).

 

وإني لأسأل هذا الشيخ ما رأيك في حاكم مستبد يعيش هو وأنصاره على الظلم والنهب والتزوير واعتقال ألوف من الأبرياء بلا محاكمات، ونشر حواريوه كل ألوان الفساد المعروفة والمجهولة.. هل الخارج ولو سلميًّا بالعصيان المدني على مثل هذا الفرعون يعدُّ كافرًا يجب ضرب عنقه بالسيف؟

 

وفي النهاية أنبه إلى أن ما ذكرته آنفًا ليس ردًّا على الشيخ، فقد تكفَّل بالرد المُفصَّل على إفرازاته مَن هم أعلم مني، وعلى رأسهم الدكتور كمال الهلباوي، ولكن ما ذكرت إنما هو مجرد نظرة لهذه الإفرازات بدافع الشعور الإيماني والتفكير العقلاني المُبرَّأ من الإسراف والهوى، والله ولي التوفيق.

------------

* gkomeha@gmail.com